|
|
غلق |
|
خيارات وادوات |
|
مواضيع أخرى للكاتب-ة
بحث :مواضيع ذات صلة: مازن كم الماز |
محاولة لفهم سيكولوجية حكم و ثقافة الهمج
هل المجتمع الذي يقتل فيه الناس بعضهم البعض "طبيعي" الذي يلقي فيه البعض بشرًا آخرين عزلًا من كل شيء من فوق بناية شاهقة ، هل هو مجتمع طبيعي و هل هؤلاء القتلة هم بشر "طبيعيون" و هل من يصفق لهم هم أيضًا بشر طبيعيون ؟ أعرف أن الصراع في جوهره هو صراع على السلطة أولًا ثم على الثروة بالدرجة الثانية لكن ألا يمكن لهؤلاء أن يخوضوا هذا الصراع بأشكال أكثر إنسانية أو أقل همجية ، هل من يضع تعليق أضحكني على موت أو مقتل و إهانة و تجويع بشر آخرين أيًا كانوا هو إنسان طبيعي نفسيًا ، و أي مرض هذا الذي يصيب فجأة كتلة بشرية بأكملها تقريبًا بغض النظر عن خلفية أفرادها العلمية و الفكرية و عن اختلاف تجاربهم الحياتية ليصبحوا جميعًا من أصغرهم إلى أكبرهم تقريبًا مشاركين في المجزرة سواءً كقتلة أو كمصفقين … هل هذا مرض ثقافي أم نفسي أم عرض لأزمة حضارية أو إنسانية أو إجتماعية أو اقتصادية أو لأزمة في النظام السياسي أم مشكلة مركبة من كل هذا أو بعضه … لا شك أن الثقافة التي تقبل بهذه الهمجية بل تحرض عليها هي ثقافة مريضة ، هذا إذا افترضنا أن تعريف الثقافة هو نشاط إنساني فكري عقلي فوق غريزي رفيع وظيفته أنسنة الإنسان و أنسنة العلاقات بين البشر ، الثقافة التي تعارض قتل المنتسبين إليها بينما تحرض على قتل غير المنتسبين لها هي بهذا المعنى ثقافة مريضة … طبعًا يمكن إيجاد أفكار ، إن صح تسميتها بذلك ، يمكن استخدامها لتبرير هذه الهمجية ، بل يمكن استخدام أفكار مثل الحرية و العدالة بشكل ملتوي لتخدم و تبرر و تدعو إلى القتل و الذبح لكن كيف أن يصبح هذا ممكنًا و مقبولًا و غير قابل حتى للنقد بين أفراد جماعة ما في نفس الوقت بما يشبه حالة سكتة مفاجئة للضمير الجمعي و الفردي الخاص بهذه الجماعة و بكل أفرادها في نفس الوقت … لإيقاف الهمجية نحتاج لفهم تلك الآلية الشيطانية التي تسمح بإطلاق العنان لها … إذا استمعنا لعلماء النفس فإنهم يشخصون المشكلة عند الأفراد غير القادرين على الانسجام مع محيطهم بينما في حالتنا هذه يبدو هؤلاء الرافضين للهمجية التي تحيط بهم العقلاء الوحيدين وسط جنون الهمجية الطاغي… هل الاكتئاب أو العصاب أو حتى الذهان في المجتمع المريض بالهمجية هو حالة مرضية أم أنه الحالة الوحيدة الممكنة لبشر طبيعيين يعيشون وسط بشر غير أسوياء … صحيح أن السوسيولوجي يشخص الهمجية على أنها مشكلة اجتماعية و عالم النفس على أنها مشكلة سيكولوجية و عالم الاقتصاد على أنها تعبير عن أزمة اقتصادية و المؤرخ يراها نتاج لأحداث تاريخية ماضية الخ لكن الأغلب أنها كل ذلك في نفس الوقت ، ما يهمنا هنا هو فهم الآليات النفسية التي يستخدمها البشر في حالتهم الهمجية و هنا لا أقصد حالتهم البدائية بل تلك التي يبررون و يمارسون فيها أفعالًا يعتبرونها همجية إذا مارسها ضدهم بشر آخرون … سنقتصر هنا على الحالة السورية القريبة مني و على الهمج السوريين و مثقفيهم … هنا لا بد من ملاحظة مهمة و هي أنه رغم الاختلاف الهائل بين أفراد المجموعة التي نصفها هنا سواءً من حيث مستوى ثقافتهم أو وضعهم الاجتماعي من مثقفين و سياسيين ( مضطر هنا أن أستخدم هذين الوصفين ) اعتادوا ترديد شعارات و عبارات الحرية و الديمقراطية و العدالة إلى رجال دين