بين البراغماتية والانتهازية: هل تنفرد قطر بـ -الرقص على الحبال-؟


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

دويلة قطر
هل هي وحدها التي تمارس
الدعارة السياسية؟!!

في عالم السياسة، لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمة. هذا المبدأ الذي أرساه "بالمرستون" تحول في العصر الحديث إلى مدرسة قائمة بذاتها، تصفها المعارضات بـ "الدعارة السياسية" ويصفها الممارسون بـ "الواقعية السياسية" أو "الدبلوماسية المرنة".
1. الحالة القطرية: التناقض كمنهج
تُتهم قطر غالباً بممارسة هذا النوع من السياسة لأنها استطاعت الجمع بين أقصى المتناقضات في آن واحد:
• تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية (العديد)، وفي الوقت نفسه تفتح مكاتب لحركات تعتبرها واشنطن إرهابية أو معادية.
• تمتلك علاقات اقتصادية ضخمة مع إيران (بسبب حقل الغاز المشترك)، بينما هي عضو في منظومة خليجية كانت تاريخياً على طرفي نقيض مع طهران.
• تدعم تيارات "الإسلام السياسي" في دول الجوار، بينما تحافظ على علاقات وثيقة مع دول غربية علمانية.
2. هل هي وحدها في الساحة؟
الإجابة المباشرة هي لا. فالتاريخ المعاصر والواقع الحالي يعجان بنماذج تمارس "التبدل السياسي" حسب المصلحة:
• تركيا: عضو في حلف الناتو، لكنها تشتري منظومات دفاعية من روسيا (S-400)، وتلعب دور الوسيط والخصم في آن واحد في الملف السوري والليبى.
• القوى العظمى (أمريكا وروسيا): لطالما تحالفت واشنطن مع ديكتاتوريات قمعية تحت شعار "حماية الديمقراطية"، ودعمت موسكو أنظمة لا تتوافق مع أيديولوجيتها لمجرد نكاية الغرب.
• الدول الوظيفية: هناك دول صغيرة عديدة في أوروبا وسنغافورة والشرق الأوسط تعتمد مبدأ "الحياد النشط"، وهو في نظر البعض نوع من الانتهازية السياسية لضمان البقاء وسط الكبار.
3. لماذا التركيز على قطر؟
يرجع التركيز على قطر إلى حجم التأثير مقارنة بالمساحة. فاستخدام القوة الناعمة (الإعلام، المال، الرياضة) جعل تناقضاتها تحت المجهر بشكل أكبر من دول أخرى قد تمارس نفس السلوك لكن بصمت أو في دوائر ضيقة.
الخلاصة
إن ما يسمى بـ "الدعارة السياسية" هو في جوهره أداة للبقاء تستخدمها الدول التي تفتقر إلى العمق الجغرافي أو القوة العسكرية التقليدية. قطر ليست الوحيدة، بل هي ربما الأكثر "ضجيجاً" في ممارسة هذا الدور. في غابة السياسة الدولية، الأخلاق هي العملة الأقل تداولاً، بينما "النتائج" هي ما يحدد نجاح الدولة من فشلها.

ملاحظة: التاريخ هو من سيحكم في النهاية عما إذا كان هذا النوع من السياسة "ذكاءً استراتيجياً" حَمى الدولة، أم "مغامرة" أدخلتها في صراعات أكبر من حجمها.

تعتبر الآلة الإعلامية هي "المحرك النفاث" الذي يحول المناورات السياسية من مجرد تحركات دبلوماسية خلف الكواليس إلى قوة ناعمة تفرض أجندتها على الشعوب. في حالة قطر، لم تكن السياسة لتنجح في "اللعب على كل الحبال" لولا وجود ذراع إعلامي احترافي يعرف كيف يغلف التناقضات بغلاف من "المبادئ" أو "الرأي والرأي الآخر".
إليك تحليل للجانب الإعلامي في هذا السياق:
الإعلام كأداة "تبييض" وتوجيه: كيف تُدار التناقضات؟
تعتمد الاستراتيجية الإعلامية التي توصف أحياناً بالانتهازية على ثلاثة محاور رئيسية:
1. ازدواجية الخطاب (الوجه والمقفا)
هذه هي الميزة التنافسية الكبرى؛ حيث يتم توجيه رسائل متناقضة تماماً لجمهورين مختلفين:
• الخطاب الموجه للشرق (بالعربية): يركز على قضايا الشعوب، الثورات، المقاومة، والدفاع عن الهوية الإسلامية. هذا الخطاب يمنح الدولة "شرعية شعبية" في الشارع العربي.
• الخطاب الموجه للغرب (بالإنجليزية): عبر منصات مثل (AJ+) أو القنوات الدولية، يتم التركيز على حقوق الإنسان، الحريات الفردية، البيئة، والليبرالية.

الهدف: كسب تعاطف "الشارع الثوري" العربي، وفي الوقت نفسه تقديم صورة "الدولة المتنورة" للغرب.

