وصفة خلاص العرب - اسمها محمد 13 -


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6791 - 2021 / 1 / 18 - 23:39
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

يسألني كيف نرجع؟
قلتُ له ما تقصد؟ نرجع إلى بلاد ولدنا فيها…

-لا.. أقصد ترجعون كأمة تتحدث العربيّة في قلب التاريخ.. لا تضطرون للهجرة كي تحيوا..
ألّا تهربوا من مكان لا تستطيعون أن تنطقوا فيه كلمة حق أمام سلطان جائر..
أن ترجعوا يعني يا عزيزتي أن تقتربوا من الفضاء الافتراضي في الواقع..
أن تحرروا المرأة.. أن تحولوها من عار وعريّ إلى نصف مجتمع يلد النصف الآخر، ويعلمه الحياة…


-وتسألني باعتباري عربيّة وأنت لست عربي؟

-أنا لم أكن يوماً عربياً.. أنا كردي وأفخر بذلك، لكن تعز عليّ تلك البلدان، كما تعز عليّ قضيتنا كأكراد.. لماذا لا تعود تلك الأوطان لمكانتها؟

-وأنت تحمل هم كل القضايا يا عزيزي؟
سألتَ والسؤال خطأ:
مكانة أخذها العرب يوماً بحد السيف لا يجب أن تحتذى.. ولا أن تعود، بل أن (تفلتر).. بالعربي تُصَّفى، فَنُخرجُ منها ماتيسر من علم، أدب، جمال وسليمِ دين..
ونعتذر كأمة عن سلب ونهب.. استعمار وإجبار لناس كثيرين…

-تريدين للعرب أن يعتذروا؟ هل سمعت في عمرك عن عربي اعتذر؟

-أحاول أن أجاوبك.. اسمعني قليلاً فسؤالك مهم..

أن نرجع يعني أن نبدأ بالتاريخ.. و نخضعه لحكم العقل في معرفة التزوير…

أن نرجع يعني أن نعرف تماماً أن بلاداً يحكمها الملوك.. و تدوس على عقولها الحواشي.. لن تتفوق إلّا في عمل (المحاشي)…

أن نعرف أنّ بيوت الله هي بيوت العلم من المدارس والجامعات.. وأنّ أخلص العبادات هي العمل الجاد..

أن نحترم الناس لجهدهم وعملهم، لا نرفع الكسالى، و نُشيطن المختلفين…

أن نحرر المرأة بأن نمنع فكر الختان بالمعنى الحرفي والكناية.. أن نلغي وصاية الذكور.. عندها سيصبح تقرير اللباس حقاً مشروع…

سنرجع عندما نعرف أن العلاقة مع الله علاقة شخصيّة.. ولا يحق لأيّ إنسان أيّاً كان أن يُكَّفِّر هذا ويؤله ذاك…
عندما نعرف بأن القضيّة سياسيّة مهما حاول السذج إلباسها لباساً يهوديّاً أو إسلاميّاً…
وأن نساوي بين ملوك جميع البلدان التي يغادرها أولادها لطلب الحياة، فيقدم جميعهم استقالاتهم كصكوك اعتذار…
أن نرجع كأمة سلام وعلم مهمة في كلها مستحيلة.. لكن إذا ما قسمتها لمهمات صغيرة، تدخل حيز الممكن في زمن العولمة…


-عليا لماذا لا تترشحي لرئاسة العرب؟ في كلامك وجعهم وحلولهم.. أن أرجلُ من أي رجل…

-وهذه معضلة أخرى .. من قال إن الحكم يجب أن يكون للرجال.. هم فشلوا بالمطلق والعالم إلى خراب.. أقول دائماً لن تحلَّ إلا بحكم النساء…

-قبلتِ الترشح إذاً؟

-يا صديقي: السياسة والأدب لا يلتقيان.. وإن التقيا -لمعجزة ما- مات صدق الراوي.
***********


عندما تسير في عراقنا اليوم، يحصدك الوجع.. الأطفال المشردون يملأون الطرقات.. الشباب العاطل عن العمل لا يجد ما يتحكم به إلا السخافات، كالتحكم بالنساء.. و تحويل القضايا المصيرية إلى ثرثرة لباس ومعضلات فرائض…
الجوع يحكم ليالي البسطاء في بلاد النفط الجميلة…
خسر العراقيون السياحة كمجال رائع لزيادة الدخل.. الناس خائفة من اللجوء للعراق بسبب عدم الأمان.. وهذا لا يعني فقط حكم التطرف الإسلامي لمناطق كثيرة، بل هو تشويه شكل المكان.. بسيطرة السخف والقشور..

وهبة التي حاولت جاهدة أن تساعد الجميع، تتخفى في لباس رجل لتستطيع التحرك بسهولة.. تمشي كل يوم مع عمار في شوارع بغداد الجميلة دون أن تقتنصها غرائز المتحرشين ومدعي الدين…

في أمسيّة خريفية جميلة قال لها عمار:
- تبدين كرجل نحيل.. لماذا لا تضعين النقاب؟ هكذا لا تُعرَفين…

- أجننتَ أضع ما أعتقده جزءاً لا يتجزأ من فشلنا…

- قطعة قماش يا هبة.. وقضايانا مصيرية…

- فكر النقاب.. الأيديولوجية وراء تسليم المرأة، وجعلها لا تعرف جزء أساس من خسارتنا للسياحة.. لنصف المجتمع.. من تحويل كثير من شبابنا إلى متحرشين.. النقاب مثل العريّ تماماً من ناحية تسليع المرأة.. لكن فوق ذلك يفرض السيطرة الذكورية على أمهاتنا وأخواتنا ويحولها لتابعات.. فيلحقه الختان.. الاستعباد.. الظلم.. و ما تتوقع من أم في لاوعيها تترسخ مفاهيم تبعيتها؟ أيّ جيل من الذكور والحريم ستربيّ هذه الأم؟ أفضل لي ألف مرة أن أتنكر بزي رجل على أن أضع النقاب…

أمسك عمار يد هبة.. وقبلها.. وفي تلك اللحظة هجم عليهما شبح رجل.. ببدلة شرطي.. قال لهما:
-أهلاً بالشذوذ كله.. وتقبل يده هكذا.. في منتصف الشارع.. يا عار الدول الإسلامية…

اقترب (الشرطيّ) ببطء فيما عمّار وهبة تحت مظلة الدهشة.. والدهشة تنتهي بضحكة في جميع بقاع العالم إلا في بلاد العرب!


يتبع…