صدمة الحداثة: انبهار وعداء وارتداد
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
"وصول الحضارة المعاصرة من أوروبا إلى أنحاء الشرق الأوسط، هو ما أدى لرد فعل عكسي، يتمثل في الردة أو الصحوة السلفية بمختلف صنوفها."
تعد العلاقة بين الشرق الأوسط والحضارة الغربية المعاصرة واحدة من أكثر الجدليات تعقيداً في التاريخ الحديث. فرغم ما كانت هذه الحضارة تحفل به من وعود الرفاهية، إلا أنها مثّلت في الوقت ذاته صدمة ثقافية وهيكلية للمجتمعات التقليدية، مما أدى إلى نشوء حالة من "الاستنفار الهوياتي"، تجسدت في الصعود السلفي والحركات الأصولية كفعل مقاوم للتحولات الطارئة.
نحاول فيما يلي تتبع المسار التاريخي والاجتماعي لذلك الصدام:
بدأ وصول الحداثة الأوروبية إلى الشرق الأوسط عبر بوابتين: الاستعمار العسكري والانبهار التقني. حين دخل نابليون بونابرت مصر عام 1798، لم يجلب معه المدافع فقط، بل جلب المطبعة والمختبرات الكيميائية.
هذا التماس المباشر وضع الإنسان العربي أمام حقيقة قاسية: فجوة حضارية شاسعة بين تراثه الذي يراه عظيماً، وبين واقع مادي تقني متفوق يمتلكه "الآخر". ومازالت الذاكرة الشعبية الجمعية المصرية تتذكر ماكان يردده الناس وهم يسمعون أصوات مدافع نابليون، هاتفين: "يالطيف الألطاف نجنا مما نخاف"!!
في البداية، حاول رواد النهضة الأوائل المزاوجة بين الحداثة والقيم التقليدية، لكن التوسع الغربي السريع، وتفكك الخلافة العثمانية، وفرض أنظمة حكم علمانية "فوقية"، خلق شعوراً بالاغتراب والتهديد الوجودي.
الصحوة السلفية: رد فعل أم عودة للجذور؟
في سياق علم الاجتماع، يُنظر إلى السلفية بمختلف صنوفها (من الوعظية إلى الحركية) كآلية دفاعية جماعية. حين يشعر المجتمع أن نسيجه الثقافي مهدد بالذوبان تحت وطأة "التغريب"، فإنه يميل لا إرادياً إلى الانكماش حول أكثر قناعاته صلابة وتاريخية.
تتمثل هذه "الردة" أو "الصحوة" في عدة مستويات:
• المستوى القيمي: رفض منظومات القيم الليبرالية (الفردية، الحرية الشخصية، العلمانية) واعتبارها "غزواً فكرياً".
• المستوى التشريعي: المطالبة بالعودة إلى "الأصل" وتطبيق الشريعة كبديل للقوانين المستوردة.
• المستوى الرمزي: التمسك بالمظاهر الشكلية واللغوية التي تميز "الذات" عن "الآخر" الغربي.
"إن السلفية في جوهرها المعاصر ليست مجرد تكرار للماضي، بل هي توظيف للماضي لمواجهة تحديات الحاضر، التي فشلت المشاريع القومية والعلمانية في حلها."
لكن لماذا أخفقت الحداثة في استيعاب هذه الحركات؟
يكمن الإشكال في أن الحداثة دخلت الشرق الأوسط كـ "منتج جاهز" وليس كـ "سيرورة داخلية".
تم استيراد المؤسسات والجامعات والقوانين، لكن ظل الوعي الجمعي مرتبطاً بمرجعيات دينية وتاريخية لم تُمنح الفرصة للتطور الطبيعي.
كما أن رواد التنوير الذين ظهروا في منطقة الشرق الأوسط، لم يكونوا ثقافياً أبناء وإفراز قاعدة جماهيرية معبرين عن تطلعاتها وتوقها للحداثة. وإنما كانوا مفارقين لها، مستوردين للأفكار الغربية(الدخيلة) التي استهوتهم (عقلياً وسيكولوچياً) بصورة شخصية. ما أدى هذا إلى نشوء "انفصام حضاري"؛ حيث يعيش الفرد في مدينة حديثة ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا، لكنه يحمل عقلاً يرفض الفلسفة التي أنتجت تلك التكنولوجيا. هذا التناقض هو ما يغذي التيارات السلفية، التي تقدم خطاباً "نقياً" يمنح الفرد شعوراً بالتميز والوضوح في عالم مضطرب.
إن الردة السلفية بمختلف ألوانها ودرجاتها، شيعية كانت أم سُنِّية، ليست مجرد اختيار ديني مجرد، بل هي "رد فعل فيزيائي" لضغط حضاري خارجي لم يتيسر على هذه الشعوب استيعابه وهضمه.
بناءً على القراءة التحليلية التاريخية الاجتماعي، يمكن القول إن فشل المشاريع "العلمانية" و"القومية" كان هو الوقود الأكبر الذي غذى هذه الصحوة.
عندما وصلت الحداثة عبر النخب السياسية في منتصف القرن العشرين، طرحت وعوداً براقة: التحرر، التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. لكن الواقع الذي تلى ذلك كان محبطاً إلى حد فاق أكثر التوقعات تشاؤماً.
ويمكن تلخيص أسباب هذه الردة في النقاط التالية:
• الفراغ الأيديولوجي: بعد هزيمة 1967، انكسر الحلم القومي وسقطت الشعارات الكبرى. وجد الإنسان العربي نفسه في حالة ضياع، فكانت العودة إلى "الأصل الديني" هي الملاذ الأكثر أماناً وقدرة على منح معنى للحياة والمعاناة.
• عنف التحول: الحداثة في أوروبا كانت مساراً طويلاً من التنوير والصراع الفكري، أما في الشرق الأوسط فقد فُرضت غالباً بواسطة الأنظمة السلطوية. هذا جعل الحداثة تبدو في نظر العامة كـ "بضاعة مستوردة" أو أداة للقمع، وليست خياراً شعبياً نابعاً من الداخل.
• الإخفاق التنموي: فشلت معظم التجارب التنموية في توفير حياة كريمة للطبقات الكادحة، مما جعل الخطاب السلفي —ببساطته ووضوح ثوابته وتقديمه لشبكات تكافل اجتماعي— يبدو أكثر صدقاً وقرباً من هموم الناس من خطاب النخب المثقفة.
• الهوية كدرع: في مواجهة العولمة التي تسعى لتنميط العالم، أصبحت السلفية وسيلة لإثبات الذات. فكلما زاد الضغط الثقافي الغربي، زاد التمسك بالهوية القديمة كنوع من "المقاومة السلبية".
لهذا لا موجب للدهشة مما نشهده بالمنطقة من توافق بل وتحالف في الموقف العدائي من الغرب بين التيارات الدينية السلفية والتيارات العلمانية اليسارية والليبرالية، فالجميع سواء في حالة صدمة الحداثة. وفي العجز عن استيعاب ومجاراة حضارة العصر.
الخلاصة:
الصحوة السلفية لم تكن مجرد رغبة في العيش في الماضي، بل كانت احتجاجاً صارخاً على حاضر لم يجد فيه الناس مكاناً كريماً لهم، وفشلٍ لمشاريع التحديث التي لم تلامس جذور المجتمع. لقد قدمت السلفية "إجابات جاهزة" في زمن كثرت فيه الأسئلة الصعبة والوعود الكاذبة.