ما وراء -العداء لليهود-: قراءة في أزمة الهوية
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 00:01
المحور:
قضايا ثقافية
لا يمكن قراءة حالة العداء والكراهية المتصاعدة في الشرق الأوسط لليهود ودولتهم كظاهرة معزولة أو مجرد نتاج لصراع سياسي طارئ. بل هي في جوهرها العرض الأكثر بروزاً لمرض "التخندق الهوياتي" الذي ينخر في جسد المنطقة. إنها الجزء المرئي من جبل جليد ضخم، قاعدته ثقافة إقصائية ممتدة تتجاوز العداء للآخر الخارجي إلى صراعات داخلية محطمة.
أولاً: جبل الجليد.. ثقافة الكراهية المتعددة الأوجه
إذا نظرنا إلى المشهد برؤية بانورامية، سنجد أن العداء لليهود (أو إسرائيل) يقع ضمن سياق أوسع من الرفض لكل ما هو "مختلف". فالمنطقة تعيش حالة من التفتت البنيوي:
• قومياً: نجد صراعات مكتومة ومعلنة بين العرب والأكراد، أو بين التوجهات العروبية والأمازيغية.
• طائفياً: الانقسام الحاد بين السنة والشيعة، واستهداف الأقليات الدينية مثل العلويين، الدروز، والمسيحيين في بعض الأحيان.
هذا "التخندق الطائفي" يعكس عجزاً عن صياغة عقد اجتماعي حديث يقوم على المواطنة، مما يجعل الكراهية هي الوقود المحرك للعواطف الجمعية.
ثانياً: التجربة الأوروبية.. من المحرقة إلى الحداثة
لقد مرت أوروبا بظلام دامس يشبه ما تعيشه المنطقة اليوم. شهدت القارة حروباً دينية طاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت، ومارست اضطهاداً منهجياً ضد اليهود لقرون. لكن الفارق الجوهري يكمن في "الارتقاء الحضاري"؛ حيث استطاعت الشعوب الأوروبية عبر عصر التنوير تجاوز الانتماء الضيق لصالح:
1. الدولة الوطنية: حيث القانون فوق الطائفة.
2. الإنسانية الشاملة: حيث الفرد قيمة بحد ذاته بغض النظر عن معتقده.
بينما بقيت شعوب الشرق الأوسط، في معظمها، عالقة في "حضيض القبلية"، حيث يُعرف الإنسان نفسه بما يكره، لا بما ينجز.
ثالثاً: سيكولوجية العجز والعداء للحضارة
يرتبط هذا العداء المتفشي بشعور عميق بـ "الفشل الحضاري". فعندما تعجز الشعوب عن اللحاق بركب المنجزات العلمية والتقنية والقيمية للحداثة، تلجأ إلى آليات دفاعية نفسية:
• العداء للمتفوق: يصبح الغرب (أمريكا) وإسرائيل رموزاً لنجاح يذكر هذه الشعوب بفشلها، فيتحول الإعجاب المكبوت إلى كراهية معلنة.
• التمترس خلف الماضي: الهروب من استحقاقات الحاضر عبر تضخيم صراعات تاريخية تعود لألف عام.
• تخوين "الآخر": اعتبار مسيرة الحضارة الإنسانية المعاصرة مؤامرة تستهدف "الخصوصية"، بدلاً من الانخراط فيها كشركاء.
نحو جراحة ثقافية شاملة
إن استقرار المنطقة، بل والعالم، مرهون بقدرة هذه الشعوب على كسر القوقعة الطائفية. العداء لليهود ليس إلا محطة في قطار الكراهية الذي يمر أيضاً بمحطات الطائفية والعرقية.
إن الحل لا يبدأ بتغيير الشعارات السياسية، بل بـ ثورة ثقافية تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، وتنتشل المجتمعات من "وحل القبيلة" إلى "رحابة المواطنة"، لتصبح شريكاً حقيقياً في صنع الحضارة، لا مجرد مستهلك غاضب لمنجزاتها.
