تحالف الأضداد: كيف أهدى اليسارُ الإيرانيُّ الثورةَ للملالي؟


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 01:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

لا يمكن فهم صعود روح الله الخميني إلى سدة الحكم دون النظر إلى "الرافعات" السياسية والتنظيمية التي قدمتها القوى اليسارية والليبرالية له في ذلك الوقت. الحقيقة التاريخية تشير إلى أن الملالي لم يمتلكوا بمفردهم الأدوات التنظيمية أو الأيديولوجية الحديثة لإسقاط نظام الشاه، بل اعتمدوا على "تكتيك الجبهة الموحدة" التي كان اليسار وقودها الأساسي.
1. حزب "تودة": التضحية بالأيديولوجيا من أجل "المعاداة للإمبريالية"
ارتكب حزب "تودة" (الشيوعي التقليدي) خطأً تاريخياً عندما اعتبر أن الخميني يمثل "البرجوازية الوطنية" التي تحارب الإمبريالية الأمريكية.
• الدعم الاستراتيجي: سخر الحزب آلاته الدعاية وكوادره لدعم الخطاب الخميني، معتقداً أنه سيتمكن من "احتواء" رجال الدين لاحقاً.
• اختراق مؤسسات الدولة: ساعدت الكوادر المتعلمة من اليساريين في شل حركة الدولة عبر الإضرابات العمالية (خاصة في قطاع النفط)، وهي الضربة القاضية التي أسقطت الشاه.
2. "مجاهدي خلق": المزيج القاتل بين الماركسية والإسلام
لعبت منظمة "مجاهدي خلق" دوراً محورياً في عسكرة الثورة. لقد قدموا للخميني ما كان يفتقر إليه رجال الدين: القوة الضاربة والخبرة في حرب العصابات.
• كسر هيبة الأمن: قامت المنظمة بعمليات اغتيال وتفجيرات استهدفت رموز نظام الشاه والخبراء الأمريكيين، مما خلق حالة من الفوضى مهدت لانهيار "السافاك" (جهاز أمن الشاه).
• الجسر الأيديولوجي: نجحوا في صياغة خطاب يدمج بين العدالة الاجتماعية الماركسية والمفاهيم الإسلامية، مما جذب الشباب الجامعي الذي لم يكن ليتأثر بـ "فقه" الملالي التقليدي.
3. هل كان الملالي سيصلون للحكم وحدهم؟
الإجابة القصيرة هي: على الأرجح لا، أو على الأقل ليس بهذا الشكل المطلق.
• الغطاء الشرعي والمدني: أعطى وجود اليساريين والمثقفين (مثل علي شريعتي القريب من فكر اليسار) للثورة وجهاً "تقدمياً" أقنع المجتمع الدولي والطبقة الوسطى الإيرانية بأن الثورة ليست "ردة دينية" بل حركة تحرر.
• الفراغ السياسي: بعد سقوط الشاه، كان الملالي هم الطرف الوحيد الذي يمتلك شبكة "المساجد" كقاعدة تنظيمية جاهزة، بينما كان اليساريون مشغولين بالصراعات التنظيمية أو بانتظار "توجيهات موسكو".
4. نهاية اللعبة: "الثورة تأكل أبناءها"
بمجرد استقرار السلطة، انقلب الخميني على حلفاء الأمس. تم حظر حزب "تودة" وإعدام كوادره، ودخلت "مجاهدي خلق" في صراع دموي مع السلطة الجديدة انتهى بنفيها وتصنيفها كعدو للدولة.
الخلاصة
لقد قدم اليسار الإيراني (تودة ومجاهدي خلق) لرجال الدين التنظيم، والزخم الثوري، والغطاء الأيديولوجي للطبقة العاملة. وبدون هذا التحالف، ربما كانت الثورة ستتخذ مساراً ليبرالياً أو عسكرياً مختلفاً. لقد ظن اليسار أنه يستخدم الخميني كـ "مظلة"، ليكتشفوا في النهاية أنهم كانوا "السلم" الذي صعد عليه الملالي ثم قاموا بتحطيمه.