صمود أم جنون: جدلية القتال حتى الرمق الأخير


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 15:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في لحظات الاحتدام، تظهر الشعارات الرنانة مثل "القتال حتى آخر قطرة دم". وبينما قد تبدو هذه الكلمات ظاهرياً قمة البطولة، إلا أن ميزان الحكمة يضعها تحت مجهر النقد، فالفارق بين البطل والمتهور خيط رفيع يغزله الوعي بالنتائج.

أولاً: منطق القائد.. المسؤولية فوق الرمزية
عندما يتحدث قائد عن "آخر قطرة دم"، فهو لا يتحدث عن دمه الشخصي فحسب، بل يرهن دماء آلاف، وربما ملايين، بقراره. هنا تختلف الحسابات:
• البطولة الحقيقية: أحياناً تكون البطولة في "تجرع السم" (على حد التعبير الشائع) من أجل حقن الدماء. الحاكم المسؤول هو من يرى أن بقاء الأمة واستمرارها أسمى من كرامته الشخصية أو صورته في كتب التاريخ.
متى يكون الصمود جنوناً؟. . إذا كانت المعركة خاسرة عسكرياً وبشرياً، والإصرار عليها يؤدي إلى إبادة النسل أو تدمير مقدرات وطن لا يمكن تعويضه، فإن الصمود هنا يتحول من "دفاع عن الكرامة" إلى "جريمة ضد الإنسانية" وليس فقط "جريمة سياسية". فالقائد وُجد ليحمي الشعب، لا ليقدم الشعب قرباناً لمبادئه الخاصة.

ثانياً: رب الأسرة والمعركة الشخصية
على النطاق الضيق، يواجه الفرد معارك قد تكلفه حياته.
• الواجب الأخلاقي: الفطرة البشرية تحترم من يدافع عن عرضه أو ماله حتى الموت. لكن الحكمة تسأل: إذا مات رب الأسرة، من سيعول الأيتام؟
• الموازنة: الشجاعة هي أن تقاتل لتنتصر أو لتدفع الضرر، أما القتال لمجرد القتال مع اليقين بالهلاك، فقد يكون هروباً من مسؤولية مواجهة واقع الهزيمة المرّ.

ثالثاً: الشجاعة.. هل هي غاية أم وسيلة؟
يجب أن نفرق بين نوعين من الصمود في المعارك اليائسة:
1. صمود "الرسالة": حين يكون الموت هو الوسيلة الوحيدة لإحياء قضية (مثل قضايا الحرية الحاسمة)، هنا يصبح الموت "ولادة" لفكرة ستعيش للأبد.
2. صمود "العناد": حين يكون الهدف هو المكابرة أو الخوف من حكم التاريخ بالضعف، وهذا هو "الجنون"، لأنه يضحي بالواقع من أجل الأوهام والشعارات الجوفاء.
رابعاً: هل الانسحاب خيانة؟
التاريخ يخبرنا أن "الانسحاب التكتيكي" أو "القبول بالهزيمة المؤقتة" هو ما حفظ حضارات من الفناء.
اليابان بعد الحرب العالمية الثانية قبلت بشروط قاسية جداً، لكنها حافظت على شعبها، واليوم هي قوة عظمى. ولو كان قادتها قد قرروا القتال "حتى آخر قطرة دم"، لربما لم نجد يابانياً واحداً اليوم يروي قصتهم.

الخلاصة
القتال حتى الموت هو "عمل بطولي" حين يكون الثمن هو العبودية المطلقة أو الفناء الحتمي في كلتا الحالتين. لكنه يصبح "جريمة" و "جنوناً" حين يكون هناك مسار يحفظ الحياة ويسمح بالنهوض من جديد.
الحكمة ليست في كيفية الموت بشجاعة، بل في كيفية العيش بشرف وبناء مستقبل لمن نتحمل مسؤوليتهم.

لنأخذ مثالين متناقضين تماماً من التاريخ، كلاهما واجه لحظة "القتال حتى الموت أو الاستسلام"، وكيف غير قرار كل منهما مصير أمة بأكملها:

1. النموذج الياباني (الإمبراطور هيروهيتو - 1945)
السياق: كانت اليابان تواجه هزيمة محققة في الحرب العالمية الثانية. القادة العسكريون كانوا يرفعون شعار "مئة مليون انتحاري" (Hachigatsu)، وكانوا يخططون لقتال الأمريكان على الشواطئ بالرماح الخشبية إذا لزم الأمر، مؤمنين بأن الموت الجماعي أشرف من الاستسلام.
• القرار: بعد القنبلتين الذريتين، اتخذ الإمبراطور هيروهيتو قراراً "بتجرع ما لا يمكن تجرعه" وأعلن الاستسلام.
• النتيجة:
• حقن دماء الملايين: أنقذ الشعب الياباني من إبادة شبه كاملة.
• البناء من الركام: بدلاً من أن تصبح اليابان مجرد "ذكرى لبطل مات منتحراً"، تحولت خلال عقود إلى القوة الاقتصادية الثانية في العالم.
• الرؤية: هنا كانت الحكمة في قبول الهزيمة العسكرية للحفاظ على الوجود الحضاري.

2. النموذج القرطاجي (نهاية قرطاج - 146 ق.م)
السياق: في الحرب البونيقية الثالثة، حاصرت روما مدينة قرطاج (في تونس الحالية). طالبت روما القرطاجيين بتسليم أسلحتهم ثم هدم مدينتهم والانتقال للعيش في الداخل بعيداً عن البحر.
• القرار: رفض القرطاجيون الشروط المذلة وقرروا القتال حتى الرمق الأخير. صنعت النساء أوتار القسي من شعورهن، وقاتل الجميع في الشوارع لعدة أيام حتى هُدمت المدينة فوق رؤوسهم.
• النتيجة:
• الفناء التام: قُتل معظم السكان، بيع الناجون كعبيد، وحرث الرومان الأرض بالملح لكي لا ينبت فيها زرع أبداً.
• النهاية: اختفت حضارة قرطاج العظيمة من الوجود ككيان سياسي للأبد.
• الرؤية: هذا هو "صمود الكرامة الانتحاري". قد يراه البعض بطولة خالدة، لكن بلغة السياسة والبقاء كان "جريمة" أدت لاندثار أمة كاملة.

يصبح القتال حتى الموت "جريمة"
جريمة في حق الرعية عندما يكون لدى القائد خيار يحفظ به أرواح شعبه ومستقبلهم، لكنه يختار "المجد الشخصي" أو "الرمزية التاريخية" ليدخل التاريخ كبطل، تاركاً خلفه شعباً محطماً أو مباداً.

القائد الحقيقي هو من يضحي بسمعته وبطولته الشخصية في سبيل نجاة شعبه.

والشعب الواعي هو من لا يمجد ولايهتف للقائد الانتحاري غير المبالي بحياة ومصير شعبه.