تعد "سيكولوجية العجز" (Psychology of Helplessness) من أخطر الحالات النفسية التي قد تصيب الأفراد أو الجماعات، وهي حالة شعورية يقتنع فيها الكيان بأنه غير قادر على تغيير واقعه الأليم، مهما بذل من جهد. في سياق المجتمعات، تتحول هذه السيكولوجية إلى "عجز متعلم" يؤدي إلى شلل إبداعي وعداء مفرط تجاه الآخر الناجح.
1. العجز المتعلم (Learned Helplessness)
هذا المفهوم، الذي صاغه عالم النفس "مارتن سليجمان"، يشرح كيف يتوقف الكائن عن المحاولة بعد سلسلة من الإخفاقات المتكررة.
• فقدان السيطرة: يعتقد الفرد أن النتائج (النجاح، الفشل، الفقر، الثراء) لا علاقة لها بأفعاله، بل هي نتاج "قدر" أو "مؤامرة" أو "حظ".
• التعميم: ينتقل الشعور بالعجز من موقف محدد (فشل سياسي مثلاً) إلى كل جوانب الحياة (فشل علمي، اجتماعي، حضاري).
2. آليات الدفاع النفسي: الهروب من مرارة الفشل
عندما يشعر المجتمع بالعجز عن مجاراة "الحضارة الحديثة"، يطور آليات دفاعية لحماية "الأنا الجماعية" من الانهيار:
• الإسقاط (Projection): بدلاً من الاعتراف بالخلل الذاتي، يتم إسقاط الفشل على "شماعة" خارجية (العدو، الاستعمار، المؤامرات الدولية).
• النكوص (Regression): الهروب من تعقيدات الحاضر "العاجز" إلى أمجاد الماضي "المتخيل". فيصبح التقديس الأعمى للتراث وسيلة لتعويض انعدام الوزن في الحاضر.
• التبخيس (Devaluation): محاولة تقليل قيمة إنجازات الآخرين. فإذا تفوق الغرب علمياً، يتم وصفه بأنه "مادي بلا روح"، لتبرير التخلف التقني بوصفه "سمواً أخلاقياً".
3. تحول العجز إلى عداء (The Aggression Loop)
العجز لا يولد استسلاماً هادئاً دائماً، بل غالباً ما يولد "عدوانية تعويضية":
• الحسد الحضاري: رؤية نجاح "الآخر" (سواء كان إسرائيل أو الغرب في الديمقراطية وفي التكنولوجيا) تزيد من الشعور بالدونية. هذه الدونية تُترجم فوراً إلى كراهية لتخفيف الألم النفسي.
• البحث عن كبش فداء: يحتاج العاجز إلى جهة يحملها مسؤولية بؤسه. هنا يبرز "العدو" كضرورة نفسية؛ فبدون وجود عدو، سيضطر المجتمع لمواجهة مرآة فشله الذاتي.
4. العجز وبنية التفكير الطائفي
في المجتمعات العاجزة، يضعف الانتماء "للإنجاز" ويقوى الانتماء "للهوية":
• عندما لا يستطيع الفرد أن يفخر بكونه (مكتشفاً، مهندساً، مخترعاً)، فإنه يضطر للفخر بكونه (ابن قبيلة كذا، أو طائفة كذا).
• هذا النوع من الفخر "المجاني" الذي لا يتطلب جهداً، يخلق عداءً فطرياً ضد كل من لا ينتمي لهذه الهوية الضيقة، لأن بقاءها يعتمد على صراعها مع الآخرين.
كيف يتم كسر هذه الدائرة؟
تفكيك سيكولوجية العجز يتطلب الانتقال من "ثقافة المظلومية" إلى "ثقافة الفاعلية":
1. المساءلة الذاتية: الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من الواقع هو نتاج خيارات داخلية.
2. الإنجازات الصغيرة: البدء بتحقيق نجاحات ملموسة (علمية أو اقتصادية) تكسر وهم العجز.
