المثقف ومغامرة التنوير


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 09:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

التنوير في الشرق الأوسط مغامرة محفوفة بالمخاطر. بحيث يحتاج التنويري لأدوات حماية، كتلك التي يستخدمها الطبيب البيطري عند معالجة الحيوانات.

في المشهد الثقافي والاجتماعي للشرق الأوسط، لا تبدو محاولة التغيير نزهة فكرية أو ترفاً فلسفياً، بل هي أشبه بعملية جراحية في حقل ملغم. عندما يقترب التنويري من "التابوهات" أو يحاول فك عقد الجهل المتراكم، فإنه لا يواجه عقولاً تناقشه، بل يواجه ردود فعل غريزية دفاعية. هنا، تصبح أدوات الحماية ضرورة للبقاء، تماماً كما يحتاج الطبيب البيطري لقفازات سميكة وكمامات ودروع تقيه "عضة" أو "ركلة" من كائن لا يدرك أن المشرط الذي يؤلمه هو وسيلة لإنقاذه.

1. جدار الحماية النفسي (القفازات السميكة)
الطبيب البيطري يعلم أن الحيوان الذي يتألم قد يهاجمه ليس كرهاً فيه، بل خوفاً من المجهول. التنويري في منطقتنا يحتاج لهذا "الفهم"؛ فالمجتمعات التي غُيبت لعقود تحت وطأة التجهيل والتقديس الأعمى، ترى في النقد هجوماً على هويتها.
• الأداة: الصبر الاستراتيجي وعدم شخصنة الهجوم.
• الهدف: حماية الذات من الإحباط أو الانهيار أمام سيل التخوين والتكفير.

2. مصل التحصين ضد "عدوى الهياج"
عندما يتعامل الطبيب مع بيئة موبوءة، عليه أن يحمي نفسه من العدوى أولاً. التنويري يواجه خطر الانزلاق إلى نفس لغة الكراهية أو الانعزال النخبوي الذي يجعله يكره المجتمع الذي يحاول إصلاحه.
• الأداة: التمسك بالمنطق الصارم واللغة الهادئة.
• الهدف: منع تحول التنويري إلى "متعصب مضاد" يمارس نفس الإقصاء الذي ينتقده.

3. أدوات التخدير الموضعي (التدرج)
لا يمكن للطبيب البيطري أن يجري جراحة كبرى لحيوان هائج دون تخدير. في الفكر، هذا يسمى "التدرج". الصدمة المباشرة للوعي الجمعي في بيئة غير مهيأة قد تؤدي إلى مقتله أو مقتل "الطبيب" معنوياً.
• الأداة: استخدام الرموز، الاستعارات، والنقد من داخل التراث نفسه.
• الهدف: تقليل المقاومة العنيفة وضمان وصول الفكرة بسلام.

4. قناع الأكسجين (المسافة النقدية)
العمل في بيئة ملوثة بالخرافة يتطلب قناعاً يمنع استنشاق الغبار الذي يعمي البصر. التنويري يحتاج أن يحافظ على مسافة كافية تمنحه الرؤية الشاملة، دون أن يغرق في تفاصيل المعارك الجانبية التي تُستنزف فيها طاقته.

خلاصة المواجهة
إن التشبيه الذي يربط بين "التنويري" و"الطبيب البيطري" يضع يدنا على الجرح الحقيقي: الوعي في الشرق الأوسط ليس شريراً بطبعه، لكنه "مصاب" وخائف.
المثقف الذي يذهب إلى الميدان بصدق، عليه أن يدرك أن أدوات الحماية ليست وسيلة للتعالي، بل هي شرط لاستمرار "العملية الإصلاحية". فالتنوير ليس مجرد إلقاء للضوء، بل هو قدرة على تحمل الظلام ومقاومة مخالبه حتى يشرق الفجر.

"إن أصعب ما يواجه المصلح ليس محاربة الرذيلة، بل محاربة الفضيلة المزيفة التي يدافع عنها الناس بشراسة الكائنات الجريحة."