|
|
غلق |
|
خيارات وادوات |
|
مواضيع أخرى للكاتب-ة
بحث :مواضيع ذات صلة: مازن كم الماز |
الدول العربية السلطانية الحديثة
كتب و قيل الكثير عن الدولة العربية الحديثة ، عن نشوئها الاعتباطي نتيجة اتفاق سايكس بيكو ، عن وراثتها لدولة الاستعمار و عن ارتباطها بالخارج القوي أو عمالتها أو تبعيتها عند البعض ، و الأهم عن قمعيتها و استبدادها و فسادها و عجزها … كل ما قيل صحيح غالبًا لكن الغريب هو اعتبار دول الخليج على أنها غير مصابة بتلك الأمراض أو أنها نمط قائم بذاته في مواجهة الدولة العربية الحديثة … هناك بعض الحقيقة في هذا الوصف فالدولة العربية الحديثة تاريخيًا أسبق بكثير على دول الخليج مجتمعة ، تعود بدايات الدولة العربية الحديثة إلى حكم محمد علي في مصر و مشروعه لبناء دولة حديثة و حكم الولاة العثمانيين الإصلاحيين كمدحت باشا في العراق و سوريا و هو الذي أصبح أبو الدستور العثماني فيما بعد … مؤسسات الدولة الحديثة التكنوقراطية و آليات عملها و موظفيها الذين جاؤوا من تعليم دنيوي علمي بدأت في تلك الفترة و ترسخت في مؤسسات دولة الاستعمار ، شكل المجلس التأسيسي للملكة العراقية عام 1924 ليكتب دستور المملكة و تلاه انتخاب مجلس النواب العراقي 1925 ، في سوريا انتخبت الجمعية التأسيسية عام 1928 ثم مجلس البرلمان عام 1931 و سبقته المجالس التمثيلية في دول دمشق و حلب و اللاذقية رغم أنها كانت معينة من قبل السلطة يومها … أمًا كبار ضباط الجيش و كبار الموظفين في الفترة الأخيرة من الحكم العثماني في العراق و المرحلة الأولى من تاريخ المملكة العراقية و حتى المرحلة الأولى من حكم آل سعود تخرجوا من المدرسة الرشيدية التي أقامها مدحت باشا في بغداد عام 1869 ، خريجو مدارس مشابهة في سوريا و مدارس الإرساليات التبشيرية في سوريا و لبنان قاموا بنفس الدور في سوريا و لبنان ؛ الخ الخ … سترث دول ما بعد الاستقلال دولة الاستعمار بحضور مركزي للتكنوقراط و شكل دولة حديثة و لو أن مركز السلطة انتقل فعليًا إلى الجيش الذي أخضع الدولة لمصالحه … في مواجهة دول ما بعد الاستقلال هذه التي استمرت بالعمل وفق شكل الدولة الحديثة كانت هناك دول الخليج التي سنصفها من الآن بدول سلطانية حديثة ، سلطانية لأنها ما زالت بشكل من الأشكال نتاج المجتمع القبلي العشائري الذي خرجت منه حيث كانت في الواقع استمرار لمشيخات الخليج من المحميات البريطانية السابقة سواء مباشرةً أو بشكل غير مباشر ( السعودية ) … هي اليوم أنظمة سوبر حداثية إذا أخذنا بالمظاهر لكن هذا فقط نتيجة وفرة البترودولار ، أمًا في الجوهر فهي أنظمة سلطانية لا تختلف في بنيتها و مصدر شرعيتها عن أقدم الأنظمة السلطانية في تاريخنا … في فترة الحرب العربية الباردة انقسمت الأنظمة العربية بين "تقدمية" و "رجعية" على أي أساس جرى ذلك الانقسام ؟ على أساس تعريف جماعة المحكومين ، عرفت الأنظمة التي سميت بالتقدمية محكوميها على أنهم عرب ، جماعة من العرب ، و بالتالي يجب أن يحكمهم و لو بالحديد و النار قوميون عرب يسعون إلى طرد الاستعمار و توحيد الأقطار العربية و إعادة الأمجاد العربية الامبراطورية الغابرة ، في مواجهتهم زعمت الأنظمة العربية السلطانية أن محكوميها هم جماعة من المسلمين و بالتالي يجب حكمهم من قبل أنظمة ، لا أجد من المنطقي إطلاق صفة نخب عليها ، أنظمة سلطانية تستمد مشروعيتها من ذات مشروعية الأنظمة السلطانية الغابرة … لم تكن الأنظمة السلطانية الحديثة قادرة على إنتاج إيديولوجية خاصة بها أو