انكسار -القومية العربية- وتمدد -ولاية الفقيه-: هل سقطت أسطورة العروبة أمام حلم الخلافة؟


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 21:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

على مدار أكثر من ثلاثة أرباع قرن، ضجّت الساحة السياسية في الشرق الأوسط بشعارات "الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة". كانت القومية العربية، بوجوهها الناصرية والبعثية، تُقدّم نفسها كوارث شرعي والبديل التاريخي الوحيد لسقوط الخلافة العثمانية عام 1922. لكن الواقع المعاصر، والمشهد الدراماتيكي الذي نعيشه اليوم، يشير إلى أن تلك "الأسطورة" قد لُفظت أنفاسها الأخيرة، ليس تحت وطأة الاستعمار، بل تحت أقدام مشروع "ولاية الفقيه".
من علمانية الشعار إلى راديكالية الجوهر
رغم المحاولات المستمرة لتغليف القومية العربية بغلاف مدني أو علماني، إلا أن "الدين" ظل هو المحرك الكامن في الخلفية. لم يستطع القوميون الانفصال عن فكرة "وحدة الدين" كعنصر أساسي للوحدة. لذا، حينما تلقت العروبة طعناتها الكبرى في هزائم 1967، ثم في مغامرات صدام حسين وجنون القذافي، لم تعد الجماهير إلى واقعها القطري، بل ارتدّت إلى الحلم الأقدم والأعمق: الخلافة الإسلامية.
هنا، برزت إيران "الخمينية" لتقدم النسخة الأكثر تنظيماً وصلابة من هذا الحلم، وإن كانت بصبغة شيعية. لقد نجحت طهران في ملء الفراغ الذي تركه القوميون، محولةً الشعارات العربية الجوفاء إلى أيديولوجيا عابرة للحدود ترتكز على قدسية "الولاية".
تماهي النخب والجماهير: الانتحار على أعتاب "الخلافة"
إن ما نشهده اليوم من تعاطف يصل حد التماهي من قِبل الجماهير العربية ونخبها الثقافية مع المشروع الإيراني، في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، يمثل مفارقة تاريخية كبرى. هذا التعاطف لا يقتصر على "المقاومة" بمعناها الحركي، بل يعكس استسلاماً وجدانياً لفكرة "الخلافة الإسلامية" التي أحياها ملالي إيران.
والمثير للدهشة في هذا المشهد:
1. نكوص النخب: المثقفون الذين طالما تغنوا بالليبرالية أو العروبة، باتوا اليوم يجدون في مشروع "ولاية الفقيه" الملاذ الأخير لمواجهة "الغرب"، متناسين الفوارق الأيديولوجية والسيادية.
2. ارتباك العروش: وصل هذا الوجد العاطفي إلى دوائر الحكم في بعض الدول العربية؛ حيث نرى مواقف تتسم بـ"المازوخية السياسية". فحتى في اللحظات التي تتعرض فيها بعض العواصم أو المصالح الاستراتيجية لتهديدات مباشرة، نجد خطابات رسمية وشعبية (كما في حالات رصدت في بعض دول الخليج) تفيض بالود تجاه "الجارة الكبرى"، وكأن الهوية المذهبية أو "الإسلاموية" الشاملة قد طغت على مقتضيات الأمن القومي والسيادة الوطنية.
سقوط الأقنعة: نهاية "الحلم العربي"
إن الاستعداد الجمعي (الذي قد يراه المراقب انتحارياً) للوقوف في الخندق الإيراني بينما تشتعل المنطقة، ينسف تماماً ما تبقى من واقعية لأسطورة "القومية العربية". لقد ثبت بالدليل القاطع أن المحرك الفعلي للعقول والقلوب في المنطقة ليس "الرابطة القومية"، بل هو الحنين المتجذر للخلافة.
لقد نجحت إيران في استثمار هذا الحنين، وحولت "العروبة" من مشروع استقلال وبناء دولة، إلى مجرد صدى صوت في مشروع إمبراطوري ديني أوسع. إن سقوط أسطورة الأمة العربية تحت أقدام ولاية الفقيه ليس مجرد حدث سياسي، بل هو زلزال هوية يؤكد أننا نعيش عصر "ما بعد العروبة"، حيث الولاء للمذهب أو الحلم الديني يسبق الولاء للأرض والتاريخ.

هل ماتت العروبة حقاً، أم أنها كانت مجرد قناع يرتديه الحنين للخلافة منذ البداية؟