أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - عن أفغانستان، والإمبراطورية، وفقدان الذاكرة الأمريكي في الذكرى ال25 للغزو بقلم: د. ليلى كريستين نادر















المزيد.....



عن أفغانستان، والإمبراطورية، وفقدان الذاكرة الأمريكي في الذكرى ال25 للغزو بقلم: د. ليلى كريستين نادر


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 15:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة المترجم العربي

كيف تحافظ الإمبراطورية على صورتها البريئة، بينما تترك سياساتها آثارًا عميقة في حياة الآخرين؟ تنطلق ليلى كريستين نادر من هذا السؤال في مقالها بعنوان " في كل مكان ولا مكان في آن واحد" ، لتفكك آليات الإمبراطورية الأمريكية في التعامل مع أفغانستان.

لا تكتفي الكاتبة بالسرد التاريخي والذاتي، بل تبني تحليلها على حوار بين مرجعيتين نقديتين: المفكرة والروائية توني موريسون في كتابها الرقص في الظلام، الصادر عام 1992، والمفكر إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، الصادر عام 1978.

يشكل الربط بين أفكار موريسون وسعيد أساسًا لفهم ما تسميه نادر نسيان الإمبراطورية، أو Imperial Amnesia: كيف توظف السياسة الخارجية الأمريكية الثقافة والذاكرة للحفاظ على صورتها بوصفها قوة بريئة أخلاقيًا، وحجب مسؤوليتها عن آثار تدخلاتها.

في قلب هذا التقاطع فكرة أساسية: الإمبراطوريات لا تُبنى بالأسلحة والميزانيات وحدها، بل أيضًا بهندسة الوعي وصياغة النصوص. ففي هذه العملية، يُعاد تشكيل الآخر باستمرار ليخدم الصورة التي تصنعها الذات عن نفسها.

توضح موريسون كيف استخدم الأدب الأمريكي الأبيض السواد بوصفه استعارة رمزية لبناء الهوية البيضاء. فالحرية والبراءة والسيادة التي نسبها الأبيض إلى ذاته ارتبطت، في تحليلها، باختراع آخر أسود يُوسم بالعبودية والعجز، ثم يُطمس تاريخه ويُهمَّش حضوره الفعلي. ومن هنا، يصبح النظر إلى ما يغيب عن السرد مهمًا بقدر النظر إلى ما يظهر فيه.

عند إدوارد سعيد: الاستشراق والأرشيف المطواع

يكشف إدوارد سعيد كيف أنتج الاستعمار الغربي معرفة استشراقية تُقدّم الشرق بوصفه أدنى وبدائياً وثابتاً بلا تاريخ. لم تكن هذه الصورة مجرد وصف للآخر، بل أداة لتبرير هيمنة غرب يصوّر نفسه باعتباره عقلانياً وتنويرياً.

تنطلق نادر من هذا التصور، فتجمع بين مفهوم موريسون النفسي والعرقي عن البراءة المصنّعة عبر النسيان وأطروحة سعيد الجيوسياسية، لتقرأ السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أفغانستان. في قراءتها، يصبح الأفغان تجسيداً متجدداً للآخر: صورة أُعيد تشكيلها وتطويعها على مدى أربعة عقود لتلبية حاجات الإمبراطورية الأمريكية النفسية والسياسية.

وتوضح الكاتبة كيف أعادت السياسة الأمريكية إنتاج النمط الذي شرحته موريسون وسعيد عبر ثلاث مراحل تاريخية. ففي كل مرحلة، تغيّرت صورة الأفغاني في المخيال الأمريكي، بينما ظل الهدف ثابتاً: الحفاظ على صورة أمريكا بوصفها منارة ناصعة للحرية.

مرحلة التحديث: من الخمسينيات إلى السبعينيات
ظهر الأفغاني بوصفه بدائياً يحتاج إلى التقنية الأمريكية لبناء السدود وتحقيق التنمية. هنا اتخذ الاستشراق طابعاً تنموياً، يضع أمريكا في موقع الخبير والمنقذ، وأفغانستان في موقع المتلقي المحتاج.

مرحلة الثمانينيات
تحوّل الأفغاني إلى مقاتل من أجل الحرية، تُستدعى في تصويره ملامح الآباء المؤسسين الأمريكيين. وأتاحت هذه الصورة لأمريكا استعادة إحساسها بالبراءة بعد حرب فيتنام، عبر تقديم دعمها للأفغان باعتباره دفاعاً عن الحرية.

مرحلة ما بعد 11 سبتمبر
أُعيد رسم الأفغاني بوصفه إرهابياً قروسطياً يكره الحريات الأمريكية. وبذلك أصبحت الصورة الجديدة أداة لتبرير الغزو، مع الإبقاء على أمريكا في دور المدافع عن الحرية.

بهذا المعنى، لا تتغير صورة الأفغاني وفقاً لتحولات واقعه وحدها، بل تُطوَّع أيضاً بحسب ما تحتاج إليه أمريكا لتفسير سياساتها والحفاظ على صورتها عن نفسها.

الخمسينيات والسبعينيات (الاستشراق التنموي):

صُوِّر الأفغان بوصفهم بدائيين يعيشون في أرض بلا تاريخ، ليبدو التمدد الأمريكي عبر المساعدات ومشروعات البنية التحتية عملاً نبيلاً، يمنح الإمبراطورية قناع الخيرية التكنوقراطية.

الثمانينيات (استعادة البراءة الإمبراطورية):

بعد الهزيمة في فيتنام وانكشاف فضائح جرائم الحرب، احتاجت أمريكا إلى صورة أخلاقية جديدة. فأُعيد تقديم المجاهدين بوصفهم رعاة بقر ومقاتلي حرية يشبهون الآباء المؤسسين لأمريكا. وتماهت السردية الهوليوودية مع السياسة الخارجية، لتظهر أمريكا في دور المنقذ النبيل الذي يمدّ الضعفاء بالسلاح.

