بين الحاكمية السُنِّية وولاية الفقيه الشيعية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 00:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

يُعد مفهوما "الحاكمية" و "ولاية الفقيه" من أهم الركائز السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر، فبينهما تتقاطع مساحات السياسة بالدين، ويُحاول كل منهما تقديم إجابة لسؤال: "مَن يحكم؟ وكيف؟".
رغم أن المفهومين يشتركان في ضرورة العودة إلى الشريعة كمصدر للتشريع، إلا أنهما ينطلقان من خلفيات كلامية (عقدية) وهيكلية مختلفة تماماً.

1. مفهوم الحاكمية في الفكر السني
برز مصطلح "الحاكمية" بشكل مكثف في القرن العشرين، وتحديداً مع أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، ليعبر عن السلطة المطلقة لله.
• الأصل الفلسفي: يقوم على فكرة أن حق التشريع الابتدائي هو لله وحده. الإنسان في هذا المنظور ليس "مشرعاً" بل هو "مستخلف" لتنفيذ أحكام الله.
• علاقة الحاكم بالمقدس: في الفكر السني، الحاكم (الخليفة أو الإمام) هو بشر غير معصوم، يتم اختياره عبر الشورى أو "أهل الحل والعقد". هو وكيل عن الأمة في تنفيذ الشرع، وليس وكيلاً عن الله.
• السلطة: السيادة لله، لكن الحاكمية السياسية (التنفيذية) هي للأمة. إذا خالف الحاكم النص القطعي، تسقط طاعته.
• المؤسسة الدينية: لا توجد طبقة "كهنوتية" أو مؤسسة مركزية تدعي التحدث باسم الله؛ فالمجتهدون يفسرون النص، لكنهم لا يملكون سلطة إلهية مطلقة.
2. مفهوم ولاية الفقيه في الفكر الشيعي (الاثني عشري)
تطورت هذه النظرية وصولاً للامام الخميني، لتعالج إشكالية غيبة الإمام المعصوم (الإمام الثاني عشر).
• الأصل الفلسفي: تقوم على أن الفقيه الجامع للشرائط ينوب عن الإمام المعصوم في قيادة الأمة وإدارة شؤون الدولة.
• علاقة الحاكم بالمقدس: الفقيه في هذه النظرية يستمد شرعيته من "النيابة العامة" عن المعصوم. السلطة هنا ليست مجرد توكيل من الشعب، بل هي تكليف إلهي مستمد من سلسلة الإمامة.
• السلطة: يتمتع "الولي الفقيه" بصلاحيات واسعة جداً (الولاية المطلقة)، حيث يمكنه تعطيل بعض الأحكام الفرعية إذا اقتضت "مصلحة النظام" أو الإسلام ذلك، باعتبار حكمه امتداداً لحكم الرسول والأئمة.
• المؤسسة الدينية: تعتمد على "الهيراركية" (التدرج الهرمي)؛ فالمجتمع ينقسم إلى "مُقلِّد" و "مُقلَّد"، والقرار النهائي في الشأن العام يعود لرأس الهرم (الولي الفقيه).

1. مصدر الشرعية (من أين يستمد الحاكم سلطته؟)
• في الحاكمية السنية: يستمد الحاكم شرعيته من النص الشرعي أولاً، ثم من اختيار الأمة له عبر "الشورى" أو بيعة "أهل الحل والعقد". السلطة هنا عقد مدني بين الحاكم والرعية لتنفيذ شرع الله.
• في ولاية الفقيه الشيعية: يستمد الفقيه شرعيته من النيابة عن الإمام المعصوم (الإمام الغائب). الشرعية هنا إلهية بالمقام الأول، والفقيه يُعتبر منصوباً بالوصف (أي مَن تنطبق عليه شروط الفقاهة والعدالة) وليس مجرد اختيار مدني.
2. طبيعة الحاكم وصفاته
• في الحاكمية السنية: الحاكم هو بشر غير معصوم، يخطئ ويصيب، ويجوز نقده ومحاسبته، بل وعزله إذا أخل بشروط العقد أو خالف نصاً قطعياً من الدين. هو "خادم للشرع" وليس ناطقاً باسمه.
• في ولاية الفقيه الشيعية: الفقيه هو عادل ومجتهد، وتُضفي عليه النظرية صبغة "الولاية" التي تجعل طاعته من طاعة الإمام المعصوم. رغم أنه ليس معصوماً كالإمام، إلا أن سلطته الإدارية والسياسية تُعامل بقدسية عالية لضمان وحدة القيادة.
3. دور الأمة والشعب
• في الحاكمية السنية: الأمة هي صاحبة الحق في السلطة التنفيذية؛ فهي التي تختار الحاكم وهي التي تراقبه. الحاكمية لله تشريعاً، لكن "السيادة" في اختيار النظام وتسييره للأمة تحت سقف الشرع.
• في ولاية الفقيه الشيعية: دور الأمة هو "البيعة والكشف"؛ أي أن الشعب يبايع الفقيه الذي يمتلك الأهلية الشرعية أصلاً. ولاية الفقيه قائمة بوجود الفقيه الجامع للشرائط، ودور الشعب هو التمكين لهذا الفقيه لإقامة الدولة.
4. الصلاحيات والتشريع
• في الحاكمية السنية: دور الحاكم محصور في تنفيذ النص، وما سكت عنه النص (منطقة الفراغ التشريعي) يخضع للاجتهاد البشري والشورى. لا يملك الحاكم سلطة مطلقة لتغيير الأحكام الثابتة.
• في ولاية الفقيه الشيعية: يمتلك الفقيه ما يُعرف بـ "السلطة الولائية"؛ وهي صلاحيات واسعة تمكنه من إصدار "أحكام ولائية" (سيادية) قد تتقدم على الأحكام الفرعية إذا اقتضت مصلحة حفظ بيضة الإسلام أو الدولة ذلك، وهو ما يُعرف بالولاية المطلقة.

خلاصة الفرق

يمكن اختصار المشهد بأن الحاكمية السنية تركز على "سيادة القانون الإلهي" (النص) عبر وكيل تختاره الأمة، بينما ولاية الفقيه تركز على "سيادة الفقيه النائب" الذي يمثل حلقة الوصل مع الإمامة المعصومة.

الخلاصة: أين تكمن الفجوة؟

تكمن الفجوة الكبرى في "مركزية الفرد". فبينما يميل الفكر السني (في تنظيره للحاكمية) إلى جعل الأمة هي الرقيب على الحاكم الذي يلتزم بالنص، يميل فكر ولاية الفقيه إلى جعل الفقيه هو الرقيب على الأمة والدولة باعتباره "ظلاً" للإمام المعصوم.
الحاكمية السنية هي "سيادة نص"، بينما ولاية الفقيه هي "سيادة فقيه" نائباً عن المعصوم.