2. صناعة "العدو" و"البطل"
الإعلام هنا لا ينقل الخبر بل يصنعه. يتم تسليط الضوء بكثافة (Zoom-in) على أخطاء الخصوم السياسيين وتسميتها بأسماء أخلاقية (خيانة، عمالة، قمع)، بينما يتم التغاضي تماماً (Zoom-out) عن نفس الممارسات إذا صدرت من حليف أو من الدولة نفسها.
3. تسييس القضايا الإنسانية
استخدام قضايا عادلة (مثل القضية الفلسطينية أو معاناة الشعوب في الحروب) كدروع بشرية لحماية التوجهات السياسية. عندما يتم انتقاد السياسة القطرية، يتم الرد فوراً بأن الهجوم هو استهداف لـ "صوت المظلومين" الذي تمثله المنصة الإعلامية.
هل قطر وحدها في هذا المضمار الإعلامي؟
بالطبع لا، فالإعلام "المؤدلج" أو الوظيفي هو سمة العصر، ولكن الفارق يكمن في التمويل والانتشار:
• الإمبراطوريات الغربية (BBC, CNN): تمارس "بروباغندا ناعمة" تخدم مصالح دولها، لكنها تعتمد على إرث طويل من "المصداقية المؤسسية" التي تجعل تمرير الأجندات أكثر ذكاءً.
• الإعلام الإقليمي المنافس: حاولت دول أخرى استنساخ التجربة القطرية لإنشاء منصات مضادة، مما خلق حالة من "الحروب الإعلامية بالوكالة"، حيث تتبادل المنصات اتهامات "الدعارة السياسية" و"التبعية"، وكل طرف لديه ملفات تثبت تناقض الطرف الآخر.
الخلاصة الإعلامية
الإعلام في هذه الحالة ليس "ناقلاً للحقيقة"، بل هو "مهندس للواقع". هو الذي يجعل من القواعد العسكرية "ضرورة استراتيجية"، ومن دعم الجماعات المتطرفة "دفاعاً عن المظلومين".
النجاح الإعلامي هنا لا يقاس بمدى "صدق" المحتوى، بل بمدى القدرة على إقناع الجمهور بأن التناقض هو في الحقيقة "تعددية وذكاء".

تعتبر ظاهرة "الجيوش الإلكترونية" أو ما يُعرف بـ "الذباب الإلكتروني" هي المرحلة الأكثر شراسة في الصراع الإعلامي الحديث، حيث انتقلت المعركة من شاشات التلفزيون الرسمية إلى الهواتف الذكية في جيوب المواطنين.
إليك كيف يتم تطويع هذا السلاح لخدمة الأجندات السياسية وتبرير التناقضات:
سلاح "الذباب الإلكتروني": غسيل الأدمغة في الفضاء الرقمي
في الماضي، كان المشاهد يستقبل الخبر من "قناة الجزيرة" أو منافسيها ويحلله. اليوم، يتم توجيه رأيه عبر آلاف الحسابات الوهمية والمبرمجة (Bots) التي تعمل وفق الاستراتيجيات التالية:
1. صناعة "الترند" المزيف
تستطيع هذه الجيوش رفع "وسم" (Hashtag) معين إلى الصدارة في دقائق. هذا يعطي انطباعاً كاذباً بأن هناك "إجماعاً شعبياً" على موقف سياسي معين، مما يدفع المترددين من المستخدمين الحقيقيين لتبني نفس الموقف خوفاً من العزلة أو رغبة في مسايرة التيار.
2. اغتيال الشخصية (Character Assassination)
أي صوت مثقف أو معارض يحاول كشف "التناقضات" أو "البراغماتية الفجة" يتم الهجوم عليه فوراً بمئات التعليقات التي تتهمه بالخيانة، العمالة، أو حتى الطعن في عرضه. الهدف هو "إسكات الحقيقة" عبر الترهيب الرقمي.
3. تشتيت الانتباه (Whataboutism)
عندما تُحاصر الدولة (قطر أو غيرها) بحقيقة دامغة حول علاقة مشبوهة أو قرار متناقض، يتحرك الذباب الإلكتروني فوراً لفتح ملفات قديمة لخصومها.
• المثال التقليدي: "لماذا تنتقدون علاقتنا بإسرائيل؟ انظروا إلى الدولة (X) التي تفعل كذا وكذا!"

النتيجة: يضيع جوهر القضية في دوامة من المقارنات العقيمة.

هل هذا السلاح مقتصر على جهة واحدة؟
الحقيقة الصادمة هي أن المنطقة العربية تحولت إلى ساحة حرب رقمية عالمية.
• قطر: تمتلك شبكات منظمة جداً تتقاطع مع منصات إعلامية ضخمة.
• المحور المقابل (السعودية، الإمارات، مصر): أنشأ بدوره جيوشاً إلكترونية قوية جداً لخلق توازن رعب رقمي.
• القوى الإقليمية (إيران وتركيا): لديهما وحدات "سايبر" متخصصة في توجيه الرأي العام العربي لخدمة مصالحهما.

الخلاصة في المشهد الإعلامي الرقمي
لقد تحول "الجانب الإعلامي" من مجرد "نقل أخبار" إلى "إدارة صراعات". وما يسمى بـ "الدعارة السياسية" وجد في الفضاء الإلكتروني بيئة خصبة؛ لأن الخوارزميات لا تهتم بالحقيقة، بل تهتم بـ "التفاعل" (Engagement). فكلما كان المحتوى أكثر إثارة وتناقضاً وهجوماً، كلما انتشر أسرع.
المواطن البسيط أصبح هو "الضحية"؛ حيث يُحاصر بسيل من المعلومات المتناقضة التي تجعله في النهاية يكفر بكل المبادئ السياسية، ويقبل بالواقع المفروض عليه.