ما بعد 11 سبتمبر (صناعة الإرهابي وتغييب التاريخ):

تحوّل مقاتل الحرية فجأة إلى إرهابي يكره الحريات. وهنا تتجلى أطروحة موريسون بوضوح: كان الرد الأمريكي على سؤال لماذا يكرهوننا؟ هو لأنهم يكرهون حرياتنا. تُعفي هذه الصياغة الإمبراطورية من التأمل في ذاتها أو مراجعة خمسين عاماً من التدخل المسلح، وتتيح لها ادعاء البراءة الأخلاقية بإسقاط الشر كله على الآخر.
تضيف نادر بُعداً نقدياً مهماً، مستلهماً من كتابات المؤرخ دانيال إيميروار، وتربطه بأفكار إدوارد سعيد:
تختلف الإمبراطورية الأمريكية عن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية في أنها تُخفي طابعها الإمبراطوري وتمحو امتداداته من الخرائط الرمزية. ففي حين تباهى البريطانيون والفرنسيون بأرشيفاتهم الاستعمارية، تعتمد أمريكا على النسيان البنيوي بوصفه جزءاً من تعريف حدودها الوطنية.

وهذا ما يفسّر المفارقة الصارخة التي يطرحها المقال بين حضور أفغانستان الطاغي في الواقع الأمريكي وغيابها شبه الكامل عن الوعي الجمعي. فهي حاضرة في ميزانيات البنتاغون، بتكلفة تبلغ ثمانية تريليونات دولار، وفي عسكرة الشرطة المحلية عبر مركبات MRAP، وفي الثقافة الشعبية، مثل آيرون مان وكول أوف ديوتي، فضلاً عن الطب العسكري وعلاج الصدمات. وفي المقابل، يغيب الصوت الأفغاني بوصفه صوتاً خبيراً أو محلّلاً، ويُتعامل مع الغزو والانسحاب كأنهما حدثان وقعا في فراغ، بلا مقدمات ولا تبعات.

وتستعير نادر من المفكرة آن لورا ستولر مفهوم الحبسة الكلامية الاستعمارية (Colonial Aphasia)، للتعبير عن العجز الممنهج عن إيجاد المفردات المناسبة لفهم الماضي.

ومن خلال الجمع بين أفكار موريسون وسعيد، تخلص نادر إلى أن النسيان ليس خطأً عفوياً أو مجرد إهمال، بل هو عملية نشطة لبناء السلطة؛ إذ يغدو ضرورياً كي تظل أمريكا بريئة في نظر نفسها. ومن هنا، تكتسب المذكرات والشهادات الأفغانية، التي تدعو الكاتبة إلى إفساح المجال لها، بُعداً نضالياً؛ فمنح الأفغان الإذن بالسرد، بتعبير سعيد، واستعادة الذاكرة التاريخية يسهمان في تفكيك البنية الأخلاقية للإمبراطورية.

تكمن القوة التحليلية لمقال ليلى كريستين نادر في نجاحه في تطوير إطار للنقد الثقافي والسياسي يربط بين نقد العنصرية الداخلية لدى موريسون ونقد الهيمنة الجيوسياسية الخارجية لدى سعيد. وتبيّن نادر أن الهيمنة على الأفغان في الخارج والتمسك بالبراءة الأخلاقية في الداخل وجهان لعملة واحدة: النسيان الإمبراطوري الذي يمحو التاريخ ليضمن استمرار الأسطورة.




في كل مكان ولا مكان في آن واحد

عن أفغانستان، والإمبراطورية، وفقدان الذاكرة الأمريكي في الذكرى الـ25 للغزو

بقلم: د. ليلى كريستين نادر

ترجمة إلى الفارسية: علي محمد طباطبائي
ترجمة من الفارسية إلى العربية: حميد كوره جي

نُشر في مجلة "لوس أنجلوس ريفيو أوف بووكس" - 9 أكتوبر 2026

مقدمة المترجم الفارسي

مرت خمسة وعشرون عاماً منذ أن شنّت الولايات المتحدة هجومها على أفغانستان في 7 أكتوبر 2001، بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر. واليوم يظل السؤال الملحّ قائماً: كيف يمكن لسردية تاريخية ضخمة أعدتها قوة عظمى أن تُمحى بإصرار من الذاكرة الجمعية؟

تأخذنا الكاتبة والمحررة ليلى كريستين نادر في مقالها—وهو الجزء الأول من سلسلة جديدة نُشرت في مجلة *"لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس"*—إلى إماطة اللثام عن إحدى أعمق الحقائق المسكوت عنها في التاريخ الأمريكي المعاصر: الحضور الشامل لأفغانستان في تفاصيل الحياة اليومية للأمريكيين، مقابل الإنكار الممنهج لهذا الحضور في الوعي الجمعي.

تطلق الكاتبة على هذا التناقض اسم "نسيان الإمبراطورية"؛ وهي ظاهرة تكون فيها الدولة حاضرة في كل مكان ولا مكان في آن واحد—حاضرة في ميزانيات الكونغرس، وأفلام هوليوود، وألعاب الفيديو، ومعدات الشرطة المحلية، وفي النفوس المثقلة بجراح الآلاف من المحاربين القدامى—لكنها غائبة كلياً عن أي اعتراف بشري تاريخي ورسمي.

تستند نادر إلى ذكرياتها الشخصية: من طفولتها بين الجالية الأفغانية المهاجرة في نيويورك، إلى والدها الذي ساهم كـ"مجاهد" في تقديم السردية الأفغانية لوسائل الإعلام الأمريكية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى حياتها في حي يسكنه محاربون قدامى يعانون من اضطراب صدمة الحرب ومدير تنفيذي في صناعة الأسلحة. تتخذ الكاتبة من هذه المشاهد مدخلاً لاستكشاف طبيعة الذاكرة والسلطة وصياغة السرديات.

وبالاستعانة بأفكار جيمس بالدوين، وتوني موريسون، وإدوارد سعيد، توضح نادر كيف تضطر أمريكا للتغاضي والنسيان ببطء لترسيخ شعورها بالبراءة. هذا النسيان ليس مجرد إهمال عابر، بل هو بناء نشط للسلطة يُعاد من خلاله تشكيل الأفغان باستمرار بحسب الحاجة: فتارة هم "مقاتلون من أجل الحرية"، وتارة "إرهابيون قروسطيون"، واليوم "مهاجرون يفرون من الجحيم".

