جواهر على قارعة الطريق: المأزق الوجودي الخليجي وحتمية -الحل الجذري-


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يعيش الخليج العربي اليوم في قلب مفارقة جيوسياسية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث؛ فهو يمتلك أضخم كتلة ثروة مركزة في العالم، لكنه يفتقر إلى "الكتلة السكانية الحرجة" القادرة على حمايتها بمفردها.
إنها اشبه ب "الجواهر الملقاة على قارعة الطريق"، التي لا يكمن الخطر عليها لقيمتها فحسب، بل في وقوعها على مرمى حجر من "كيان مارق" لا يعترف بالقوانين الدولية، ولا يجد رادعاً في منظومة عالمية أصابها الشلل.

أولاً: وهم الحلول الحمائية
عند تشريح الواقع الخليجي، نجد أن الحلول الدفاعية التقليدية تصطدم بحائط مسدود. فالمشكلة ليست في جودة السلاح أو ميزانيات الدفاع التي تُعد من الأعلى عالمياً، بل في "بنيوية الدولة":

• الديموغرافيا والاقتصاد:
صغر حجم القوى البشرية المواطنة، وطبيعة الاقتصاد المفتوح القائم على التدفقات المالية والسياحية، يجعل من الصعب تحويل هذه المجتمعات إلى "قلاع عسكرية" قادرة على خوض حروب استنزاف طويلة مع جار يمتلك جغرافيا شاسعة وكتلة سكانية هائلة.

• هشاشة النموذج التنموي:
إن الصاروخ الذي قد لا يكلف النظام المارق إلا بضعة آلاف من الدولارات، كفيل بتهديد استثمارات بمليارات الدولارات وتطفيش الرساميل الأجنبية، مما يجعل "الدفاع" عملية خاسرة اقتصادياً حتى لو نجحت عسكرياً.

ثانياً: نظام الملالي.. الخطر الذي لا يمكن احتواؤه
يكمن جوهر المأزق في طبيعة الخصم. فنظام الملالي في إيران ليس دولة تبحث عن مصالح سياسية واقتصادية يمكن التفاوض عليها، بل هو "كيان أيديولوجي" يعد استقرار الخليج وازدهاره نقيضاً لمشروعه الثوري. ومن هنا، يصبح الأمل في "تغيير سلوك النظام" عبر الدبلوماسية نوعاً من الوهم الذي بدده الواقع؛ فهذا النظام، بتركيبته الحالية، غير قابل للانخراط في النظام العالمي لأنه يتغذى على الفوضى. وعلى تصدير هيمنته أو ثورته لكل محيطه الإسلامي، بل وللعالم كله!!

ثالثاً: بين الهاوية والأمل الجذري
أمام هذا الانسداد، لم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول. المأزق الوجودي يصل بالمنطقة إلى حافة الهاوية، حيث تدرك العواصم الخليجية أن البقاء في حالة "الانتظار القلق" هو استنزاف بطيء للوجود.
لذا، لا يتبقى في الأفق سوى مخرج وحيد: إزالة الخطر من منبعه.
هذا الحل لا يعني بالضرورة الحرب الشاملة، بل يعني أن الحل الوحيد المستدام هو تحول إيران إلى "دولة طبيعية" منخرطة في النظام العالمي. هذا التحول هو "طوق النجاة" الوحيد الذي يمكنه تأمين تلك الجواهر الخليجية. وبدون هذا التحول، سواء عبر انهيار داخلي للنظام أو عبر إرادة دولية حاسمة تنهي هذا التهديد، سيبقى الخليج في حالة "انعدام وزن" استراتيجي.
فالحلول الوسطى والسياسية مع هذا النظام المارق قد تخفف من وطأة خطره على سائر دول العالم. حتى تلك التي يهتف نظام الملالي ليل نهار بالموت لها. فالبعد الجغرافي لها، بالإضافة لسائر عوامل القوة والمنعة، يعمل كحام طبيعي ولو جزئي من خطر الملالي ونظامهم الوحشي المسعور. فيما نفس عامل الجغرافيا هذا وطبيعة اقتصاد دول أو جواهر الخليج، يلعب دوراً عكسياً في مأزق دول الخليج الوجودي.

رابعاً: التساؤل المعلق والمؤلم
لكن، ومع وضوح هذا التشخيص، يبقى السؤال الكبير قائماً يبحث عن إجابة، وهو السؤال الذي يؤرق صناع القرار:
ماذا تفعل دول الخليج في "فترة الانتظار"؟
كيف يمكن لهذه الدول أن تحمي منجزاتها وهي تعلم أن الحل الجذري ليس بيدها وحدها، وأن النظام المارق قد يلجأ لسياسة "الأرض المحروقة" إذا شعر بدنو أجله؟
هل يمكن للجواهر أن تحمي نفسها من النهب بانتظار أن يتغير سلوك "قاطع الطريق"؟
أم أن القدر سيفرض على المنطقة مواجهة كبرى أخرى إذا ماخرج الملالي من المواجهة الحالية سليماً؟

خاتمة:
إن الخليج ليس في أزمة عابرة، بل في صراع بقاء ضد "جغرافيا سياسية" معادية. والاعتراف بأن الحلول الحمائية مستحيلة هو أول خطوات الصدق مع الذات، لوضع العالم أمام مسؤولياته تجاه منطقة تمثل عصب الاقتصاد العالمي، وتقع اليوم على "فوهة بركان" ينتظر لحظة الانفجار.