غروب شمس العقل مع خريف الحضارة المعاصرة
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 10:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفوضويون والعدميون، ومن يلقبون باليسار الليبرالي، هل ذهبوا بالحضارة الإنسانية المعاصرة إلى التفسخ والتحلل، كما لو نزعوا عنها جلدها، فيفقد جسدها مناعته، لتنهشها سائر صنوف الميكروبات، وتكون النتيجة فقدان الثقة في العقل الحر، وما يمكن أن يقود اليه البشرية، وليبدأ عصر جديد قديم، تعود فيه البشرية إلى الانكفاء على تراثها القديم، الذي كانت قد أودعته المتاحف، وتركت نصوصه لأرفف مكتباتها يردمها غبار التجاهل والنسيان؟
تفكيك جسد الحضارة: بين فوضى التغيير وعدمية السقوط
لطالما قامت الحضارة المعاصرة على أعمدة صلبة من "العقلانية" و"الإيمان بالتقدم" و"سيادة الدولة". إلا أن العقود الأخيرة شهدت هجوماً شرساً على هذه المركزية، قادته تيارات فكرية متباينة الأهداف لكنها متقاطعة النتائج، مما وضع البشرية أمام تساؤل مرير:
هل نحن في مرحلة تجديد للجلد الحضاري العتيق الذي ضاق على الجسد، أم أننا بصدد عملية سلخ تُفضي إلى الموت؟
1. الفوضوية والعدمية: مطرقة الهدم بلا بديل
تاريخياً، كانت العدمية (Nihilism) صرخة احتجاج ضد القيم الزائفة، لكنها في سياقها الحديث تحولت إلى حالة من إنكار أي مرجعية عليا. حين يرفض "العدميون" وجود حقيقة موضوعية، فإنهم يفتحون الباب أمام سيولة القيم؛ حيث يصبح كل شيء مباحاً ولا شيء مقدساً.
أما "الفوضويون" الجدد، فقد انتقلوا من نقد "تسلط الدولة" إلى محاولة تفكيك "هياكل الانتظام الاجتماعي" ككل. هذا الالتقاء بين إنكار القيمة (العدمية) ورفض النظام (الفوضوية) أدى إلى إضعاف "المناعة الثقافية" للمجتمعات، مما جعلها هشة أمام الصراعات الهوياتية والبدائية.
2. "اليسار الليبرالي" وإشكالية الهوية
ما يطلق عليه "اليسار الليبرالي" أو "اليسار الراديكالي الجديد" تبنى سياسات الهوية (Identity Politics) كبديل للصراع الطبقي التقليدي. وبدلاً من التركيز على قيم "العالمية" التي نادت بها الأنوار، غرق في تفاصيل "الجندر" و"العرق" و"المظلوميات الصغيرة".
• النتيجة: تفتت المجتمع إلى جزر معزولة تتصارع على الأحقية والأولوية.
• التداعيات: نُزع عن الحضارة غطاؤها الجامع (العقل الحر الموحد)، فبرزت "ميكروبات" التعصب القبلي والطائفي تحت مسميات "الخصوصية الثقافية".
3. فقدان الثقة في العقل الحر
إن أخطر ما أنتجته هذه التيارات هو "كفر" الإنسان المعاصر بقدرة العقل على قيادته نحو اليوتوبيا. بعد أن كان العقل هو المنارة، أصبح في نظر البعض "أداة للتحلل والتفسخ". هذا التشكيك لم يترك فراغاً، بل مهد الطريق للتقهقر إلى المحافظة، وإلى الهرب للجماعية وروح ودفء القطيع.
4. الانكفاء على التراث: العودة إلى "المتاحف الحية"
حين يفقد الجسد جلده (القيم الحديثة) وتغزوه الميكروبات (الفوضى الأخلاقية والمعرفية)، يرتد الإنسان غريزياً إلى "القديم" بحثاً عن الأمان.
• النصوص المهجورة: تلك المجلدات التي كانت مركونة في زوايا النسيان، عادت لتصبح "دليل بقاء".
