أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حميد كوره جي - قراءة نقدية في مفاهيم عبد الأمير الركابي عن العراق والدولة الحديثة















المزيد.....

قراءة نقدية في مفاهيم عبد الأمير الركابي عن العراق والدولة الحديثة


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 23:53
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


نشر الأستاذ عبد الأمير الركابي مقالاً بعنوان "الشيوعية العراقية الحديثة والانبعاث القرمطي الكوراجيني (الجزء الثالث)" عبر موقع الحوار المتمدن (بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026). يتسم المقال بتوظيف حزمة من المصطلحات الفضفاضة والمركبة (مثل: اللاأرضوية، الازدواج الطبقي، الانقلابية الآلية، البرانية الإبادية) لصياغة نظرية شمولية خاصة بالكاتب لتفسير تاريخ العراق وتشكّل حركاته السياسية. وعند إخضاع المقال للتحليل التاريخي والموضوعي، يتكشف أنه يحفل بالعديد من المغالطات المنطقية، والتناقضات الداخلية، والشطط التاريخي.
يزعم الكاتب وجود شخصية "غالي الزويد" كشخصية زنجية متبقية من ثورة الزنج لتتفاعل مع "فهد" وممثل المخابرات الروسية. الواقع أن ثورة الزنج وقعت في القرن الثالث الهجري (القرن التاسع الميلادي / 833–869 م)، بينما تأسس الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثينيات القرن العشرين، بفارق زمني يتجاوز الألف عام؛ والربط المزيّف بين الشخصيات الحداثية وثورة الزنج كوجود فيزيائي حيّ هو خيال تاريخي متطرف.
يفترض المقال أن ممثل المخابرات الروسية (فاسيلي) كان متخفياً بصفة خياط في سوق الناصرية لاستدعاء "فهد". هذه رواية شعبوية تفتقر لأي سند وثائقي؛ فتأسيس "جماعة التحرر الوطني" ثم الحزب الشيوعي العراقي تم عبر حلقات فكرية ومحلية لرواد الحركة الوطنية (مثل حسين الرحال، وعاصم فليح، ويوسف سلمان فهد) وليس عبر شبكات استخباراتية أجنبية سرية.
يدعي الكاتب أن الناصرية هي "عاصمة التشكل العراقي الحديث منذ القرن السادس عشر"، ثم يناقض نفسه بذكر أنها أُسست في القرن التاسع عشر. التاريخ الموثق يؤكد أن مدينة الناصرية بُنيت عام 1869م على يد الوالي العثماني مدحت باشا وبالاتفاق مع الشيخ ناصر الأشقر شيخ عشائر المنتفق، ولم تكن موجودة كمركز حضري في القرن السادس
يصم الكاتب "يوسف سلمان يوسف (فهد)" بأنه "مصلاوي مسيحي" ما كان له أن يتحدث مع "أهل الحسجة" أو يقودهم. هذا استخفاف بالواقع الاجتماعي العراقي الذي شهد تاريخياً اندماجاً واسعاً للشخصيات الوطنية والفكرية عبر مختلف المكونات والأديان والمحافظات.
التناقضات الداخلية والمغالطات المنطقية
ينفي الكاتب في مستهل مقاله وجود "طبقات ولا صراعها" في العراق، داعياً إلى نموذج "لا أرضوي"، ثم يعود ليقر بأن المستعمر "اضطر إلى أن يفبرك إقطاعاً". هذا اعتراف ضمني بوجود بنيان طبقي وصراع واقعي.
يصف الدولة العراقية بأنها "برانية إبادية" أقامها الغرب، لكنه يصور نشأة الحركة الشيوعية ذاتها على أنها محركة بعناصر أجنبية (المخابرات الروسية)، مما يوقع أطروحته في تناقض بين تأصيل الكينونة المحلية وتسييرها الخارجي.
يقوم بارجاع ظاهرة تاريخية ومادية كبرى (نشوء الحزب الشيوعي والطبقة العاملة) إلى أطروحات "لاأرضوية" ميتافيزيقية، والطعن في أهلية الزعماء السياسيين بناءً على أصولهم الجغرافية أو الدينية.
كما نجد في مقاله قفزات تاريخية كبرى مثل دمج سقوط بغداد على يد المغول (1258م) بالاستعمار الآلي الحديث في جملة واحدة متجاوزاً قروناً طويلة من التحولات السياسية والاقتصادية.
يرتكز طرح الركابي على اعتبار العراق مجتمعاً "عابراً للأرض" تتجاوز كينونته الصراعات المادية المباشرة نحو طفرات عقائدية.
يغرق هذا الطرح في المثالية والتجريد، مسقطاً من الحسبان الشروط المادية الحقيقية (شبكات الري، ملكية الأرض، الضرائب، التوزيع الديموغرافي)، ومحولاً الخصوصية العراقية إلى فرادة مطلقة تعزل التاريخ عن قوانين التطور الاجتماعي البشري.