إن ما كُتب هنا هو دعوة لمقاومة هذا النسيان عبر السرد والذاكرة والتفكير الجمعي المشترك. تعلن نادر عن إطلاق عمودها الجديد في "لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس"، حيث ينقب كُتّاب وباحثون من أصل أفغاني عن الآثار الباهتة لأفغانستان في التاريخ والثقافة الأمريكية، في مواجهة محاولات طمس الذاكرة التاريخية. وفي الخاتمة، وتأثراً بمشهد السجاد الأفغاني الممتد على العشب والشاي المشروب بكثرة، تدعو القراء للمشاركة والجلوس معاً في هذا المساحة الفكرية المشتركة.

يمثل هذا المقال الجزء الأول من ملف بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للغزو الأمريكي لأفغانستان. وتضم المجموعة—التي نسقتها ليلى كريستين نادر—مشاركات من كُتّاب وفنانين وباحثين أفغان يفككون خلفيات وعواقب "الحرب العالمية على الإرهاب"، ويلقون الضوء على قرن من الحروب الإمبراطورية الأمريكية في أفغانستان—وهو التاريخ الذي سعت الثقافة الأمريكية لتطهير ذاكرتها منه.
.............................................................................................................


"إن أولئك الذين يغلقون أعينهم عن الواقع يدعون ببساطة إلى دمار أنفسهم. ومن يصرّ على التمسك بحالة العصمة والبراءة بعد موت البراءة نفسها، إنما يحول نفسه إلى وحش."
جيمس بالدوين، "غريب في القرية" (1953)

الذكرى والظلال

كان من المفترض أن تكون أفغانستان حرباً منتصرة. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كنا نقف في الجانب المحق؛ فقد كان الرئيس رونالد ريغان يعتقد أن نضال الأفغان ضد الاحتلال السوفيتي يمثل "أسمى صور السعي الإنساني نحو الحرية". كان يصف "المجاهدين" بأنهم "مقاتلون من أجل الحرية"، بل إنه أعلن من على عشب البيت الأبيض أنهم "المعادل الأخلاقي للآباء المؤسسين لأمريكا".

حتى الإعلامي دان راذر في برنامج الأخبار الليلي على شبكة CBS كان يتابع القصة ويغطي المعارك الأخيرة بين المجاهدين والشيوعيين، مدفوعاً بالقناعة ذاتها: على أمريكا أن ترسل المزيد من الأسلحة لهؤلاء المقاتلين المتقدمين في حربهم. فكيف إذن، وبعد كل هذا، لم ينتصروا؟

في ثمانينيات القرن الماضي، كنت أعيش في منطقة ريفية بولاية نيويورك بين مجتمع كبير من المهاجرين الأفغان الجدد. كان يبدو للجميع حينها أن السلام سيعود قريباً إلى أفغانستان. ومع انقضاء كل عام واستمرار الحرب، كان الجميع يقولون: "العام القادم". فكم يمكن لحرب صغيرة كهذه أن تكلف؟ وكم من الوقت يستمر القتل؟

وفي انتظار انتهاء تلك الركود المؤقت للحرب، كانت عطلة نهاية الأسبوع فرصة للالتقاء. وفي أيام السبت، كنت أجد نفسي في شاحنة الفولكس فاجن الخاصة بعائلتنا متسلقين الطريق السريع (I-90)، حاملين على ركبنا أجزاءً من أفغانستان ملفوفة بإحكام: أطباقاً مغلفة بورق الألمنيوم، وأكياس خبز، ومقالي الأرز (البلوف)، وعلب الزبادي بالثوم. وعندما نصل إلى موقع الحفل المتحرك، كان الشيوخ يفرشون السجاد الأفغاني على العشب الواسع، ويشغلون مسجلات الصوت القديمة، ويشربون الشاي بكثرة، لينسوا المنفى ولو ليوم واحد. وكان والدي كعادته يكرر: *"سنعود يوماً إلى أفغانستان... أجمل مكان في العالم"*.

اليوم، وبعد مرور 40 عاماً على تلك الأيام—و25 عاماً على الغزو الأمريكي لأفغانستان في 7 أكتوبر 2001 عقب أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر—ما زالت ضربات تاريخ "الحرب على الإرهاب" تتداعى في ذهني.

تتداخل كلمات ريغان عن "مقاتلي الحرية" مع صور وكالة المخابرات المركزية والمخابرات الباكستانية وهي تهرب الأموال والأجهزة لأكثر الجماعات الدينية تطرفاً. وتتحول صورة دان راذر وهو يطالب عبر شاشة *CBS* بإرسال المزيد من السلاح للمجاهدين إلى صور البنتاغون والأبراج التوأم وهي تحترق. في عقلي، تنزلق مشاهد التلفزيون الخشبي القديم لأسرتي في الثمانينيات لتصبح هي ذاتها الشاشات الحديثة للهواتف والحواسيب التي أقرأ عبرها اليوم الأخبار الأخيرة عن الكوارث الإنسانية المتلاحقة في أفغانستان.

"أجمل مكان في العالم"—الذي كان يوماً زاخراً بالأطعمة والحدائق العتيقة وأنظمة الري، ويصدّر البطيخ والمشمش والرمان والتين والعنب إلى كافة دول الخليج العربي—أصبح أهله اليوم عاجزين عن إطعام أنفسهم. أقرأ اليوم عن سوء تغذية الأطفال، وعن الفصل العنصري بحق النساء، والعقوبات الدولية، والعزلة الجيوسياسية، وانهيار المنظومة الصحية، والألغام غير المنفجرة التي زرعها الاتحاد السوفيتي وما زالت مزروعة في الأرض. أقرأ كيف دمرت الحرب الغابات والبيئة، وكيف تفاقم التغيرات المناخية من حجم المصيبة، في الوقت الذي يُطرد فيه ملايين اللاجئين بالقوة من إيران وباكستان ليعودوا إلى أنقاض إمبراطورية متهدمة. أقرأ كل ذلك... وأكتب.

