سحر الغرابة: الهرب من صرامة الواقع إلى غواية الخرافة


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 23:43
المحور: قضايا ثقافية     

يعيش الإنسان المعاصر في عصر يقدس الأرقام، ويؤمن بالخوارزميات، ويخضع لصرامة القوانين الطبيعية التي لا تحابي أحداً. ومع ذلك، نجد فجوات واسعة في هذا البناء العقلاني، يتسلل منها غرام جارف بكل ما هو غريب وغير مألوف. هذا "الغرام بالغرائب" ليس مجرد جهل، بل هو محاولة إنسانية مستميتة لكسر رتابة الحياة والالتفاف على قسوة الواقع.
1. من "الأطباق الطائرة" إلى "المعجزات": البحث عن معنى وراء المادة
في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة، لا تزال قصص الكائنات الفضائية والأطباق الطائرة (UFOs) تتصدر العناوين. وفي المقابل، نجد في الشرق، وبالذات حيثما حل الأقباط الأرثوذكس حول العالم، نجد قصص المعجزات وظهورات القديسين تملأ الوجدان.
• القاسم المشترك: كلاهما يعبر عن حاجة الروح البشرية للشعور بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون الصامت، وأن هناك "قوة عليا" أو "ذكاءً أسمى" يمكنه التدخل لخرق القوانين المادية التي تكبلنا.
2. السحر والدجل: محاولة ترويض القدر:
بينما انحسر الاهتمام بقراءة الطالع وأعمال "جلب الحبيب" في المجتمعات الغربية لصالح العلم النفسي والاجتماعي، لا تزال هذه الممارسات نابضة بالحياة في الشرق.

إن الجري وراء السحر ليس إلا محاولة طفولية للسيطرة على المستقبل، وامتلاك أدوات سحرية تحقق للأنا ما عجزت عن تحقيقه بالطرق المنطقية والسعي الواقعي.

3. الطب البديل: سراب الشفاء الشامل
لا يقتصر الأمر على الغيبيات، بل يمتد إلى "بيولوجيا الخرافة". رواج وصفات الطب البديل التي تدعي شفاء كل الأمراض، من المستعصي منها إلى تلك المتعلقة بالقدرة الجسدية والواجبات الزوجية، يعكس رغبة الإنسان في إيجاد "حل سحري" سريع.
• الهروب من الصرامة: العلم الطبي يخبرنا بمرارة عن حدود الجسد وعن تدرج العلاج، بينما تعدنا الخرافة الطبية بنتائج فورية تكسر قوانين الشيخوخة والمرض بجرعة من عشب مجهول.
لماذا ننجذب للغرائب؟
يمكن تلخيص هذا الانجذاب في نقطتين جوهريتين:
1. كسر الرتابة: القوانين الطبيعية صارمة، متكررة، ومملة أحياناً. الغرائب تضفي صبغة من "السحر" والدهشة على يومياتنا الرتيبة.
2. الهرب من العجز: الواقع يفرض علينا شروطاً قاسية (المرض، الفقد، الفشل العاطفي). الخرافة، في جوهرها، هي "ممر سري" يوهمنا بقدرتنا على تجاوز هذه القوانين دون جهد أو مواجهة.

إن الإنسان سيظل دوماً ذلك الكائن الذي يقف بقدم في أرض العلم والعقل، وبالأخرى في سحابة من الخيال والأسطورة. ورغم أن العلم أنار لنا دروباً كثيرة، إلا أن الشغف بالغرائب يظل هو "المخدر اللذيذ" الذي يساعد البعض على تحمل قسوة الحقيقة وصرامة الطبيعة التي لا تلين.
نحن لا نصدق الخرافة لأنها حقيقة، بل نصدقها لأننا نحتاج أن تكون حقيقة.