مفارقة السقوط: خيانة النخبة وفقد بوصلة النجاة


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 20:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

الدول العربية
فيما يجنح حكامها للطرق المستقيمة مرغمين صاغرين،
تأبى الشعوب ونخبها إلا السير في الخطوط المعوجة،
التي تذهب بها للجحيم!!

لطالما آمن العقل الجمعي العربي بأن مآسينا تبدأ وتنتهي عند "كرسي الحكم"، وأن الإصلاح مرهون فقط بنوايا الحكام. لكن نظرة فاحصة على الواقع المعاصر تكشف عن مفارقة مريرة: أحياناً تجد السلطة نفسها، تحت ضغط الواقع الاقتصادي أو التوازنات الدولية، مرغمة على اتباع "الخط المستقيم"؛ أي لغة الأرقام، والمؤسسات، والبراغماتية القاسية التي تتطلبها النجاة في عالم لا يرحم. وفي المقابل، نجد قطاعات واسعة من الشعوب والنخب ترفض هذا الممر المستقيم، وتختار الالتفاف حوله في مسارات "معوجة" غارقة في الغيبيات أو الأيديولوجيا، أو الشعبوية، أو الحنين لأساطير ماضوية.

1. الحاكم و"الاستقامة الجبرية"
لا يسير الحكام العرب في الخطوط المستقيمة دائماً طواعية، بل غالباً ما يكون ذلك "إرغاماً". إن ضغوط الديون الدولية، وتحديات الأمن القومي، وضرورات التنمية التقنية تفرض على صانع القرار لغة محددة لا تقبل المواربة. هنا، تصبح "الاستقامة" نوعاً من الإذعان لمنطق الدولة الحديثة.

القاعدة هنا: الواقعية السياسية ليست خياراً أخلاقياً للحاكم، بل هي طوق نجاة أخير للبقاء في حلبة الأمم.

2. غواية الخطوط المعوجة
على الجانب الآخر، نجد المشهد الشعبي والنخبوي غارقاً في صراعات بينية أو أوهام كبرى. تكمن "الخطوط المعوجة" في:
• تغييب العقلانية: استبدال الحلول العلمية والمؤسسية بالخطب الرنانة والشعارات العاطفية.
• مقاومة التغيير: رفض الإصلاحات الهيكلية الضرورية لمجرد أنها تكسر أنماطاً اجتماعية اشتراكية بائدة.
• انفصام النخبة: نخبٌ تعيش في أبراج عاجية، يتعالى صراخها من الفشل، لكنها تعجز عن قبول البديل الواقعي. بل وأحياناً تحرض على "الخروج" دون رؤية، مما يفتح أبواب الجحيم (الفوضى) بدلاً من الإصلاح.

3. عندما يصبح "الجحيم" خياراً
إن السير في الخط المعوج يعني باختصار: إنكار الواقع. وعندما تنكر الشعوب ونخبها سنن التطور والإنتاج والانضباط، وتكتفي برجم "الآخر" أو انتظار "المخلص"، فإنها تسير بوعي أو بدون وعي نحو الانهيار. الجحيم هنا ليس قدراً مفروضاً، بل هو نتيجة طبيعية لتصادم الرغبات العاطفية مع القوانين الصارمة للتاريخ.

مسؤولية الجميع
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الدول العربية لا يتطلب فقط حكاماً يدركون مصالح دولهم، بل يتطلب "وعياً مجتمعياً" ونخبة قادرة على فهم أن الطريق المستقيم –وإن كان مراً وصعباً– هو الممر الوحيد للخروج من التيه. إن التمسك بالعوج في عصر السرعة هو انتحار جماعي، مهما كانت المبررات العاطفية أو التاريخية.

تعد "النخبة" في أي مجتمع هي "البوصلة" التي يُفترض بها توجيه الرأي العام نحو ضفاف الأمان. لكن في المشهد العربي، تبدو هذه البوصلة أحياناً وكأنها تعمدت الإشارة نحو القاع.
إذا كان الحاكم يجنح للطريق المستقيم -ولو اضطراراً- حفاظاً على كيان الدولة، فإن النخبة (سواء كانت فكرية، سياسية، أو أكاديمية) غالباً ما تمارس دوراً "تعطيلياً" يكرس السير في الخطوط المعوجة.

النخبة العربية: حارسة "الأوهام" ومعطلة "الواقعية"
بدلاً من أن تكون النخبة هي الجسر الذي يعبر بالناس من العاطفة الغوغائية إلى العقلانية المؤسسية، نجدها في حالات كثيرة أصبحت هي "المهندس" الذي يشرعن الخطوط المعوجة. ويمكن حصر مآزق النخبة في النقاط التالية:

1. الاستثمار في "المظلومية" لا "الحل"
تقتات قطاعات واسعة من النخبة العربية على نقد السلطة لمجرد النقد، دون تقديم بديل "قابل للتطبيق". إنهم يتقنون توصيف الجحيم، لكنهم يفرون من مسؤولية بناء "خارطة طريق" واقعية. هذا الخط المعوج يجعل الشعوب في حالة سخط دائم، دون أمل في التغيير البنّاء، مما يؤدي في النهاية إلى الانفجار الفوضوي.