ربما لا يكون مفاجئاً أنني أصبحت اليوم كاتبة مذكرات؛ فهذا الخيار ليس مجرد ترف أدبي، بل هو ضرورة لوجودي كأفغانية. إن كُتّاب المذكرات يستخدمون أجسادهم وذكرياتهم لمقاومة التلاشي والإلغاء الذي تفرضه القوى الأكبر. نحن نحفر لنستخرج التفاصيل التي تم تجاهلها وإسكاتها وقمعها، التفاصيل التي تأتي من الخلفية المهملة لنعيد التفكير في الماضي، ونفكك البديهيات التي تفرضها القوى التي تشكل العالم.

أحاول جمع أجزاء القصة المفقودة وإعادة بناء منطقها تسلسلياً، كي لا تمحى الحقائق أو تُختزل الأحداث على يد من يملكون سلطة صياغة السرديات، ليصوروها كأنها نتائج عشوائية لا أصل لها—تماماً كما صوروا اختطاف الطائرات في 11 سبتمبر. ففي خطابه للأمة ليلة ذلك الثلاثاء من عام 2001، حاد جورج دبليو بوش بالأمريكيين عن التأمل الذاتي قائلاً بأسلوبه السردي: *"لقد استُهدفت أمريكا لأننا نُمثل أسطع منارة للحرية والفرص في العالم"*.

إن موضوع كتابة المذكرات غالباً ما يرتبط بمراجعة النسيان العائلي، لكنه بالنسبة لي يرتبط أيضاً بالنسيان الأمريكي للتدخل في أفغانستان. إن حياة الأفغان هي التجسيد الحي للتاريخ الذي يكاد يُمحى من الثقافة الأمريكية، ولهذا السبب تبدو الحياة في الولايات المتحدة سريالية بالنسبة لي؛ حيث أرى الحضور المستمر لأفغانستان والارتدادات المتواصلة للسياسة الخارجية الأمريكية في كل مكان، بينما يتم دفع هذا الوعي باستمرار خارج الذاكرة الثقافية... وكأن شيئاً لم يكن.

هندسة النسيان قبل 11 سبتمبر

صوّر الإعلام والسياسيون الأمريكيون أحداث 11 سبتمبر كصدمة جاءت من العدم؛ هجوم بلا معنى ولا جذور تاريخية. وهكذا أُطِّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر باعتبارها نقطة الصفر أو الشرارة المحفزة لتاريخ جديد، وواقع جديد، وحرب جديدة. وفي الذكرى الخامسة والشرين لشهر سبتمبر الماضي، أُعيد إنتاج هذه السردية مجدداً؛ حتى إن أصواتاً تقدمية—يُفترض أنها ناقدة للإمبراطورية الأمريكية—وقعت في فخ تكرار السردية ذاتها، والتي تزعم أن 11 سبتمبر كانت نقطة التحول الوحيدة.

لكن الحقيقة الدقيقة هي أنه قبل أن تصطدم الطائرات بالأبراج التوأم والبنتاغون وسقوطها في حقل بنسلفانيا، وقبل أن يشن بوش هجومه على أفغانستان بأسابيع، كانت الولايات المتحدة متورطة بالفعل في حرب داخل أفغانستان لما يقرب من 50 عاماً.

بدأت القصة في خمسينيات القرن الماضي—بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية—عندما كان والدي مجرد صبي في كابل. تحولت أفغانستان حينها إلى ما أطلقت عليه وكالة المخابرات المركزية (CIA) "ساحة معركة اقتصادية" بين موسكو وواشنطن. تنافس القطبان على بناء المصانع، والسدود، الطرق السريعة، خطوط الهاتف والتلغراف، والمطارات، وأنابيب النفط والغاز لتحديث البلاد.

ولأن كل هذه البنية التحتية كانت تتطلب مهندسين ومديرين، افتتح الأمريكيون والسوفييت مؤسسات وكليات تعليمية. وهكذا خرج والدي—وهو الابن الأكبر لأسرة فقيرة—من شوارع كابل ليُساق نحو التعليم الأمريكي؛ فتلقى تعليمه باللغة الإنجليزية على يد معلمين أمريكيين في المعهد التكنولوجي الأفغاني بكابل ثم في جامعة كابل.

وبفضل منحة دراسية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، سافر إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمه العالي، حيث التقى بأمي الأمريكية الكاثوليكية في كلية بولاية نيويورك. وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في عام 1975، ولدتُ أنا. إن وجودي بأكمله يدين لميزانيات الإمبراطورية التي جمعت بين فتاة كاثوليكية من أصل سلوفاكي في بينغامتون بنيويورك، ورجل مسلم من كابل، ليشتعل بينهما حب غير متوقع.

كان الأمر يبدو في ظاهره كعمل خيري كريم؛ حيث تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لمساعدة دولة فقيرة. وصعد والدي في سلم الطبقة التكنوقراطية الناشئة في أفغانستان، والتي كانت تُغذى من ميزانيات الحرب الباردة. لكن مفهوم "المساعدات التنموية" بأكمله منذ الحرب العالمية الثانية لم يكن سوى شكل آخر من أشكال الاستعمار؛ فقد كانت هذه المساعدات بالأساس غزوًا اقتصاديًا وحربًا أيديولوجية للفوز بـ "عقول وأرواح الأفغان".

كان أي خطأ في هذه "الساحة الاقتصادية" كفيلاً بخلل التوازن الدقيق الذي حافظ عليه القادة الأفغان بين موسكو وواشنطن—وهو التوازن الذي أكسب أفغانستان احتراماً عالمياً ومثّله رئيس الوزراء الأفغاني عندما ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966. لكن هذا التوازن انهار تماماً عندما بدأ الاتحاد السوفيتي غزوه لأفغانستان عام 1979.

حينها، كشفت القوى العظمى عن وجهها الحقيقي: أنفقت الولايات المتحدة، بتمويل موازٍ من المملكة العربية السعودية وحلفاء آخرين، ما بين 50 إلى 70 مليار دولار لتفجير الدولة التي ساهموا في بنائها مؤخراً.

وفي الوقت الذي كان فيه المجتمع الأفغاني في طفولتي يسافر كل نهاية أسبوع بحافلتهم محمّلين بالأطباق والسجاد والشاي على الطرق السريعة بولاية نيويورك ينتظرون العودة للوطن، كانت الأسلحة تتدفق إلى أفغانستان بكثافة لا مثيل لها على وجه الأرض.

