لبنان: صراع الكينونة بين إرث التاريخ ومخاض المستقبل


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 08:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يقف لبنان أمام مرآة تاريخه المثقل بالانقسامات، ليواجه واقعاً هو الأكثر خطورة منذ إعلان "دولة لبنان الكبير".
إن فهم المشهد اللبناني لا يستقيم دون الربط الهيكلي بين ثلاثة محاور: إرث الحروب الأهلية، التخندق الطائفي، و"ورطة" السلاح المرتبط بالمحاور الإقليمية.

أولاً: الذاكرة الجريحة والتخندق الطائفي
لم تكن الحرب الأهلية (1975-1990) مجرد جولة عنف عابرة، بل كانت تكريساً لنظام "المحاصصة" الذي استبدل مفهوم "المواطنة" بـ "اتحاد الطوائف".

• دولة المزارع: تحول أمراء الحرب إلى رجال دولة بموجب اتفاق الطائف، مما جعل المؤسسات الدستورية رهينة للتوافق الطائفي.

• الهشاشة البنيوية: هذا التخندق جعل الدولة عاجزة عن اتخاذ قرارات سيادية، وحوّل كل طائفة إلى "كيان مستقل" يبحث عن حماية خارجية، مما شرعن التدخلات الدولية في الشأن المحلي.

ثانياً: "ورطة" السلاح وفائض القوة الإقليمي
يمثل دور حزب الله الموالي لإيران النقطة الأكثر جدلاً وتأثيراً في واقع لبنان المعاصر. فبينما يرى فيه أنصاره "قوة ردع"، يراه معارضوه "دولة داخل الدولة" وصاعق تفجير دائم.

• الارتباط العضوي بإيران: أدى انخراط الحزب في حروب الإقليم (من سوريا إلى المواجهة المفتوحة مع إسرائيل) إلى ربط مصير لبنان بالأجندة الإيرانية. هذا الارتباط سلب الدولة اللبنانية قرار "السلم والحرب"، ووضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.

• استنزاف الحاضر: في عامي 2025 و2026، شهد لبنان تصعيداً عسكرياً مدمراً مع إسرائيل. هذا الصراع لم يستنزف الحجر والبشر فحسب، بل عمّق الشرخ الداخلي؛ حيث بات اللبنانيون يتساءلون عن جدوى دفع أثمان باهظة لحروب لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة.

ثالثاً: الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية
أدت "الورطة" السياسية والعسكرية إلى خنق الرئة الاقتصادية للبنان:

• العزلة العربية والدولية: تسبب هيمنة محور واحد على القرار اللبناني في تراجع الدعم الخليجي التقليدي، مما فاقم الأزمة المالية (التي بدأت في 2019) وجعل من التعافي الاقتصادي مهمة شبه مستحيلة دون "فك ارتباك" سياسي.

• دمار البنية التحتية: المواجهات العسكرية الأخيرة دمرت ما تبقى من مرافق حيوية، وضاعفت من معاناة الشعب الذي يرزح تحت تضخم مفرط وفقر غير مسبوق.

رابعاً: استشراف المستقبل.. أي لبنان ننتظر؟
بناءً على معطيات التاريخ والواقع، يتأرجح مستقبل لبنان بين مسارين لا ثالث لهما:

1. مسار "الاستراتيجية الدفاعية" (الإنقاذ): ويقوم على حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وتطبيق القرارات الدولية (كالقرار 1701)، والعودة إلى "الحياد الإيجابي". هذا المسار هو المدخل الوحيد لاستعادة الثقة الدولية وضخ الاستثمارات وإعادة الإعمار.

2. مسار "التفتت واللامركزية الحادة" (الخطر): إذا استمر السلاح خارج الدولة واستمر التخندق الطائفي، فقد يتجه لبنان نحو تقسيم مقنّع (فدرالية طوائف) حيث تعزل كل منطقة نفسها عن الأخرى هرباً من الحروب الكبرى، مما يعني نهاية "لبنان الرسالة" ونشوء دويلات طائفية ضعيفة.

الخلاصة
لبنان اليوم ليس ضحية لواقع جغرافي فحسب، بل هو ضحية لغياب "الهوية الوطنية" الجامعة أمام سطوة الولاءات الخارجية. إن المستقبل يبقى رهينة قدرة اللبنانيين على التحرر من "فائض القوة" الطائفي والعودة إلى كنف الدولة. التاريخ يخبرنا أن لبنان ينهض دائماً، لكن الواقع يحذر من أن الثمن هذه المرة قد يكون "كيان الدولة" نفسه.