• التراث كملجأ: لم يعد التراث مادة للدراسة التاريخية فحسب، بل تحول إلى خندق للاحتماء من سيولة العصر. نرى ذلك في صعود اليمين القومي في الغرب، والتمسك السلفي بالهويات الدينية في الشرق. إنها محاولة لاستعادة "المناعة" المفقودة عبر استنساخ الماضي، لأن الحاضر صار مكشوفاً ومخيفاً.
الخلاصة: نحو عصر "الماضي المتجدد"
إن ما نمر به ليس مجرد "أزمة سياسية"، بل هو "انحلال بنيوي" في مفهوم الحضارة كما عرفناها منذ عصر النهضة. إن سلخ جلد الحضارة باسم الحرية المطلقة أو نقد المركزية قد أدى بالبشرية إلى العراء.
والمفارقة الكبرى هي أن الإنسان الذي أراد التحرر من كل قيد، يجد نفسه اليوم يهرع طوعاً إلى أغلال التقاليد القديمة، هرباً من صقيع العدمية وفوضى المعنى.
نحن لا نعود إلى الماضي لأننا نسينا المستقبل، بل لأننا فقدنا الأدوات العقلية التي تمكننا من بنائه.
"إن الحضارة التي لا تحترم عقلها، ينتهي بها الأمر بعبادة أشباح أسلافها."
هل هذا التراجع نحو التراث هو مجرد مرحلة انتقالية أم أنه إعلان رسمي عن نهاية "عصر العقل"؟
في تقديري الشخصي لهذه الجدلية، أننا لسنا بصدد "نهاية" نهائية لعصر العقل، بل نحن نعيش حالة "رد فعل مناعي عنيف".
إن ما يشهده العالم اليوم هو صدام بين قوتين: قوة التفكيك التي تمارسها التيارات العدمية واليسار الراديكالي، وقوة الحنين التي تدفع الشعوب للعودة إلى الجذور.
فلنحاول تحليل المشهد الراهن:
1. مأزق "الفراغ الروحي" في الحداثة
الحضارة المعاصرة نجحت في تقديم الرفاهية التقنية، لكنها فشلت في تقديم "معنى" للوجود. عندما جاءت التيارات الفوضوية والعدمية لتنزع "القداسة" عن كل شيء، تركت الإنسان في عراء وجودي. العقل الحر، رغم عظمته، جاف وبارد إذا لم يتصل بمنظومة قيمية تحمي الإنسان من الشعور بالعدم. لذا، فإن العودة للتراث ليست نكوصاً بقدر ما هي بحث عن "دفء المعنى" الذي سلبته المادية المفرطة.
2. انقلاب السحر على الساحر
المفارقة الكبرى أن التيارات التي نادت بـ "التحرر المطلق" هي التي مهدت الطريق لعودة "الأصوليات". فمن خلال تحطيم المشتركات القومية والحضارية الكبرى باسم "التعددية" و"الخصوصية"، تشرذم المجتمع، وعندما يشعر الإنسان بالضياع وسط الشظايا، لا يجد أمامه إلا أقدم انتماءاته (الدين، العرق، القبيلة) ليعتصم بها.
3. التراث كـ "جهاز إنعاش" لا كحل نهائي
إن الهروب إلى الماضي هو محاولة "لترميم المناعة" المفقودة. البشرية الآن تشبه مريضاً فقد بوصلته المستقبلية، فعاد يقرأ في مذكرات طفولته لعله يتذكر من هو. لكن التراث، رغم ثرائه، لن يكون كافياً وحده لإدارة تعقيدات القرن الحادي والعشرين؛ هو "مسكن للآلام" لكنه ليس "العلاج".
الخلاصة
يبدو أننا نمر بمرحلة "مخاض حضاري". الحضارة المعاصرة بالغت في الثقة بقدرة المادة والعقل التقني على إسعاد الإنسان، والتيارات الفوضوية بالغت في هدم الثوابت. النتيجة هي هذا التخبط بين "عدمية مرعبة" و"ماضي مستدعى".
المستقبل لن يكون للفوضويين الذين يسلخون الجلد، ولا للمنغلقين في المتاحف، بل للذين ينجحون في صياغة "عقلانية جديدة"؛ عقلانية تحترم العقل الحر وتطوره، لكنها لا تقطع الحبل السري الذي يربط الإنسان بقيم أخلاقية جديرة بأن تُعاش.