تدفقت مليارات الدولارات عبر "عملية الإعصار" (Operation Cyclone) التابعة للسي آي إيه لدعم المقاتلين الأكثر راديكالية وأصولية، بما فيهم قادة يعادون الغرب وأمريكا بشكل علني. وفي مخيمات اللاجئين في باكستان، كان الأطفال الأفغان يتعلمون "جهاد الكتب"—والتي مولت طباعتها جامعة نبراسكا—حيث كانت دروس القراءة والرياضيات تُقدَّم عبر أمثلة ورسومات تشرح كيفية استخدام البنادق والصواريخ والقنابل اليدوية!

وفي حين كان ملايين الأفغان يفرون من العنف الذي يلتهم بلادهم، كان المقاتلون العرب يتدفقون من كل أنحاء الشرق الأوسط إلى أفغانستان، بتمويل من الغرب والسعودية، لقتال السوفييت الكفار. كان هؤلاء "المجاهدون الجدد" يحملون أيديولوجية إسلامية أكثر تشدداً وغربة عن التقاليد الإسلامية الأفغانية والأعراف المحلية، وعملوا—خاصة داخل المخيمات—على نسج شبكاتهم بمعزل عن المقاتلين الأفغان التقليديين.

أنقاض الإمبراطوريات والنسيان الممنهج

عندما انسحب الاتحاد السوفيتي عام 1989 وسقط بعد ذلك بوقت قصير، احتفلت الولايات المتحدة بهذا الإنجاز؛ فقد نجحت في إغراق السوفييت في "مستنقع فيتنامي" ينهك قواهم—وفق تعبير أحد استراتيجيي البنتاغون. أعلن القادة الأمريكيون انتصارهم في الحرب الباردة ونفضوا أيديهم من أفغانستان؛ فقطعوا كافة المساعدات الإنسانية، لكنهم تركوا خلفهم الأسلحة والميليشيات ونظام "جهاد الكتب" التعليمي.

سرعان ما دار المجاهدون—المدججون بالسلاح والمتطرفون بضراوة—على بعضهم البعض، وتقاتل أمراء الحرب للسيطرة على العاصمة. وكان والدي يتابع عبر التلفاز مدينته كابل وهي تتحول إلى ركام كامل. ومن بين هذا الركام، خرجت حركة "طالبان"، التي ينتمي معظم أعضائها إلى مخيمات اللاجئين وتلقوا تعليمهم من مناهج "الجهاد" الصادرة عن جامعة نبراسكا. وعدت طالبان بإعادة السلام والأمان لأرض طالما أنهكتها الحروب. ومع صعودهم، استعاد المقاتلون العرب—الذين انتشوا بنصرهم ضد الشيوعية—نشاطهم، محولين بوصلة "مهمتهم" نحو إخضاع الإمبراطورية الأمريكية. لقد سقطت إمبراطورية، لتترك ساحة المعركة لإمبراطورية أخرى.

لا يمكن لأحداث 11 سبتمبر أن تكون مجرد "حادث محفز" جاء من الفراغ، إلا إذا جرى طمس التاريخ وشطب كل ما سبق. يوضح مستشار الأمن القومي السابق جيمي كارتر هذا المنطق قائلاً: *"ما هو الأمر الأهم في تاريخ العالم؟ أهي طالبان أم انهيار الإمبراطورية السوفيتية؟ بضعة مسلمين متحمسين أم تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة؟"*

مع هذا التاريخ الطويل—الممتد من الحرب الباردة إلى 11 سبتمبر والغزو الأمريكي—إذا سألت الأمريكيين عما تعنيه كلمة "أفغانستان" بالنسبة لهم، فمن المرجح أن تسمع: "حرب.. حرب أليمة"، أو ربما يسردون كلمات مثل: ميليشيات، جنود، متطرفون، إسلاميون، أصوليون، متمردون.

إن هذا النقص في المعرفة ليس سببه غياب الأدلة؛ فأفغانستان حاضرة في كل مكان من تاريخ أمريكا الحديث. لقد كانت على مدى عقد كامل موقعاً لأكبر عملية سرية في تاريخ الولايات المتحدة، ثم أصبحت موقعاً لأطول حرب خاضتها أمريكا على الإطلاق لمدى عشرين عاماً. لقد تغلغلت أفغانستان في تفاصيل الحياة اليومية لكل أمريكي.

على مدى عقود، ظلت أفغانستان حاضرة في تقارير السي آي إيه، وميزانيات الكونغرس، وخطابات الرئاسة، وفي الاقتطاعات المباشرة للضرائب من رواتب الأمريكيين لتغطية دين الثمانية تريليونات دولار المخصصة لـ "الحرب على الإرهاب"—وهي أموال أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على حياة أكثر من 4 ملايين شخص في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وباكستان. نلمس هذا الدين في أمريكا يومياً: في تراجع الثروة الوطنية، وتدهور البيئة الاجتماعية، وفي تقليص ميزانيات الخدمات الاجتماعية، والتعليم العام، والبنية التحتية المدنية، والفنون والثقافة.

ولم يقتصر الحضور على الاقتصاد؛ بل تعداه إلى عسكرة المجتمع الأمريكي. فأفغانستان حاضرة في هيكلية وزارة الأمن الداخلي، وفي قوانين عام 2001، وعسكرة أجهزة الشرطة المحلية. إن المركبات المدرعة المقاومة للألغام (MRAP)—التي ظهرت في شوارع فيرغسون بولاية ميسوري عام 2014 أثناء انتفاضة "حياة السود مهمة"، وفي احتجاجات جورج فلويد عام 2020 عبر البلاد—هي ذاتها الشاحنات المدرعة المصممة لحماية الجنود الأمريكيين من القنابل المزروعة على جوانب الطرق في العراق وأفغانستان، والتي وُزعت على أقسام الشرطة المحلية عبر "البرنامج 1033" التابع للبنتاغون.

حتى في الثقافة الشعبية الأمريكية، تقف أفغانستان حاضرة بشكل صارخ. من منا لم يرَ صورة "الفتاة الأفغانية" ذات الإثني عشر عاماً من مخيم اللاجئين على غلاف مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" في يونيو 1985؟ (شربات غولا، التي طُبعت صورتها على ملايين النسخ دون أن تتلقى أي تعويض عن استغلال صورتها).