يقسّم الكاتب المجتمع بين "رسوب جنوبي مقاوم" و"مدينة إمبراطورية (بغداد) كسلطة برانية".
يفصل هذا الطرح بين الريف والمدينة متجاهلاً الهجرة الداخلية والتداخل الاقتصادي، كما أنه يحرم التحليل من أداة فهم التفاوت الطبقي الفعلي داخل الريف ذاته (صراع الفلاحين مع الشيوخ والملاكين ونظام السركال).
تُظهر المقارنة بين منهج المؤرخ الكبير حنّا بطاطو في سفره الخالد عن العراق ومقاربات عبد الأمير الركابي بوناً شاسعاً بين التاريخ المادي المعاش، من جهة، والميتا-تاريخ الفلسفي التجريدي، من جهة أخرى.
يعتمد بطاطو منهجاً سوسيولوجياً تجريبياً، يدرس شبكات المصالح، وصعود العائلات الإقطاعية وتراجعها، وتحولات ملكية الأرض، والتوزيع الديموغرافي، والبنى الطبقية والاقتصادية الفعلية. بينما يتبنى الركابي مقاربة أنطولوجية فلسفية، تستند إلى مفاهيم مطلقة وشديدة التجريد، مثل اللاأرضوية، والبرّانية الإبادية، والنوع المجتمعي، لتفسير حركة المجتمعات. |
يربط بطاطو نشوءها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ومنها الهجرة من الريف إلى المدن، ولا سيما البصرة وبغداد والناصرية، وبؤس الفلاحين تحت وطأة النظام الإقطاعي وقانون حقوق وواجبات الزارعين لعام 1933، وظهور طبقة عاملة جديدة في السكك الحديدية ومصافي النفط والموانئ. لكن كاتب المقال يُرجع نشوءها إلى طفرات عقلية لاأرضوية واستجابات عقائدية كبرى، تتجاوز التفسير المادي أو الطبقي البحت، وتتجه نحو نزعات كونية يرى أنها تختص بالجغرافيا العراقية حصراً.
يحلل بطاطو الدولة العراقية الملكية بوصفها بنية تشكّلت تحت النفوذ البريطاني، واستندت إلى تحالفات مع كبار ملاك الأرض وشيوخ العشائر، ومنهم كبار شيوخ المنتفق، مع رصد التباينات الإثنية والطائفية والمطلبية الفعلية في المجتمع.
بينما يعتبر الأستاذ الركابي الدولة الحديثة "برانية إبادية" فرضها الغرب على "مدينة إمبراطورية منهارة"، واضعاً إياها في مواجهة أبدية مع "التشكل الجنوبي اللاارضوي".
يدرس بطاطو دور يوسف سلمان "فهد" كمنظم محنك استطاع بناء حزب حديدي منضبط عبر قراءة دقيقة للظروف المادية، وتأسيس خلايا عاملة مستندة إلى واقع الفلاحين والعمال والكفاءات المحلية المتعددة. لكن الركابي يصوره ضمن إطار شبه أسطوري معزول عن محيطه (مصلاوي مسيحي في الجنوب) تارة، أو كمحرك ضمن سلسلة "طفرات روحية لاارضوية" تارة أخرى، مع نسج سرديات خيالية (مثل الخياط الروسي فاسيلي).
إن منهج بطاطو يمنحنا صورة حية وملموسة عن الصراعات الحقيقية للطبقات والشرائح الاجتماعية، وتأثير العوامل الاقتصادية والسياسية الدولية والمحلية على تشكل الوعي والعنف والاحتجاج في العراق. لكن منهج الركابي يلجأ إلى إسقاط مقولات فلسفية وتجريدية معقدة على الواقع التاريخي، مما يؤدي غالباً إلى طمس الحقائق المادية، وإبدال الوقائع الموثقة بإنشاءات نظرية ذات طابع روحي-ميثولوجي تبتعد عن شروط التمحيص العلمي الصارم.
رؤية حنّا بطاطو لتأسيس اليسار العراقي والطبقة العاملة
يوثق المؤرخ حنّا بطاطو في سفره التاريخي (العراق) الأسس المادية التي أفرزت الحركة الوطنية:
1. قانون حقوق وواجبات الزارعين (1933): رسخ هيمنة كبار شيوخ العشائر (وخصوصاً المنتفق) واستعبد الفلاحين، مما خلق بيئة طاردة ومحتقنة بالظلم الطبقي.
2. موجات النزوح والصرائف: أدى القهر الإقطاعي إلى هجرة واسعة نحو المدن (بغداد، البصرة، الناصرية)، فشكل النازحون نواة بروليتاريا مقهورة مثلت الخزان البشري للاحتجاجات.
3. مراكز الإنتاج الحديثة: ولدت الشيوعية من قلب مواقع العمل الفعلي التي أنشأتها الاستثمارات الحديثة (عمال السكك الحديدية، موانئ البصرة، وشركات النفط في كركوك والجنوب)، وهي بيئات وفرت الوعي الجماعي والتنظيم والقدرة على الإضراب.
المراجع والمصادر الأساسية
• حنّا بطاطو: العراق: طبقاته الاجتماعية وتاريخه الحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية (3 أجزاء) – المرجع المنهجي والسوسيولوجي الميداني الشامل لتاريخ الحركات السياسية في العراق الحديث.
• د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (موسوعة متعددة الأجزاء) – تحليل طبيعة المجتمع العراقي والصراع بين البداوة والحضارة بعيداً عن التنظير الأيديولوجي.
• د. كمال مظهر أحمد: الطبقة العاملة العراقية: نشؤها وتطورها الباكر – دراسة وثائقية تأسيسية لتشكل الطبقة العاملة والنشاط النقابي.
• د. مجيد خدوري: العراق المستقل (1932 - 1958) – قراءة وثائقية ودبلوماسية للعهد الملكي والأنظمة السياسية.
• د. سيّار الجميل: التكوين التاريخي للعراق الحديث (بحث رؤيوي في الظواهر التاريخية).



