|
|
غلق |
|
خيارات وادوات |
|
مواضيع أخرى للكاتب-ة
بحث :مواضيع ذات صلة: مازن كم الماز |
دولة الميليشيات
يقوم الاستبداد الشرقي بنمطه التاريخي على سلطة بيروقراطية مركزية تقوم بمهام حيوية جدًا لتأمين إدامة الإنتاج الزراعي الذي لا يمكن أن يستمر لولا مشاريع الري الكبرى حول أحواض الأنهار الكبيرة ، قد يصح هذا على نمط الدول العربية الحديثة ما بعد الاستقلال التي كانت تضطلع بمهام اجتماعية مهمة خاصةً بعد أن تبنت النخب الحاكمة في هذه الدول فكرًا و سياسات اقتصادية واجتماعية زاوجت بين رأسمالية الدولة و بين الاستبداد الشرقي بشكله المعروف تاريخيًا ، في هذا النمط كان خضوع المحكومين أو استسلامهم في مقابل حصولهم على خدمات اجتماعية مهمة توفرها تلك الأنظمة … لم تكن الحداثة اختيار واعي للنخب الحاكمة ، لقد ورثت مؤسسات حداثية تعتمد على التكنوقراط و حتى أشباه مؤسسات سياسية بدأت بالتشكل قبل انهيار السلطنة العثمانية و تكرس وجودها في فترة الاستعمار الغربي المباشر و قد سمح لها ذلك بقمع و التحكم بمجتمعاتها بدرجة عالية من الكفاءة رغم أنها لم تحاول يومًا و لم تهدف يومًا لإقامة دولة حديثة أبعد من تسخيرها لتحقيق أغراضها … انهيار هذا النمط في الصومال ثم العراق ثم سوريا و ليبيا و اليمن و السودان و لبنان تحت وطأة عجزها عن التأقلم مع عصر النيوليبرالية الضاغط في كل مكان الذي أدى إلى تخليها عن الجزء الأكبر من التزاماتها السابقة تجاه محكوميها و عودة أشكال تضامن و تنافس قبل دولتية … سنجد أن ما أخذ مكان تلك الانظمة او الدول هو سلطة ميليشيات قبلية عشائرية تتخذ أحيانًا كثيرة مظهر طائفي ( لبنان ، العراق ، سوريا ، اليمن ) تقوم على النهب المباشر بشكله العاري و الطفيلي بالنسبة لعملية الإنتاج ، إننا أمام دول ، إن صح تسميتها كذلك ، دول ميليشيات مع انهيار شبه كامل في الخدمات العامة التي كانت الدول أو الأنظمة السابقة تقدمها … في لبنان و العراق حتى توفير الكهرباء لعامة الناس أصبح مشكلة كبرى رغم كل الاستثمارات المزعومة على مدار عقود من الزمان … منذ جرى إحلال قادة الميليشيات مكان البرجوازية التقليدية في مركز النظام اللبناني بلغ الفساد درجات غير مسبوقة حتى بالمقاييس اللبنانية و حتى قوى زعمت تبنيها مكافحة الفساد كشعار لها مثل ميشيل عون و حزب الله تورطت في فساد قد يتجاوز أحيانًا فساد خصومها أو منافسيها … الصفة الأخرى المهمة في عملية الاستبدال هذه هو الانتماء الطبقي الاجتماعي للسلطة أو للنخبة الجديدة ، بدل التكنوقراط خاصةً العسكري الأمني نجد البروليتاريا الرثة على رأس النخب الجديدة ، في العراق و سوريا نجد السلطة الفعلية اليوم بيد أشخاص لا يمتلكون حدًا أدنى من التعليم و ربما يشعر هؤلاء بالحسد تجاه أمراء الحرب و امراء الميليشيات اللبنانيين الذين يتمتعون بقدرة و تدريب أكبر على الكذب و التلاعب بغرائز الجمهور بينما لا يقلون عنهم شراسة في نهب المال العام و نهب المجتمع … يترافق هذا مع انهيار عام في الثقافة التي تصبح رثة هي الأخرى و بدلًا من محاولة تلفيق سرديات و ابتداع حلول أو بدائل كتلك التي ناقشها عبد الرحمن الشهبندر و ساطع الحصري و قسطنطين زريق و ميشيل عفلق و حتى سيد قطب نجد خطابات تعرف سلفًا أنها مزيفة و بلا معنى و تفصل على مقاس جمهور يرغب بسماعها و يعرف الجميع أنها مخصصة فقط للاستهلاك و لإرضاء السادة الجدد و تطمين البروليتاريا الرثة و تهدئة مخاوفها و تنظيف ضميرها من أي شعور بالذنب ، مثلًا كل الكلام عن الإسلاموفوبيا و العنصرية و عن فلسطين و بقية هذا الهراء يعرف من يطلقه جيدًا أنه فارغ و يهدف فقط لطمأنة جمهور البروليتاريا الرثة المهاجر و يعرف الجميع أنه سيصبح بلا معنى ما أن يكف جمهور الغرب عن شرائه ، كل الكلام عن الديمقراطية و صناديق الانتخابات في العراق و لبنان هو مجرد هراء لحفظ ماء وجه نظام الميليشيات و إعادة توزيع الامتيازات و إدارة التنافس داخله ، في سوريا الجولاني لا يضطر هؤلاء لطرح و لمناقشة مثل هذه الاحتمالات أساسًا … نحن اليوم أمام دولة خلدونية تقوم على عصبية مختلقة و مبتدعة بهدف خلق صلة ما بين قادة الميليشيات و أفرادها ، قد يتوقع المرء أن ندخل مرحلة جديدة عندما تبلغ النخبة الجديدة درجة من الثراء تسمح لها بتجاوز النهب العاري المدمر لعملية الإنتاج كأسلوب ثراء وحيد لكن ما نراه في الصومال و العراق و لبنان لا يبشر بمثل هذا التطور حتى الآن على الأقل … دخول هذا الوضع مرحلة الإزمان سيعني تعفن لا يختلف كثيرًا عما عاشته مجتمعاتنا تحت حكم المماليك ثم العثمانيين و الفرق الوحيد هو أن الثقافة الرثة تحاول هذه المرة القيام بهجوم مضاد استباقي بمحاولة نقض أية مقاربة عقلانية أو علمية بجر العالم بأسره هذه المرة لمناقشة ابن تيمية بدلًا من داروين و الأساطير بدلًا من القوانين العلمية ، من يحتاج العلم في هذا العالم ؟ بكل تأكيد لا البروليتاريا الرثة و لا مثقفيها
|
|
||||
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
نسخ
- Copy
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
اضافة موضوع جديد
|
اضافة خبر
|
|
|||
|
نسخة قابلة للطباعة
|
الحوار المتمدن
|
قواعد النشر
|
ابرز كتاب / كاتبات الحوار المتمدن
|
قواعد نظام التعليقات والتصويت في الحوار المتمدن |
|
|
||
| المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الحوار المتمدن ، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الحوار المتمدن اي تبعة قانونية من جراء نشرها | |||