وفي سينما هوليوود، أطل علينا "جيمس بوند" و"رامبو" وهما يساعدان "مقاتلي الحرية الأفغان" في هزم الشيوعيين. والدي اليوم تُستخدم أفغانستان خلفية مسرحية أو تاريخاً مقتضباً لشخصيات سينمائية ذات ماضٍ عسكري غامض أو صادم، كما في أفلام مثل "Iron Man" (2008) و"Lone Survivor" (2013)، أو المسلسلات التلفزيونية مثل "The Punisher" و "Homeland". كما أن صحاري وجبال أفغانستان أصبحت خلفية مكررة لسلسلة من ألعاب الفيديو الشهيرة مثل "Call of Duty" و "Metal Gear Solid V" و"Medal of Honor" .

حتى في كرة القدم الأمريكية—وهي أكثر الأنشطة أمريكيةً—تظهر أفغانستان عبر أبحاث علاج إصابات الدماغ الوعائية والصدمات التي ابتكُرت لخدمة الجنود الأمريكيين وتطوير الخوذ لحماية اللاعبين. بل إنها حاضرة في تطور طب الطوارئ في سيارات الإسعاف المحلية، ودورات الإسعافات الأولية التي يتعلم فيها معلمو المدارس كيفية "إيقاف النزيف الشديد".

آليات النسيان والتحولات الثلاثة

تتجسد أفغانستان في أرواح أكثر من 800 ألف محارب أمريكي قديم أُرسلوا إلى تلك الأرض. وفي مجتمعي المحيط، تنعكس هذه الحرب بشكل ملموس؛ فنحو 20% ممن خاضوا مواجهات مباشرة يعانون اليوم من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). أحدهم هو جاري، الذي يعلق لوحات تحذيرية على أطراف غابته محذراً أي مارّ من أنه قد يطلق النار من شدة قلقه؛ جاري هذا يصاب بالريب كلما سقطت رسالة في صندوق بريدي، فيسارع للبحث عن اسمي في "غوغل" ليرصد جذور عائلتي الأفغانية. وعلى الجانب الآخر يقطن جارٌ آخر، وهو مدير متقاعد في شركة "رايثيون" (Raytheon)—الشركة التي تولت تدريب طياري سلاح الجو الأفغاني، وأنتجت صواريخ "توماهوك" ورادارات المراقبة وغيرها من الأسلحة التي غذت الحرب الأمريكية في أفغانستان على مدى عشرين عاماً.

وهكذا أجد نفسي أعاني بين محارب قديم مسلح ومدير تنفيذي لصناعة الأسلحة؛ أنا ابنة رجل أفغاني صُممت حياته بأكملها بفعل السياسات الخارجية الأمريكية منذ خمسينيات القرن الماضي.

نحن جالية صغيرة نسبياً من النازحين—نحو نصف مليون أفغاني وأبنائهم يعيشون في الولايات المتحدة—ومع ذلك، فإن الجيوسياسية الممتدة لهذه الدولة تمس حياة كل مقيم في أمريكا، حتى هنا في ولاية "مين"، على أراضي قبيلة "الأبناكي" (Abenaki) الأصليين التي لم تُردّ إليهم قط.

وحتى عندما تظهر أفغانستان في وسائل الإعلام، فإن الأصوات الأفغانية تغيب بشكل صارخ. فالتقارير المتعلقة بالانسحاب الأمريكي عام 2021 اقتصرت تقريباً على استضافة الخبراء العسكريين الأمريكيين والصحفيين الأجانب، بينما يُستشهد بالأفغان فقط كشهود أو ضحايا بلا أسماء، وندرةً ما يُستضافون كمحللين يتحدثون بسلطة المعرفة. يتكرر هذا الإلغاء اليوم بعد مرور سنوات على عودة طالبان؛ حتى المنشورات اليسارية الناقدة للسياسة الخارجية جعلت الرؤية الأفغانية غير مرئية. فعندما نشرت مجلة "The Economist" بريطانية المصدر—والتي يأتي أكثر من نصف قرائها من أمريكا—ملفاً خاصاً بحوار مع طالبان تحت عنوان "هل حان الوقت للتحدث مع طالبان؟"، لم تتضمن جلسة النقاش خبيراً أفغانياً واحداً!

إن هذا الجمع بين الحضور الفعلي المكثف لأفغانستان في التاريخ الأمريكي والإنكار الممنهج له، يذكرني بكتاب توني موريسون (Toni Morrison) الصادر عام 1992 بعنوان "الرقص في الظلام: البياض والخيال الأدبي". تُحلل موريسون في كتابها إنكار وجود "السواد" في الثقافة الأمريكية رغم تاريخ السود الممتد لأربعة قرون على هذه الأرض. وتوضح موريسون كيف تحول "السواد"—من إدغار آلان بو إلى إرنست همنغواي—إلى مجرد استعارة محملة بالرموز تمنح الأمريكي الأبيض وسيلة لتعريف نفسه.

تقول موريسون إن الشخصية الأمريكية البيضاء، في أزمة هوية دائمة، تُعرّف ذاتها وتصيغ حريتها عبر مواجهة "السواد" ثم إنكاره؛ فتكون النتيجة أن يزعم الأبيض أنه "ليس عبداً بل حر، وليس مقززاً بل مرغوباً، وليس عاجزاً بل قادراً، وليس بلا تاريخ بل هو التاريخ نفسه، وليس ملعوناً بل بريء". إن هذه البراءة هي نتاج نسيان مُصنّع؛ إذ يجب على المرء أن ينسى كي يدّعي البراءة، وكي يطالب بالانتماء الأمريكي.

هذه الآلية العرقية، التي تسميها موريسون "الأفريقانية" (Africanism)، انتقلت من تاريخ العبودية لتشكل نمطاً خيالياً للروايات الأمريكية حول التدخلات الخارجية. ففي أماكن مثل أفغانستان، جرى استنساخ هذه الهندسة النفسية لتطويع الحقائق وتوظيف كتابة التاريخ لخدمة النسيان الإمبراطوري.

