|
|
غلق |
|
خيارات وادوات |
|
مواضيع أخرى للكاتب-ة
بحث :مواضيع ذات صلة: مازن كم الماز |
بديل الإبادة و الحرب الأهلية في سوريا
بالعودة إلى الدولة العثمانية يمكن للمرء أن يرى أن الأتراك أنفسهم لم يشكلوا غالبية سكانها في أي وقت من الأوقات ، بقي اليونانيون و السلاف أغلبية في الروميلي أو الأجزاء البلقانية من الدولة و مع القضاء التدريجي على الأرستقراطية السابقة على الاحتلال العثماني كانوا يتألفون في الأغلب من الفلاحين … حتى في ما تسمى تركيا اليوم كان المسلمون بالكاد يمثلون أغلبية سكانها و بقي العنصر التركي نفسه أقلية كبرى فقط بينما احتفظ اليونانيون و الأرمن بحضور قوي في أماكن تواجدهم التقليدية … و مع عيون روسيا القيصرية على مضيق البوسفور و القسطنطينية أصبحت الدولة نفسها في خطر حقيقي ليس فقط سلطة آل عثمان التي تحولت منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى رجل أوروبا المريض بل زاد خطر خسارة البوسفور و القسطنطينية للروس الذين حاصروا العثمانيين في القوقاز و البلقان إضافة إلى احتمال ظهور دول أو تشكيلات سياسية مستقلة للأرمن و الأكراد و ربما العلويين و استعادة اليونان لأراضي واسعة من الدولة بحكم أنهم كانوا غالبية سكانها … خاصةً مع هزيمة السلطنة في الحرب العالمية الاولى أصبح هذا الخطر واقعيًا خاصةً أن القوات اليونانية سيطرت بالفعل على مناطق واسعة في غرب تركيا الحالية مع ظهور تشكيلات سياسية عدة للأرمن بدأت بجمهورية قومية ثم سوفياتية و ما أنقذ القسطنطينية كان ثورة البلاشفة التي أنهت قرون من الحكم القيصري قبل أن يتمكن الأخير من تحقيق وصية بطرس الأكبر في الاستيلاء على القسطنطينية … ما بدأه عبد الحميد الثاني سيواصله باشوات الاتحاد و الترقي ثم أتاتورك على تناقض كل هؤلاء لتتحول تركيا الحالية الى دولة ذات غالبية و "هوية" تركية طبعًا بالحديد و النار عبر ارتكاب مجازر مليونية بدأت منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن التالي طاولت أولا الأرمن و اليونانيين ثم الأكراد في وقت لاحق ، و إذا كان أتاتورك قد عجز عن استعادة الموصل و حلب كما كان يطمح فإنه تمكن من ضم إسكندرون و أجزاء واسعة من كيليكية … شيء مشابه يجري اليوم في سوريا حيث يحاول الجولاني تحويل سوريا إلى دولة عربية سنية طبعًا باستخدام أساليب لا تقل همجية عن تلك التي استخدمت في أي مكان آخر إلا بما تفرضه الظروف و توازنات القوة الإقليمية … المجازر الجولانية تمشي يدًا بيد مع التغيير الديمغرافي و الإبادة الثقافية و الجسدية عند اللزوم و عندما يكون ذلك ممكنًا … هذا لا يعني أن المخاطر التي ترافق هذه العملية ليست كبيرة و لا أقصد هنا مخاطرها على العلويين و الدروز و الأكراد و المسيحيين بل على العرب السنة أنفسهم تحديدًا "البيئة الحاضنة للجولاني" إن نجاح مقاومة القوميات و الطوائف المستهدفة كما حدث في السويداء و روجافا يحمل مخاطر كبيرة خاصةً أن حملة هذا المشروع أضعف من تحقيقه بدون ظروف إقليمية ودولية مواتية و حتى بدون مشاركة مباشرة من رعاة الجولاني ، خاصةً و أن هناك قوى إقليمية قوية تعارض هذا المشروع و تعمل على إسقاطه أو احتوائه في أسوأ الاحوال … إذا استثنينا الجانب الايديولوجي و الاجتماعي المتمثل في المجتمعات الريفية المحافظة و العشوائيات موطن البروليتاريا الرثة المتحالفة مع نخبة جبانة تكتفي بتمجيد جرائم الجولاني ، فإن