لماذا استهداف الإمارات


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

مفارقة "الأهداف البديلة": لماذا قصفت إيران الإمارات بأضعاف ما قصفت به إسرائيل؟
في التصعيد الأخير لشهر فبراير 2026، سجلت الرادارات الدولية مفارقة صادمة: وجهت إيران نحو الأراضي الإماراتية ما يقارب 1130 مقذوفاً (بين باليستي ومسيرة)، بينما لم يتجاوز حجم الاستهداف المباشر للداخل الإسرائيلي في نفس الفترة ربع هذا الرقم. هذا التفاوت ليس عشوائياً، بل يعكس استراتيجية "نقل المعركة" وتجنب الانتحار العسكري.

1. الهروب من "قواعد الاشتباك" القاتلة
تدرك طهران أن استهداف إسرائيل بكثافة نارية هائلة سيؤدي فوراً إلى رد فعل إسرائيلي-أمريكي تدميري شامل يستهدف رأس النظام وجميع المنشآت الحيوية الإيرانية. لذا، تلجأ إيران لسياسة "الرد بالوكالة" أو "الرد في الساحة البديلة"؛ حيث تقصف الإمارات لإيلام المنظومة الغربية وحلفائها، مع إبقاء شعرة معاوية مع إسرائيل لتجنب حرب الإبادة الشاملة.

2. "جغرافيا الأهداف" وسهولة الوصول
جغرافياً، تقع الإمارات على المقلب الآخر من الخليج العربي، مما يجعلها هدفاً سهلاً للصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى والطائرات المسيرة الرخيصة والتكتيكية. في المقابل، يتطلب قصف إسرائيل صواريخ بعيدة المدى ومعقدة تقنياً لاختراق أجواء دول متعددة ومنظومات دفاعية طبقية (أロー، مقلاع داوود، القبة الحديدية). لذا، تستخدم إيران "كثافة النيران" ضد الإمارات لتعويض "دقة الإصابة" وضمان تحقيق ضجيج سياسي وعسكري بأقل جهد تقني.

3. ضرب "المركز" لا "الثكنة"
تتعامل إيران مع إسرائيل كـ "ثكنة عسكرية" محصنة يصعب كسر إرادتها بالقصف التقليدي، بينما تتعامل مع الإمارات كـ "مركز مالي ولوجستي" عالمي. قطاع المال والأعمال شديد الحساسية؛ فخمسة صواريخ تسقط قرب "مركز دبي المالي" أو "موانئ أبوظبي" قد تسبب ذعراً اقتصادياً وهروباً لرؤوس الأموال يعادل في تأثيره السياسي مائة صاروخ تسقط على قاعدة عسكرية في صحراء النقب.

4. التحالفات الاستراتيجية والتطبيع
العلاقات المتقدمة بين الإمارات وإسرائيل (اتفاقات إبراهيم) والتعاون الأمني الوثيق بينهما، جعل من الإمارات في المنظور الاستراتيجي الإيراني "خاصرة رخوة" يمكن من خلالها الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة. طهران تعتبر الوجود الإسرائيلي قرب حدودها تهديداً لا يُرد عليه إلا بتهديد مماثل لحلفاء واشنطن وتل أبيب.

5. اختبار التضامن الغربي-الإقليمي
بتركيز القصف على الإمارات، تحاول إيران قياس مدى التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها العرب. هي تضع واشنطن أمام مأزق: هل ستستنزف مخزونها من صواريخ الاعتراض (ثاد وباتريوت) غالية الثمن لحماية سماء الخليج بنفس الحماس الذي تحمي به إسرائيل؟ هذا التكتيك يهدف لزعزعة الثقة بين دول المنطقة وحليفها الأمريكي.

6. هل هي فوضى أم فقدان للسيطرة؟
رغم أن البعض يفسر إطلاق مئات المسيرات دفعة واحدة كحالة من التخبط، إلا أن الواقع العسكري يشير إلى "تكتيك الإغراق". إيران تدرك أن الإمارات تمتلك أحدث منظومات الدفاع في العالم، لذا فإن إرسال 900 مسيرة يهدف لإنهاك "رادارات الاعتراض" وتفريغ مخازن الصواريخ الدفاعية، على أمل أن يمر مقذوف واحد يصيب هدفاً حيوياً يغير موازين التفاوض.

الخاتمة: رسالة الركام

إن توجيه "أضعاف" المقذوفات نحو الإمارات مقارنة بإسرائيل ليس دليلاً على أن الإمارات هي العدو الأول، بل دليل على أنها "الساحة الأكثر تأثيراً في الضغط الدولي". إيران تقامر باستقرار الخليج لتخفيف الضغط عن داخلها، مراهنة على أن العالم لن يتحمل انهيار المركز المالي للشرق الأوسط، وهو ما يفسر تحول الإمارات من وجهة سياحية إلى "خط دفاع أول" في صراع القوى الكبرى.