وفي كتاب *"الاستشراق" (1978)، كشف إدوارد سعيد كيف أنتجت الإمبراطوريات الأوروبية أرشيفاً لا ينتهي من "الحقائق" والخطابات المطواعة حول الشرق، بحيث تُستخدم تلك السرديات دائماً لخدمة الغرب وتبرير تفوقه. لكن سعيد يلاحظ أن الإمبراطورية الأمريكية مختلفة؛ فالولايات المتحدة—كما يوضح المؤرخ دانيال إيميروار (Daniel Immerwahr) —تُخفي إمبراطوريتها وتزيل أصولها من الخرائط الجغرافية. إن فقدان الذاكرة والنسيان يقعان في صلب تعريف الحدود الوطنية الأمريكية، حيث تُصمم الهوية عبر الجهل المستمر بالحقائق: ففي تلك السردية، تكون الأراضي دائماً بلا مالك، والمعارك محقة، والـ "إرهابيون" ينبتون دائماً من لا مكان.

تاريخياً، جرى التلاعب بالهوية الأفغانية وتعديلها مراراً لتهدئة وعي الأمة الأمريكية وصيانة "نقائها الأخلاقي":

1. مرحلة التحديث (خمسينيات - سبعينيات القرن الماضي): عندما كان والدي يتلقى تعليماً غربياً في كابل، صُوّر الأفغان في المناطق الريفية كـ "بدائيين" في صحراء غير مثمرة، يحتاجون للخبرة الأمريكية لبناء السدود وتحديث بلادهم. حُوّلت الأرض إلى لوحة بيضاء، وتُهجّر السكان، ودُمّرت آليات الزراعة القديمة باسم التنمية، تحت شعار: "نحن نساعدكم فقط، ولن نستخدم هذه البنية التحتية لاحتلالكم مستقبلاً!".
2. مرحلة المقاتلين من أجل الحرية (الثمانينيات): عندما بدأ الغزو السوفيتي، تحول الأفغان في الوعي الأمريكي إلى "رعاة بقر"، يخشون الله، ويحبون الحرية تماماً كالآباء المؤسسين لأمريكا. كانت فرصة لأمريكا لاستعادة "براءتها" بعد هزيمة فيتنام وفضائح جرائم الحرب. حتى سينمائياً، يذهب "جون رامبو" في فيلمه عام 1988 لنجدة أصدقائه الأفغان وتلقين الشيوعيين درساً، مع رسالة ضامنة: "نحن بالتأكيد لن نترككم للمتشددين، ولن نندم على تزويدكم بأسلحة بمليارات الدولارات!".
3. مرحلة 11 سبتمبر والإرهاب: فجأة، تحول "مقاتلو الحرية" إلى كارهين للحرية و"إرهابيين قروسطيين". وتساءل بوش: "لماذا يكرهوننا؟" لترد الإجابة المحفوظة لتنقذ الهوية الأمريكية: "إنهم يكرهون حرياتنا". وفجأة ظهر البرقع الأزرق على الشاشات والمجلات، وعبرت السيدة الأولى لورا بوش عن قلقها الشديد، وصار الشعار: "أيتها النساء الأفغانيات، سننقذكن عبر قصف بلادكن!".

وعندما انتهت تلك الحرب بعودة طالبان عام 2021—بعد سقوط 176 ألف قتيل أفغاني مباشر وأعداد لا تحصى من الضحايا غير المباشرين—أعاد الرئيس بايدن استخدام المشهد الاستشراقي ذاته ليبرر الانسحاب المهين دون نصر، قائلاً: "لقد أعطينا الأفغان كل فرصة لتقرير مستقبلهم، لكننا لا نستطيع إعطاءهم الإرادة للقتال من أجل ذلك المستقبل". وكما في شخصيات موريسون، جُرّد الأفغان مجدداً من تاريخهم وأُلقي بهم في الفراغ، لسان حالهم يقول: "حاولنا مساعدتهم، لكنهم لا يريدون مساعدة أنفسهم!".

واليوم، تواصل واشنطن كتابة الفصل الأخير؛ حيث يُصوّر الأفغان القادمون من "الجحيم" وكأنهم يجلبون دمار الأراضي الخراب إلى الولايات المتحدة. ومع الهجوم السياسي الجديد على المهاجرين، تم إيقاف مسارات اللجوء الأفغانية، وانهار نظام الحماية، وأُعيد فحص أوراق حاملي البطاقات الخضراء.

في العام الماضي، حاولتُ مساعدة امرأة أفغانية شابة فرت من الفصل العنصري الجنسي لطالبان، لتجد نفسها معتقلة لدى السلطات الأمريكية. كانت أفغانستان بالنسبة لها موقعاً لأطلال الإمبراطورية حيث حُبست في منزلها، أما في الولايات المتحدة—موقع نسيان الإمبراطورية—فقد أصبحت سجينة في منشأة باحتجاز المهاجرين بولاية لويزيانا، ضمن نظام هجرة يندمج مع قمع الدولة. وللأسف، لم أنجح في وقف قرار ترحيلها.

صوت الأب وتفكيك نسيان الإمبراطورية

في ثمانينيات القرن الماضي، كان والدي بمثابة "مجاهد إعلامي" يقاتل السوفييت من مقره بولاية نيويورك. كان يتصل بمحطات الأخبار المحلية وبصحف مدينة "روتشستر"—وهي أقرب منطقة حضرية لمقر سكننا—ويجري المقابلات ويتحدث عبر الميكروفونات. كانت كلماته تظهر على صفحات الصحف، ووجهه يطل في نشرات الأخبار عند الساعة السادسة مساءً.

كان يحاول بصوته المحلي أن يدخل السردية الأفغانية إلى التغطيات الإعلامية الوطنية، بجانب البيانات الرسمية الصادرة من واشنطن وموسكو، وإلى جوار قضايا اللاجئين والمهاجرين الأفغان المجهولين الذين يفرون من ديارهم. كان يفعل ما أسماه إدوارد سعيد في كتاباته عن الفلسطينيين: الملاذ إلى "إذن بالسرد" (Permission to Narrate)—المطالبة بالحق في كتابة تاريخهم الخاص.

