اليسار والتأسلم السياسي، من الراكب ومن المركوب؟
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 07:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
-هل اليسار هو الذي يركب ظهر التأسلم السياسي؟
- أم التأسلم السياسي هو الذي يركب ظهر اليسار؟
العلاقة بين اليسار (بمختلف أطيافه من ماركسيين وقوميين وليبراليين تقدميين) وحركات "التأسلم السياسي" هي علاقة معقدة وتاريخية، اتسمت بتبادل الأدوار في "الركوب" أو الاستغلال السياسي تبعاً للمرحلة والظروف. لا يمكن الجزم بأن طرفاً واحداً هو الفاعل دائماً، بل هي لعبة "تحالفات الضرورة" التي تنقلب غالباً إلى صدامات دموية.
إليك تفكيك لهذه الجدلية من الزاويتين:
1. حين يركب "التأسلم السياسي" ظهر اليسار
تحدث هذه الحالة غالباً عندما يكون اليسار هو القوة المنظمة أو "المثقفة" التي تقود الحراك الشعبي في البداية، ثم تقفز الحركات الإسلامية لتصدر المشهد مستغلةً قاعدتها الشعبية العريضة.
• الثورة الإيرانية (1979): هذا هو المثال الكلاسيكي. بدأ الحراك بتحالف بين "حزب توده" الشيوعي والقوى القومية واليسارية ضد الشاه. استخدم الخميني خطاباً "مستضعفاً" يتقاطع مع أدبيات اليسار لجذب الجماهير، وبمجرد استتباب الأمر، تمت تصفية الحلفاء اليساريين بالكامل.
• القدرة التنظيمية: يمتلك الإسلام السياسي قدرة هائلة على التعبئة في المساجد والأحياء الفقيرة، وهو ما يفتقده اليسار "النخبوي". هنا، "يركب" الإسلاميون الزخم الثوري الذي يولده المثقفون اليساريون لتحويله إلى سلطة دينية.
2. حين يركب "اليسار" ظهر التأسلم السياسي
تحدث هذه الحالة عندما يضعف اليسار ويبحث عن "كتلة حرجة" لمواجهة الأنظمة السلطوية أو "الإمبريالية"، فيرى في الحركات الإسلامية شريكاً قوياً يمكن التترس خلفه.
• التحالف ضد "العدو المشترك": في مراحل معينة، اعتبرت قوى يسارية أن الإسلام السياسي هو "حليف موضوعي" ضد الاستعمار أو الرأسمالية العالمية. هنا يحاول اليسار استخدام القوة البشرية للإسلاميين كـ "مطرقة" لتحطيم النظام، ظناً منه أنه يستطيع توجيههم لاحقاً (وهو ما يفشل غالباً).
• اليسار الغربي و"الإسلاموفوبيا": في السياق الحديث، يرى جزء من "اليسار التعددي" في الغرب أن الدفاع عن الحركات الإسلامية هو دفاع عن "أقلية مضطهدة"، وهو ما يسميه بعض النقاد "اليسار الإسلاموي" (Islamo-leftism)، حيث يتم غض الطرف عن تناقض القيم (مثل حقوق المرأة والحريات الفردية) في سبيل مواجهة اليمين القومي.
الخلاصة: من يركب من؟
الواقع التاريخي يقول إن الإسلام السياسي كان الطرف الأكثر نجاحاً في "الركوب"، لسبب بسيط: الحركات الإسلامية تمتلك سردية عاطفية مبسطة تخاطب "الهوية"، بينما يغرق اليسار في سجالات فكرية وانقسامات داخلية تجعله وقوداً للثورات لا قائداً لنتائجها.
الطرفان استخدما بعضهما كـ "تكتيك" وليس كـ "مبدأ". وبمجرد زوال العدو المشترك (سواء كان شاه، أو ديكتاتوراً، أو استعماراً)، تبدأ معركة "كسر العظم" بينهما.
يعتبر النموذج المصري، وتحديداً في أعقاب "ثورة 25 يناير 2011"، المختبر الأبرز لهذه الجدلية في العصر الحديث. فقد تجلت فيها بوضوح لحظات "الركوب" المتبادل ثم الصدام العنيف.
إليك كيف دارت الدائرة بين اليسار (بمختلف أطيافه المدنية والقومية) وجماعة الإخوان المسلمين:
1. مرحلة "الميدان" (اليسار يفتح الطريق)
في بدايات يناير 2011، كان الشباب اليساري والليبرالي والحركات الاحتجاجية (مثل كفاية و6 أبريل) هم المحرك الأول للشارع.
• الوضعية: تردد الإخوان في البداية، ثم انضموا بزخمهم التنظيمي الهائل.
• الركوب: رأى اليسار في الإخوان "العضلة البشرية" الضرورية لإسقاط النظام، بينما رأى الإخوان في الشباب اليساري "الغطاء الثوري" المقبول دولياً وإعلامياً.
2. مرحلة "صناديق الاقتراع" (الإخوان يركبون الزخم)
بمجرد سقوط رأس النظام، ظهر الفارق الجوهري:
• التنظيم: بينما غرق اليسار في تشكيل أحزاب صغيرة ونقاشات فكرية، كان الإخوان يمتلكون شبكة جاهزة.
• النتيجة: حصد الإسلاميون الأغلبية البرلمانية والرئاسة. هنا شعر اليسار أن "الثورة سُرقت"، وأن الجماعة استخدمت نضال الميدان كـ "سلم" للصعود إلى السلطة، ثم سحبت السلم خلفها.
3. مرحلة "جبهة الإنقاذ" (اليسار يستعين بخصوم الخصم)
عندما احتدم الصدام مع حكم الإخوان (2012-2013)، حدث تحول دراماتيكي:
• التحالف: توحد اليسار والليبراليون والقوميون في "جبهة الإنقاذ".
• الركوب العكسي: هنا "ركب" اليسار والقوى المدنية موجة الغضب الشعبي ضد "أخونة الدولة"، وتحالفوا (تكتيكياً) مع مؤسسات الدولة التقليدية لإزاحة الإخوان.
لماذا يفشل "الزواج" بينهما دائماً؟
توجد ثلاث فجوات تمنع الاستمرار:
1. فجوة المرجعية: اليسار يؤمن بـ "سيادة الشعب" والتشريع البشري، بينما التأسلم السياسي يؤمن بـ "الحاكمية" والشرعية الدينية.
2. فجوة الهوية: اليسار يطرح هوية "وطنية" أو "قومية" أو "طبقوية"، بينما الإسلام السياسي يطرح هوية "عابرة للحدود" (الأمة الإسلامية/الخلافة).
3. فجوة الديمقراطية: غالباً ما يرى كل طرف في الآخر "ديمقراطياً لمرة واحدة"؛ أي يستخدم الديمقراطية للوصول، ثم يغلق الباب.
النتيجة التاريخية في المنطقة العربية
في أغلب التجارب (مصر، تونس، السودان، إيران):
"اليسار يزرع، والإسلام السياسي يحصد، ثم ينتهي الأمر بصدام يطيح بالاثنين أو ينفرد فيه الأقوى تنظيمياً بالسلطة."
هذه الدائرة المفرغة جعلت العلاقة بين الطرفين تتسم بـ "الشك الوجودي"؛ فكل طرف يتوقع الغدر من الآخر في أي لحظة.