2. الانفصال عن "فقه الضرورة"
بينما يواجه الحاكم ضغوطاً تقنية واقتصادية دولية تجبره على اتخاذ قرارات "جراحية" مؤلمة (الخط المستقيم)، تصر النخبة على رفع سقف التوقعات الرومانسية أو الأيديولوجية المستحيلة.
• النتيجة: يتم تصوير "الواقعية السياسية" كخيانة، و"الرصانة الاقتصادية" كعمالة، مما يدفع الشارع لرفض أي مسار إصلاحي جاد.

3. "تجهيل" الجماهير بالشعارات
بدلاً من تعليم الشعوب قيم العمل، والإنتاج، والانضباط، والقانون، تنهمك النخبة في دغدغة العواطف بشعارات فضفاضة (الكرامة، العدالة، الهوية) دون ربطها بآليات عمل حقيقية. إنهم يبيعون "السراب" للناس، وحين يصطدم المجتمع بصخرة الواقع، تنسحب النخبة لتراقب الانهيار من بعيد.

4. النخبة "المتفرجة" والنخبة "المؤججة"
توزعت النخبة العربية بين فريقين كلاهما يقود للجحيم:
• الفريق الأول: اختار الصمت السلبي، تاركاً الساحة للأصوات الراديكالية.
• الفريق الثاني: اختار التحريض على "كل شيء" دون امتلاك رؤية لـ "أي شيء"، مما حوّل الحراك الشعبي في كثير من الدول إلى وبالٍ على أصحابه.

الخلاصة: خيانة المثقف للواقع
إن "الخطوط المعوجة" التي يسير فيها المجتمع ليست قدراً، بل هي نتاج "تزييف وعي" مارسته النخبة لسنوات. فالحاكم قد يلتزم بالمسار المستقيم خوفاً من السقوط، أما النخبة التي تأبى إلا العوج، فهي تمارس انتحاراً فكرياً يجرّ خلفه أمماً بأكملها.

الحقيقة المرة: الشعوب التي لا تمتلك نخبة "شجاعة" بما يكفي لمواجهتها بأخطائها، هي شعوب محكومة بالسير في الدوائر المفرغة حتى السقوط النهائي.

بين "تنوير" البناء و"تنظير" الهدم: مقارنة تاريخية

1. النخبة الأوروبية: هندسة "الخط المستقيم" (عصر النهضة والتنوير)
في أوروبا، لم ينتظر المثقفون والعلماء (النخبة) من الحكام أن يكونوا مصلحين، بل قاموا بصياغة "العقل" الذي أجبر السلطة والمجتمع معاً على سلوك الطريق المستقيم.
• مواجهة الشعوب قبل الحكام: لم تتردد النخبة الأوروبية (مثل فولتير، لوك، وكانط) في انتقاد خرافات الشعوب وأوهامها قبل انتقاد استبداد الكنيسة أو الملوك. لقد خاضوا معركة "تغيير العقل الجمعي".
• الانضباط العلمي والقانوني: كان همّ النخبة هو إيجاد "العقد الاجتماعي" وتكريس سيادة القانون. بالنسبة لهم، الخط المستقيم هو "المؤسسة" وليس "الفرد".
• النتيجة: عندما جُنح الحكام للطرق المستقيمة (الملكية الدستورية أو الإصلاحات الإدارية)، وجدوا مجتمعاً ونخبة تدفع في نفس الاتجاه، مما خلق نهضة مستدامة.

2. النخبة العربية: الغرق في "الخطوط المعوجة" (الواقع المعاصر)
على النقيض تماماً، تعاملت النخبة العربية مع مفاهيم النهضة كقشور أو شعارات، دون الغوص في جوهر "الانضباط" الذي تتطلبه الحضارة.
• الهروب إلى الأيديولوجيا: بدلاً من التركيز على العلم، الإدارة، والاقتصاد (الخطوط المستقيمة)، انخرطت النخبة في صراعات أيديولوجية (يسار ويمين، علمانية ودينية). هذه الصراعات هي "الخطوط المعوجة" التي استهلكت طاقة المجتمعات لعقود.
• مداهنة الجماهير (الشعبوية): بينما واجهت النخبة الأوروبية جهل الجماهير بالعلم، نجد النخبة العربية غالباً ما تساير عواطف الغوغاء وتغذي فيهم روح التواكل أو انتظار "البطل المخلص"، خوفاً من فقدان الشعبية أو اتهامها بالنخبوية.
• عقلية "الهدم" لا "الترميم": تاريخياً، ركزت النخبة العربية على كيفية "إسقاط" الأنظمة، لكنها نادراً ما قدمت مشروعاً لكيفية "إدارة" الدولة بعد السقوط. هذا الفراغ هو الذي قاد الشعوب مراراً إلى "الجحيم" (الفوضى أو الحروب الأهلية).

الخلاصة التاريخية
أوروبا لم تنهض لأن حكامها كانوا "ملائكة"، بل لأن نخبتها رسمت "خطاً مستقيماً" من الوعي لا يمكن للحاكم أو الشعب الحياد عنه دون السقوط. أما في واقعنا، فالمأساة تكمن في أن الحاكم حين يحاول ممارسة "الواقعية" (الخط المستقيم) للنجاة بالدولة من الانهيار، يجد نخبة تشد المجتمع نحو مسارات العاطفة والانفعال، مما يجعل السقوط في "الجحيم" نتيجة منطقية لغياب العقلانية الجماعية.