3. تبني قيم العصر: التوقف عن رؤية الحضارة الإنسانية كعدو، والبدء في رؤيتها كأدوات يمكن امتلاكها وتطويرها.
كيف يساهم الخطاب السائد (إعلامياً ودينياً وثقافياً) في تحويل المجتمعات من "قوة فاعلة" إلى "كتلة منفعلة" ومحتقنة:
آليات ترسيخ سيكولوجية العجز في الخطاب العام
1. لغة المظلومية الكونية (The Victimhood Narrative)
يركز الخطاب الإعلامي والتربوي غالباً على تصوير المنطقة كضحية دائمة لمؤامرات لا تنتهي.
• الأثر النفسي: عندما يقتنع الفرد أن كل مشاكله (من زحام المرور إلى تأخر البحث العلمي) هي نتاج "مؤامرة خارجية"، فإنه يتوقف تلقائياً عن نقد ذاته أو محاولة الإصلاح، لأن "الخيوط ليست بيده".
• النتيجة: يتحول العداء للآخر إلى "واجب مقدس" لحماية الذات الضحية، بدلاً من كونه صراعاً سياسياً يمكن حله.
2. تقديس "النص" وتهميش "العقل" (The Static vs. Dynamic Mindset)
في كثير من الأخطاب الدينية التقليدية، يتم تقديم "الإجابات الجاهزة" من الماضي كحلول وحيدة لمشاكل الحاضر المعقدة.
• تعطيل الفاعلية: هذا الخطاب يجعل الإبداع الفردي يبدو كأنه "خروج عن الصف" أو "بدعة".
• الهروب للغيب: بدلاً من البحث عن أسباب الفشل الاقتصادي في قوانين السوق، يتم تفسيره كـ "ابتلاء" أو "غضب إلهي"، مما يرسخ العجز عن الفعل المادي الملموس.
3. عسكرة الوعي (Militarization of Consciousness)
يتم شحن الشعوب بفكرة أن "البقاء للأقوى عسكرياً" فقط، وتهميش عناصر القوة الناعمة (العلم، الفنون، الديمقراطية، حقوق الإنسان).
• تضييق الأفق: يرى الإنسان في هذه المجتمعات أن النجاح الوحيد الممكن هو "تحطيم الآخر"، وليس "التفوق عليه حضارياً".
• صناعة "البطل المخلص": ينتظر العاجز دائماً معجزة أو قائداً مخلصاً يغير الواقع بضربة واحدة، وهو ما يعطل مبدأ التراكم الحضاري والعمل الجماعي المؤسسي.
كيف تؤدي هذه الأدوات إلى "التخندق الطائفي"؟
عندما ينسد أفق الإنجاز العالمي أمام المجتمعات، تضيق دوائر الانتماء كنوع من الحماية النفسية:
1. الانتماء السهل: من الصعب أن تصبح عالماً أو مخترعاً، لكن من السهل جداً أن تكون "متعصباً لطائفتك". هذا الانتماء لا يكلف جهداً، لكنه يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالقوة والتفوق.
2. تعريف الذات عبر "نفي الآخر": في غياب مشروع حضاري يجمع الناس (مثل مشروع النهضة أو الحداثة)، يصبح تعريف "أنا" مرتبطاً بمدى كراهيتي لـ "هو". أنا سني لأني ضد الشيعي، وأنا عربي لأني ضد الكردي، وهكذا.
الخلاصة: من "الانفعال" إلى "الفعل"
إن الانتقال الحضاري يتطلب شجاعة الاعتراف بأن "العدو الأكبر ليس في الخارج، بل في بنية العقل التي ترفض النقد والتجديد". إن شعور العجز هو الذي يغذي الكراهية، وبمجرد أن يبدأ الفرد أو المجتمع في تحقيق إنجازات حقيقية ملموسة (في التعليم، الصناعة، العدالة الاجتماعية)، سيتضاءل احتياجه النفسي لكراهية الآخرين، لأن ثقته بنفسه ستنبع من "بنائه" لا من "هدمه لغيره".