انتحار الهوية: كيف تحول الكراهية -المقدسة- أصحابها إلى سجناء بؤسهم؟


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 10:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

الكراهية والعداء الأبدي المقدس للعالم الحر المتقدم سوف يؤذي الآخرين قليلاً. لكنه سيبقي الشعوب الكارهة في حضيض البؤس والتخلف.

هي قضية جوهرية في فلسفة النهضة وسقوط الأمم:

هل الكراهية مجرد شعور عابر، أم أنها عائق بنيوي يمنع التطور؟
حين تتحول الكراهية إلى "عقيدة" أو "مقدس" يوجه بوصلة الشعوب ضد "العالم المتقدم"، فإنها تتحول من سلاح للمقاومة (كما يظن البعض) إلى سجن طوعي يحبس هذه الشعوب في غياهب التخلف.

في لعبة المصالح الدولية، قد تكون الكراهية أداة تعبوية مؤقتة، لكن عندما تتحول إلى "عداء أبدي مقدس" تجاه المراكز الحضارية المتقدمة، فإنها تتوقف عن كونها موقفاً سياسياً لتصبح "انتحاراً حضارياً".
إن المفارقة الصارخة هنا هي أن الطرف المستهدف بالكراهية قد يتضرر هامشياً، بينما الغارق في الكراهية هو من يدفع الفاتورة الأغلى من مستقبله وكرامته.

1. وهم الضرر المتبادل

يروج الخطاب الكاره لفكرة أن معاداتنا للعالم المتقدم ستؤدي إلى انهياره. الحقيقة الواقعية تقول إن العالم المتقدم، بمنظوماته العلمية، التقنية، والمؤسساتية، يمتلك مرونة تجعله يتجاوز أثر العداء اللفظي أو المقاطعة العاطفية. قد "يُخدش" هذا العالم قليلاً، أو يفقد سوقاً هنا أو هناك، لكنه يظل المحرك الأساسي للتاريخ.
أما الطرف الكاره، فإنه بقطيعته النفسية والمعرفية، يحرم نفسه من "أدوات العصر". فعندما تكره المصدر الذي ينتج الدواء، والتقنية، وعلوم الإدارة، والمنهج العلمي، فأنت عملياً تختار البقاء في خارج سياق الزمن.

2. الكراهية كآلية تبرير للفشل

تعد الكراهية "المقدسة" وسيلة مريحة جداً للهرب من المسؤولية. بدلاً من سؤال النفس: "لماذا نحن متخلفون؟"، يتم اللجوء إلى إجابة جاهزة: "لأن العالم المتقدم يتآمر علينا".
• تحويل العجز إلى قداسة: يُصبغ التخلف بصبغة الصمود.
• رفض التعلم: يُنظر إلى الاقتباس من تجارب الناجحين كنوع من "التبعية" أو "الخيانة".
هذه العقلية تبقي الشعوب في حضيض البؤس لأنها تمنع النقد الذاتي، وهو المحرك الأول لأي نهضة.

3. استنزاف الطاقات الحيوية

بناء الحضارات يتطلب طاقة إيجابية موجهة نحو البناء، الاكتشاف، والعمل. أما الكراهية، فهي شعور "استهلاكي" بامتياز؛ فهي تستنزف العاطفة والجهد في الهدم، أو في انتظار سقوط الآخر. وبينما ينشغل العالم المتقدم بتطوير الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء، ينشغل الكارهون بتدبيج القصائد في ذمه، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مجرد مستهلكين بائسين لمنتجات من يكرهون.

الخاتمة:
النهضة تبدأ بالاعتراف لا بالعداء
إن العالم المتقدم ليس "فاضلاً" بالضرورة، وله أخطاؤه وتجاوزاته، لكن مواجهة هذه التجاوزات لا تكون بالكراهية العمياء التي تورث الفقر، بل بامتلاك أدوات القوة ذاتها.
الشعوب التي اختارت أن تظل "كارهة" ظلت تراوح مكانها في ذيل القافلة، بينما الشعوب التي تجاوزت مرارات التاريخ وانفتحت على العلوم والقيم العالمية (مثل اليابان وكوريا الجنوبية) هي التي استطاعت أن تفرض احترامها. الكراهية سجن، والانفتاح الواعي هو مفتاح الخروج من حضيض البؤس.