شروط نجاح هذا المشروع ما تزال ضعيفة ، صحيح أن الجولاني توقف عن الذبح بالجملة كما فعل في الساحل و السويداء و استبدلها بالذبح بالمفرق لتجنب ردود الفعل العالمية الغاضبة و أن هذه المجازر تجري وسط صمت القوى المؤثرة و تشجيعها لكن هذا وضع مؤقت و لا يملك الجولاني و جهاديه و لا المثقفين الذين طالما حلموا بمشروع الإبادة هذا و حاولوا تذليل كل العقبات أمامه أية ضمانات و لا نقاط قوة يمكنهم استخدامها على المدى البعيد لتثبيت سيطرتهم على أنقاض و أشلاء أغلب السوريين بمن فيهم سنة المدن الكبرى … إذا استثنينا ترامب و أردوغان فلا يعتد بدول الخليج التي كشفت الأعمال الحربية الأخيرة هشاشة بنيانها و انكشاف داخلها عدا عن نظرتها الفوقية البدوية للعرب السنة من أتباع الجولاني ، شاهدنا في اليمن دورهم في إضعاف القوى المعادية للحوثي بتكريس انقسامها و منع توحيدها لتكتسب أية استقلالية حقيقية و الاعتماد على رشوة شيوخ القبائل و بعض رجال الدين بدلًا من مؤسسات قادرة قد تتمكن و تفكر في الاستقلال و تطوير قواها الذاتية … هذه أيضًا مصلحة أردوغانية صريحة للإبقاء على الجولاني و جماعته مجرد أداة خاضعة لسيطرتها و منفذة لأهدافها … القوة الوحيدة المستعدة لأسبابها الخاصة لتقوية الجولاني هي أوروبا و لو أن التكاذب المتبادل يبدو هو المسيطر هنا أيضًا … إذا استثنينا احتمال صعود قوى اجتماعية قادرة على تحشيد بقية أو غالبية السوريين حول مشروع عابر للقوميات و الطوائف معارض لمشروع الجولاني بالضرورة و تمكنها من استبدال مشاريع السيطرة و الإبادة الجولانية بمشروع حالة سياسية اجتماعية يضمن حقوق كل من يعيش في الشرق على أساس من الحرية و المساواة للجميع فالذي يواجه المجتمعات السنية العربية المحافظة الريفية و العشوائيات التي تشكل رأس حربة مشروع الجولاني هو حرب أهلية طويلة و المزيد من الدماء و الآلام و إذا تجاوزنا سخافة اعتبار تركيا حامية و مؤخرة مفترضة لجهاديي الجولاني فإن هذه المجتمعات محاصرة من كل الجهات من جماعات أصبحت شديدة العداء لها إذا استثنينا الحدود مع تركيا التي لا يمكن التعويل على استعدادها لفتح حدودها أمام المزيد من اللاجئين أو استعدادها للدفاع المباشر عن جماعة الجولاني في حال انقلبت الظروف الإقليمية والدولية التي تمنحه حصانة من المحاسبة أو دخلت في كسر عظم مع إسرائيل أو روسيا … دروس ما بدأت باحتجاجات تطالب بالحرية و العدالة للسوريين شارك فيها بنشاط كثير من الأقليات المهددة اليوم بالإبادة يشير إلى أن البديل الوحيد عن الجولاني و شبح الابادات الدموية و الحروب الأهلية الفتاكة أو أي "بديل" يحمل مخاطر مشابهة هو مشروع إنساني يتجاوز الحدود القومية و الدينية و الطائفية باتجاه تأسيس حالة اجتماعية سياسية تقوم على حرية و مساواة كل من يعيش على هذه الأرض
|
|
||||
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
نسخ
- Copy
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
اضافة موضوع جديد
|
اضافة خبر
|
|
|||
|
نسخة قابلة للطباعة
|
الحوار المتمدن
|
قواعد النشر
|
ابرز كتاب / كاتبات الحوار المتمدن
|
قواعد نظام التعليقات والتصويت في الحوار المتمدن |
|
|
||
| المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الحوار المتمدن ، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الحوار المتمدن اي تبعة قانونية من جراء نشرها | |||