أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العجوز؟


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 08:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"كلي تعجب ودهشة، كيف يصل لمنصب مستشار ألمانيا، من لايرى مانعاً ولا خطراً في امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية لسلاح نووي؟!!
ماذا يحدث في أوروباً؟!!
وما نوع المخدرات التي يتعاطونها وتغيب وعيهم إلى هذه الدرجة؟!!
مالذي يدفع أوروبا إلى الانتحار، لتنتحر معها الحضارة الإنسانية؟!!"

في أروقة المستشارية الألمانية ومكاتب بروكسل، يسود صمت مريب حيال واحد من أكبر التهديدات التي واجهت السلم العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. وبينما تتسارع أجهزة الطرد المركزي في "نطنز" و"فوردو"، يبدو أن صانع القرار الأوروبي، وتحديداً في برلين، يتبنى استراتيجية تقوم على "تجاهل الخطر حتى يقع".

1. فخ "الدبلوماسية للأبد": لماذا لا يرى المستشار الألماني خطراً؟
لا يتعلق الأمر بـ "مخدرات" مادية تغيب الوعي، بل بـ أيديولوجية سياسية متجذرة في العقل الألماني الحديث. منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تبنت ألمانيا عقيدة "التغيير من خلال التجارة" (-bm{Wandel- durch- Handel}).
• الوهم الدبلوماسي: يعتقد القادة في ألمانيا وأغلب أنحاء أوروبا أن الاحتواء السياسي والاقتصادي هو السبيل الوحيد لمنع الكوارث، مفترضين أن النظام الإيراني سيخضع للعقلانية الاقتصادية في النهاية.
• عقدة الذنب التاريخية: تدفع برلين أحياناً لتجنب أي مواجهة عسكرية أو تصعيد خشن، خوفاً من الانزلاق في صراعات كبرى، مما يجعلها تبدو كمن يغلق عينيه أمام الحريق طالما لم يلمس ثيابه بعد.

2. المصلحة الاقتصادية مقابل الأمن الوجودي
لا يمكن إغفال المحرك المادي؛ فألمانيا ترى في السوق الإيراني فرصة اقتصادية هائلة. هذا النوع من "الواقعية المشوهة" يجعل صانع القرار يفضل استمرار تدفق العقود التجارية على حساب اتخاذ موقف حازم من الطموحات النووية، متناسياً أن السلاح النووي لا يعترف بالاتفاقيات التجارية.

3. الانتحار الحضاري: هل فقدت أوروبا غريزة البقاء؟
ما يوصف بـ "الانتحار" يراه البعض في أوروبا "تعددية قطبية". لكن الواقع يشير إلى خلل بنيوي في تقدير المخاطر:
• جغرافيا الخطر: يعتقد الأوروبيون أنهم بعيدون نسبياً عن المدى المباشر للتهديد، أو أن الولايات المتحدة ستقوم بـ "العمل القذر" بدلاً عنهم في اللحظة الأخيرة.
• تفتت الموقف الموحد: غياب القيادة القوية في القارة جعل من منصب المستشار الألماني منصباً يبحث عن التوافقات الهشة بدلاً من القيادة الصارمة.

4. التبعات: صرخة في وادي الصمت
إن السماح بامتلاك إيران لسلاح نووي ليس مجرد "خطأ ديبلوماسي"، بل هو تغيير جذري في ميزان القوى العالمي سيؤدي بالضرورة إلى سباق تسلح نووي في المنطقة الأكثر التهاباً في العالم.

إن ما يحدث في أوروبا ليس غياباً للوعي بقدر ما هو هروب من المسؤولية. إنهم يتعاطون "مخدر الأمل الكاذب" بأن الأزمات ستحل نفسها بنفسها، وهو رهان قد يدفع ثمنه العالم أجمع، وليس القارة العجوز فحسب.

السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستستيقظ القوى الأوروبية قبل أن يصبح "الفطر النووي" هو الحقيقة الوحيدة فوق الطاولة، أم أن برلين وبروكسل قررتا فعلاً المضي في طريق اللاعودة؟