الخراب والموت وبيئة حزب الله


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 21:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يقترن دوماً الحديث عن حزب الله بالحديث عن حاضنته وبيئته، الذين هم قطاع من شيعة لبنان.
حزب الله عصابة أجيرة بالدولار من قبل إيران، بجانب الإيمان الديني بسلطة الولي الفقيه، وبالعداء لليهود والنصارى.
فيما بيئة حزب الله هم عامة الناس المنقادين بعواطفهم الدينية فقط.
التساؤل الآن عن بقاء بيئة حزب الله على موقفها واحتضنها وولائها لحزب الله، بعد ماحل بها من موت وخراب نتيجة مواقف حزب الله والقصف الإسرائيلي. ورجال هذه البيئة ليسوا مجرد شباب مقاتل مؤهل لمواجهة مايحدث له من قصف. وإنما رجال مسؤولين عن عائلات من نساء وأطفال وعجائز، غير مؤهلين لمواجهة القصف والموت والهدم والهجرة الدائمة هرباً من الموت.
العجيب هو أننا مازلنا بعد كل هذا التشريد لمئات الآلاف نسمع عن "بيئة حزب الله"!!

لنحاول فهم استمرار هذا الولاء رغم حجم الدمار والنزوح من خلال النظر للحالة من أكثر من زاوية:

1. مفهوم "المظلومية التاريخية" والشعور بالوجود
بالنسبة لشريحة واسعة من هذه البيئة:
الواقع أنه لا يُنظر إلى حزب الله كمجرد "حزب سياسي" أو "فصيل مسلح"، بل كالقوة التي نقلت الطائفة الشيعية في لبنان من "التهميش" التاريخي إلى "مركزية القرار".
هذا الارتباط الوجودي بين العصابة المسلحة والقاعدة الجماهيرية يجعل التخلي عن الحزب في لحظات الحرب يُفسر لديهم على أنه عودة لزمن الضعف، وهو ما يدفع الكثيرين للتمسك به كـ "درع" بغض النظر عن النتائج الكارثية.

2. منظومة "الرعاية الاجتماعية" المتكاملة
بنى الحزب على مدى عقود "دولة داخل الدولة". هذه المنظومة تشمل:
• مؤسسات صحية وتعليمية.
• قروض ميسرة ومساعدات عينية.
• رواتب مباشرة لآلاف العائلات.
هذا الاعتماد الاقتصادي يخلق نوعاً من "الولاء الاضطراري"؛ فالناس يجدون في مؤسسات الحزب بديلاً عن الدولة الغائبة، خاصة في أوقات الأزمات.

3. البروباجندا وسردية "النصر الإلهي"
تمتلك الماكينة الإعلامية للحزب قدرة عالية على "إعادة تدوير" الخسائر. فالموت يُصنف كـ "شهادة"، والدمار كـ "تضحية في سبيل الكرامة".
هذه السردية الدينية تمنح الناس معنىً لمعاناتهم، مما يمنع تحول الألم إلى نقمة سياسية مباشرة، حيث يتم توجيه كل الغضب الشعبي نحو "العدو الخارجي" (إسرائيل) باعتباره المتسبب الوحيد في المعاناة، وتبرئة الحزب من المسؤولية عن قرار الحرب.

4. غياب البديل المطمئن
في البيئات العقائدية، نادراً ما ينقلب الناس على قيادتهم أثناء الحرب إلا إذا وجدوا بديلاً سياسياً أو وطنياً قادراً على توفير الحماية لهم. وفي ظل الانقسام اللبناني الحاد، يشعر أبناء هذه البيئة أن خصوم الحزب في الداخل لا يمثلونهم أو قد ينقلبون عليهم، مما يبقيهم داخل "الشرنقة" التنظيمية للحزب خوفاً من المجهول.

5. ضغط الجماعة (Social Pressure)
في المجتمعات المنغلقة أو المحكومة بقوة أمنية وعقائدية، يكون من الصعب جداً الجهر بالاعتراض. الانتقاد في وقت الحرب يُفسر فوراً على أنه "خيانة" أو "عمالة"، مما يجعل الأصوات المعارضة داخل البيئة الشيعية تخفت أو تفضل السلامة، وهذا يعطي انطباعاً باستمرار الإجماع الشعبي.

ما نراه اليوم هو صراع بين "واقع مرير" يتمثل في التشريد والدمار، وبين "إرث عقائدي ومصلحي" متجذر.
تاريخياً، التحولات الكبرى في مواقف "البيئات الحاضنة" لا تحدث أثناء اشتعال المدافع، بل تظهر بوادرها في مرحلة "ما بعد الحرب" عندما تهدأ العواطف ويبدأ الناس بمواجهة واقعهم الجديد بعيداً عن الشعارات.