انتحار -الأطلسي- الهادئ: بين عمى البصيرة الأوروبية ومطرقة ترامب


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 23:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يعيش العالم اليوم مخاضاً عسيراً يعيد تعريف مفاهيم الأمن والتحالفات. ففي الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن، بقيادة الرئيس ترامب، لإنهاء خطر النظام الإيراني عسكرياً وبالتنسيق مع إسرائيل، يلوذ القادة الأوروبيون بـ "الحياد السلبي"، متذرعين بالطابع الدفاعي لحلف الناتو وبأنهم لم يُستشاروا في قرار الحرب. لكن هذا التمسك بـ "السيادة الإجرائية" يخفي خلفه افتقاراً مرعباً للوعي بمقومات أمن شعوبهم، بل وقد يسرّع من انهيار المظلة التي حمتهم لعقود.

1. الهروب من "رأس الأفعى" تحت عباءة القانون

من الناحية القانونية، يمتلك قادة أوروبا الحق في عدم الانجرار خلف حرب لم يشاركوا في التخطيط لها. لكن من الناحية الاستراتيجية، يمثل هذا الموقف ذروة "قصر النظر". فالنظام الإيراني ليس مجرد تهديد إقليمي، بل هو مركز عمليات للإرهاب العالمي ومصدر لعدم الاستقرار الذي يصل صداه إلى عمق العواصم الأوروبية عبر موجات الهجرة، وأزمات الطاقة، والابتزاز النووي. إن تعلل أوروبا بأن الحلف "دفاعي" هو في الحقيقة تخلي عن "الدفاع الاستباقي" ضد نظام لن يتردد في حرق المنطقة والعالم لضمان بقائه.

2. ابتزاز ترامب بالخروج: القشة التي قد تقصم ظهر البعير

دخلت المعادلة مرحلة الخطر الوجودي مع تلويح ترامب المتكرر بالانسحاب من الناتو. هذا التهديد ليس مجرد ورقة ضغط لزيادة الإنفاق الدفاعي، بل هو انعكاس لضيق أمريكي بـ "الحلفاء المتفرجين".
• تداعيات الانسحاب: خروج أمريكا يعني عملياً "وفاة الحلف إكلينيكياً"، مما يترك أوروبا مكشوفة تماماً أمام التهديدات الشرقية (روسيا) والجنوبية (إرهاب النظام الإيراني ووكلائه).
• فقدان المظلة النووية: بدون أمريكا، ستجد أوروبا نفسها في عالم غابوي تفتقد فيه لردع حقيقي، ومع ذلك، لا يزال قادتها يرفضون الانخراط في "تطهير" بؤر التهديد الإيراني، مفضلين الصدام مع الحليف التاريخي على مواجهة العدو الوجودي.

3. وعي القادة.. أم مقامرة بمستقبل الشعوب؟

هو "الافتقار للوعي بمقومات الأمن"، يتجلى في عجز القيادة الأوروبية عن إدراك أن ثمن التخلص من النظام الإيراني الآن مهما كان مرتفعاً يظل زهيداً مقارنة بثمن العيش في عالم تسيطر فيه الميليشيات والصواريخ الباليستية والابتزاز النووي.
• الأمن الاقتصادي: إن استمرار النظام الإيراني في تهديد الملاحة الدولية (مثل إغلاق مضيق هرمز) يضرب عصب الاقتصاد الأوروبي مباشرة.
• الأمن المجتمعي: بقاء مراكز تصدير الإرهاب يعني استمرار التهديدات الأمنية داخل القارة العجوز.

الخاتمة: لحظة الحقيقة
إن قادة أوروبا اليوم يرتكبون خطأً تاريخياً؛ فهم يضحون بـ "الجوهر" (الأمن العالمي المستدام) من أجل "الشكل" (القواعد الإجرائية للحلف). إن رفضهم المشاركة في حرب تهدف لاجتثاث منبع الإرهاب، في الوقت الذي يهدد فيه ترامب بسحب بساط الحماية من تحت أقدامهم، يضع القارة في مواجهة سيناريو مرعب: عالم بلا ناتو، وبلا حماية أمريكية، ومع نظام إيراني أكثر توحشاً وجرأة. مع وجود التنين الصيني والدب الروسي يتربصان للقفز على جثة أوروبا والنظام العالمي باكمله.

إن الوعي الحقيقي ليس في تجنب الحروب الضرورية، بل في إدراك أن السلام الذي يُبنى على تجاهل الأورام السرطانية هو مجرد انتظار للموت المؤجل.