تطوير إيديولوجية الأنظمة السلطانية الغابرة لتناسب عصرنا فاعتمدت على العناصر المحافظة الساخطة من حكم الدولة العربية الحديثة العقلاني في الشكل و القومي في المضمون كسيد قطب مثلًا … في الحقيقة إذا استثنينا البترودولار لا يوجد ما هو استثنائي في الأنظمة السلطانية الحديثة العربية ، بينما تحطمت الدولة العربية الحديثة تحت وطأة أزماتها تمكنت الأنظمة السلطانية من البقاء بشكل لا يقل زيفًا فقط بفضل البترودولار ، في اللحظة التي سيتوقف فيها البترودولار ستكف هذه الأنظمة عن الوجود … في الحقيقة نجد في هذه الأنظمة كل أزمات الدولة العربية الحديثة في أقصى تطرف ممكن أو في أسوا شكل ، إذا كانت دول الشرق العربي ظهرت نتيجة مباشرة لاتفاق سايكس بيكو و إذا كانت الدول العربية الحديثة قد فشلت من التخلص من التبعية للنظام الرأسمالي العالمي فان ارتباط الدول السلطانية الحديثة بهذا النظام و تبعيتها المباشرة له فاقعة اكثر بكثير ، و إذا كان غياب الديمقراطية أو لنكون أقل ايديولوجية تغول الدولة على المجتمع هو أحد مظاهر أزمات الدولة العربية الحديثة فهذا الغياب أشد و أوضح و أكثر قسوة في حالة الدول العربية السلطانية … في الحقيقة ما جرى طوال الحرب العربية الباردة و حتى اليوم هو محاولة الدول السلطانية الحديثة إسقاط الدول العربية الحديثة لصالح قيام أنظمة سلطانية بهدف تكريس شرعيتها و إسقاط أي بديل أو منافس ممكن داخلي أو خارجي ، هذا ما جرى في سوريا و بوعي و قصد كاملين : استبدال الدولة العربية الحديثة في دمشق بدولة سلطانية بفضل التدخل الخليجي المباشر في الاحتجاجات السورية طبعًا مع فارق وحيد و مهم هو غياب البترودولار في الحالة السورية الذي سيعني حاجة الدولة السلطانية السورية لحشد دعم عربي سني على الأقل في المجتمعات المحافظة كبديل عن إمكانية شراء شعب ثم شراء صمت هذا الشعب في حالة الدول السلطانية الحديثة … إن مواجهة التحديث الفكري و السياسي و نقضهما مسألة حياة أو موت بالنسبة للأنظمة العربية السلطانية الحديثة ، تبذل هذه الأنظمة أموالًا طائلة أكثر حتى مما تنفقه على الدفاع و القمع لمهاجمة الفكر السياسي الحديث الذي ينزع شرعيتها السلطانية … يفرض السلطانيون العرب على العالم في عصر الذكاء الاصطناعي العودة إلى ابن تيمية و جعفر الصادق و يفرضون عليه و علينا نقاش أو جدال الحجاب و النقاب و ختان الإناث و هيمنة الذكور أو العائلة الذكورية الخ الخ … ليس الفكر السياسي الحديث بلا إشكاليات أو أزمات و لا أقصد هنا أنظمة ترامب و ماكرون بل الفكر السياسي و المخيال الإنساني فيما يتعلق بحاضر و مستقبل البشر لكن أتفه محاولة لحل تلك الأزمات هي بالعودة إلى الأجوبة الغبية لعصر طفولة البشرية التي أنتجت فكرة الحق الإلهي للحكام و حاولت تعويض بؤس العبيد بحوريات الجنة و أنهار العسل و الخمر فيها المخصصة للسلاطين وحدهم على هذه الأرض في الدول السلطانية
|
|
||||
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
نسخ
- Copy
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
اضافة موضوع جديد
|
اضافة خبر
|
|
|||
|
نسخة قابلة للطباعة
|
الحوار المتمدن
|
قواعد النشر
|
ابرز كتاب / كاتبات الحوار المتمدن
|
قواعد نظام التعليقات والتصويت في الحوار المتمدن |
|
|
||
| المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الحوار المتمدن ، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الحوار المتمدن اي تبعة قانونية من جراء نشرها | |||