كان الصحفيون أحياناً يقللون من أهمية خبرته—ورغم شهادة البكالوريوس التي يحملها في العلاقات الدولية ودوره القيادي بين الأفغان—كانوا يكتفون بوصفه مجرد "مهاجر أفغاني". ولكي يبني لنفسه سلطة وأصالة رسمية في لغة الإعلام الجديدة، أسس "منظمة روتشستر الأفغانية" وأصبح مديراً لها.

كانت الثمانينيات فترة تمتع فيها الأفغان بعطف الإمبراطورية؛ عقدٌ فتح فيه البيت الأبيض أبوابه للأفغان، وأعطى الإعلام الأمريكي الميكروفون لرجل مثل والدي—لأن القصة التي كان يرويها الأفغان كانت تخدم الأهداف الأمريكية. لكن عندما انسحب السوفييت عام 1989 وأعلن رئيس أمريكي جديد نهاية الحرب الباردة، قطع الإعلام اتصاله بوالدي فوراً. واصل كتابة المقالات الموجهة للرأي العام، لكن لم يعد أحد يجيب اتصالاته. ولم يكن بمقدوري حينها أن أصرخ في وجوههم: "لا، أنتم مخطئون.. الحرب لم تنتهِ بعد!".

لو استطاع والدي اليوم—بعد 25 عاماً من الغزو الأمريكي—إجراء مقابلة أخرى، لربما حاول العثور على كلمات جديدة تناسب هذه اللحظة، وليكمل المهمة ذاتها التي أحاول إنجازها الآن: استحضار الذاكرة التاريخية، والربط مع الإنسانية الأفغانية بمختلف تجلياتها، وخلق سرديات بديلة تعمل كـ "أرشيف حي للمقاومة" في وجه النسيان الحكومي الممنهج.

إننا بحاجة إلى مزيد من التبادل التكريمي والسردي للأفغان لتكون شهاداتهم حاضرة؛ بحاجة لقصائد ونثر وفنون ورؤى الأفغان النقدية، لربط السياسات الوطنية الأمريكية بالأطلال الخارجية التي خلّفتها في الدول والأرواح المضطربة، ولإلقاء وتفكيك أساطير الإمبراطورية والنهب.

وفي الأشهر القادمة، ستنشر مجلة "لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس" (Los Angeles Review of Books) مجموعة مقالات لكُتّاب وباحثين من أصل أفغاني، تنقب عن الآثار المنسية والمكتومة لأفغانستان في تاريخ وثقافة الولايات المتحدة وخارجها—في الأرشيفات، والخطابات النسوية، ونظريات ما بعد الاستعمار، والدراسات البيئية، والأعمال الفنية والأدبية ومقاومة الشتات.

نحن لا نستعيد مجرد حاشية مهملة في تاريخ أمريكا، بل نفكك صناعة النسيان الإمبراطوري وما تسميه أنا لورا ستولر (Ann Laura Stoler) بـ "الحبسة الكلامية الاستعمارية" (Colonial Aphasia)—وهي حالة يعجز فيها المرء عن إيجاد الذاكرة والكلمات المناسبة. إننا لا نحتاج إلى هذه الكلمات فقط لـفهم أفغانستان، بل لـفهم الولايات المتحدة نفسها.

يهدف هذا المقال إلى إعادة تصور وتشكيل تاريخ أفغاني-أمريكي جديد، وهي دعوة للقراء للانضمام والتفكير المشترك معنا... والجلوس معاً بينما نمد السجاد الأفغاني على العشب، ونستمع إلى الموسيقى عبر مكبرات الصوت والهواتف الذكية، ونشرب الشاي بكثرة.

لا.. الحرب لم تنتهِ بعد؛ لا في أجمل مكان في العالم، ولا في قلب الإمبراطورية الأمريكية. ومن هناك سنبدأ.

عن الكاتبة والوثيقة

د. ليلى كريستين نادر (Lila Christine Nader): زميلة مؤسسة نيويورك للفنون (NYFA) لعام 2026، وزميلة ماكدويل (MacDowell Fellow)، ومحررة المشاريع الفنية في مجلة "لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس". عُرضت أعمالها في متحف "ويتني" والمتحف الجديد (New Museum)، ونُشرت مقالاتها في دوريات أدبية مرموقة مثل AGNI، Michigan Quarterly Review، Salon، The Center Review، وBlack Warrior Review.
تاريخ النشر الأصلي: 9 أكتوبر 2026 في Los Angeles Review of Books.



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطن أم العقيدة؟
- قراءة نقدية في مفاهيم عبد الأمير الركابي عن العراق والدولة ا ...
- وهم الاشتراكية الإسكندنافية: بين بريق الرفاه الاجتماعي وتآكل ...
- الأدب العربي وحلم نوبل
- اشتراكية بخصائص صينية: لا اشتراكية ولا رأسمالية بحتة
- وطن حرّ أم صالة انتظار السعادة؟
- توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer — قصائد هايكو
- في تفنيد أطروحة حظر التعددية الشيوعية في البلد الواحد
- الشعوب في مواجهة الاستبداد وتجار الحروب
- معادلة تشكيل الحكومة السويدية وصناعة الملوك من الخارج
- مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق
- استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
- سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
- سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم ...
- المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا


المزيد.....




- ترامب: لو كان اسمي مدرجاً على بطاقات الاقتراع لفاز الجمهوريو ...
- برلماني إيراني يحذَر: ردنا على أمريكا وإسرائيل قد يمتد إلى أ ...
- قائد في -الناتو- يعترف بالعجز عن صد الصواريخ الروسية بالكامل ...
- شركة ألمانية تطور سلاحا فضائيا بمدى غير محدود
- العراق ينفي غلق أجوائه تحسبا لأحداث أمنية
- مصر ترد على انهيار السدود في سيناء
- مساع ديمقراطية لقطع تمويل حرب إيران قبل يناير
- موسكو: استخبارات كييف تجند المراهقين لأعمال تخريبية
- حريق يلتهم 4 عربات بقطار هندي أثناء سيره
- فرنسا.. توقيف 642 شخصا في احتجاجات يوم أمس


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - عن أفغانستان، والإمبراطورية، وفقدان الذاكرة الأمريكي في الذكرى ال25 للغزو بقلم: د. ليلى كريستين نادر