ذوي "ثقافة" دينية شديدة الضحالة إلى أميين و عاطلين عن العمل و الثقافة إلى قتلة و مجرمين عاديين لكن هؤلاء ينتمون غالبًا إلى محافظات أو مناطق بعينها في سوريا ، تحديدًا المنطقة الشرقية ، ادلب و ريف حلب و يكاد يغيب عنها أي تمثيل حقيقي للشام و حلب … هل هذا ناتج عن إحساس مشترك بين أفراد هذه المناطق بشعور مضاعف بالتهميش أو الازدراء من بقية السوريين ، لماذا يكره أبناء هذه المناطق الأقليات أكثر بكثير من أبناء دمشق و حلب و سائر السوريين ؟ و إذا كان من الممكن فهم مشاعر الغضب ضد العلويين الذين شكلوا عصب أجهزة الأمن المنفلتة أيام النظام الأسدي فكيف يمكن تفسير نفس المشاعر و الكراهية لدرجةٍ الإجرام ضد الدروز و ضد الأكراد الذين شاركوا جيرانهم العرب السنة في الرقة و دير الزور نفس التهميش من قبل نظام الأسد و ذات الازدراء من سكان المدن الكبرى ؛ ما الذي دفع و يدفع مثقفين من أبناء تلك المناطق ليسيروا خلف مقاتلين و رجال دين و "قادة" أميين ، خلف مقاتلين بلا أفق و بلا ثقافة لمجرد أنهم يقتلون علويين و دروز و يهددون بقتل أكراد … هؤلاء المثقفين و لا رجال الدين لم يكونوا ضحايا لسياسات نظام الأسد الاقتصادية لذلك لا أعتقد أن هذه الهمجية هي تعبير عن غبن اقتصادي اجتماعي لحق بمناطقهم … أعتقد أن هؤلاء المثقفين كانوا على خصومة شديدة مع نظام الأسد لسببين رئيسيين ، الأول هو أنهم تعرضوا للملاحقة و السجن على يد هذا النظام بحيث سيطرت فكرة الثأر عليهم بغض النظر عن أية عواقب أو نتائج ، الثاني و هو باعتقادي لا يقل أهمية عن الأول هو كره ممزوج بالغيرة و الحسد من علاقة العلويين بنظام الأسد و رغبة صريحة أو خفية بالحلول محل هؤلاء في ظل نظام أسدي سني يلعبون فيه نفس الدور الذي لعبه العلويون مع نظام الأسد … و قد يبدو من المفهوم هنا عدم تأثر الشوام و الحلبيين بموجة الهمجية هذه فهؤلاء لا يشعرون بنفس الغيرة من عناصر المخابرات العلويين و لا بالرغبة بالحلول مكانهم في نظام أسدي جديد ، ليس فقط لأنهم كانوا قادرين على "التأقلم" مع هيمنة النظام الأسدي بل لأنهم أيضًا لا يحتاجون لنظام أسدي علوي كان أو سني لكي يحصلوا على امتيازات ما عكس أهل الرقة و الدير و ادلب الذين لا يملكون ميزات الشوام و الحلبيين و لا تعليمهم العالي و لا ملكاتهم التجارية و قدراتهم على التواصل بينما يحتاج أهل هذه المناطق لنظام أسدي يمنحهم تلك الامتيازات المخصصة لقتلته و جلاديه… يبدو أن موجة الهمجية التي تجتاح سوريا هي تعبير عن حالة خاصة بمناطق بعينها وحدت مثقفيها و أمييها وراء قتلة وجدت تعبيرها الأمثل في فكر داعش الذي يجري تبنيه على نطاق واسع من قبل هؤلاء و الذي يختصر و يجسد و يختزل بكلمات و أفكار قليلة تلك الهمجية و مشاعر و رغبات هذه المجموعات بأفضل تمثيل …
|
|
||||
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
نسخ
- Copy
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
اضافة موضوع جديد
|
اضافة خبر
|
|
|||
|
نسخة قابلة للطباعة
|
الحوار المتمدن
|
قواعد النشر
|
ابرز كتاب / كاتبات الحوار المتمدن
|
قواعد نظام التعليقات والتصويت في الحوار المتمدن |
|
|
||
| المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الحوار المتمدن ، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الحوار المتمدن اي تبعة قانونية من جراء نشرها | |||