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الاشتراكية الإسكندنافية: بين بريق الرفاه الاجتماعي وتآكل ...
- الأدب العربي وحلم نوبل
- اشتراكية بخصائص صينية: لا اشتراكية ولا رأسمالية بحتة
- وطن حرّ أم صالة انتظار السعادة؟
- توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer — قصائد هايكو
- في تفنيد أطروحة حظر التعددية الشيوعية في البلد الواحد
- الشعوب في مواجهة الاستبداد وتجار الحروب
- معادلة تشكيل الحكومة السويدية وصناعة الملوك من الخارج
- مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق
- استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
- سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
- سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم ...
- المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
- تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
- مخيّم الآمال العظمى


المزيد.....




- م.م.ن.ص// العنف المرئي والعنف المخفي... أنظمة الاستغلال وكيف ...
- بيان المكتب الجهوي بجهة الرباط لحزب النهج الديمقراطي العمالي ...
- بيان تضامني مع ساكنة بوعادل دفاعاً عن الحق في الماء وحماية ا ...
- النقابةبيان الوطنية للفلاحين التابعة للجامعة الوطنية للقطاع ...
- الاحتجاجات الحالية للعمال والشبيبة والتظاهرات المرتقبة بمنا ...
- ما دلالات انتخاب أسامة باريك إلى البرلمان؟
- الحزب الشيوعي الأردني ينعى مناضله مروان الخيطان الذي استشهد ...
- الديمقراطي الاجتماعي يدين الاعتداء على كنيسة كرداسة والهجوم ...
- الشرطة الفرنسية تستخدم خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لت ...
- اليمين المتطرف الفرنسي يستغل موجة الاحتجاجات لتعزيز حضوره ال ...


المزيد.....

- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حميد كوره جي - قراءة نقدية في مفاهيم عبد الأمير الركابي عن العراق والدولة الحديثة