أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - قراءة في عالم صفوان داحول من خلال عزلة «الحلم»















المزيد.....

قراءة في عالم صفوان داحول من خلال عزلة «الحلم»


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 13:54
المحور: الادب والفن
    


يفصل بين صفوان داحول وبيني جيل كامل، إذا ما احتكمنا إلى سنوات الدراسة في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لكنّ علاقتي به تجاوزت منذ زمن مثل هذه المقاييس. ففي شخصه ما يجعل المرء يقترب منه بسهولة؛ ذلك الهدوء النادر الذي يحيط به، وذلك الود الصافي الذي لا يحرص على إظهاره بقدر ما يتسرّب تلقائياً إلى من يجالسه. وهي صفات لا تنعكس على حضوره الإنساني فحسب، بل تمتد، بصورة أو بأخرى، إلى مشروعه الفني الطويل.

أدركت ذلك على نحو أعمق خلال الأيام العشرة التي أمضيتها ضيفاً في منزله بدبي مطلع هذا العام، وكان قد عاد لتوّه من افتتاح معرضه الشخصي في شانغهاي. هناك أتيحت لي فرصة نادرة للتعرّف إلى صفوان الإنسان قبل صفوان الفنان، ورؤية ذلك الجانب الذي لا تظهره اللوحات ولا ترويه المعارض. وخلال أحاديث طويلة امتدت بين تفاصيل الحياة اليومية وذكريات السنوات الماضية، اكتشفت وجود خيط رفيع لكنه متين بيننا يجمع بين مسارين مختلفين في الظاهر، ومتقاربين في بعض منعطفاتهما الإنسانية.

فقد خسر صفوان زوجته إثر مرض خبيث، ليجد نفسه أمام مسؤولية تربية ثلاثة أبناء، مؤدياً في الوقت ذاته دور الأب والأم. ومن يعرف أبناءه اليوم يلمس بوضوح مقدار النجاح الذي حققه في هذه المهمة الشاقة. أما أنا فقد عبرت تجربة مختلفة في تفاصيلها، وإن تشابهت في بعض أعبائها الإنسانية، بعد انفصالي عن زوجتي وتحمّل مسؤولية تربية طفلين. وربما لهذا السبب وجدت نفسي أفهم بعض ما لم يكن يحتاج إلى كثير من الشرح بيننا.
في مرحلة من العمر، نظن أن دائرة الأصدقاء أغلقت أبوابها نهائياً. ثم يظهر شخص مثل صفوان ليكشف لك أن ثمة مكاناً كان ينتظره منذ زمن من دون أن تدري. كان صديقاً افتقدته قبل أن ألتقيه.
ومع ذلك، وكما حاولت دائماً عند الكتابة عن أصدقاء من الشعراء والكتّاب والفنانين، سأحرص هنا أيضاً على ألا أخلط بين المودة الشخصية وبين قراءة التجربة الفنية نفسها. فالعلاقة الإنسانية قد تفتح باب الفهم، لكنها لا ينبغي أن تحل محل النظر النقدي إلى العمل، وهذا ما سأحاول الالتزام به في حديثي عن تجربته الفنية.

يحتل صفوان داحول مكانة بارزة في مسار الفن التشكيلي السوري المعاصر نتيجة مشروع فني امتد لأكثر من ثلاثة عقود وارتبط بقدر لافت من الاستمرارية الداخلية. فقد استطاع أن يطوّر لغة بصرية تميزه عن معظم أبناء جيله، وأن يحافظ على تماسك رؤيته رغم التحولات السياسية والثقافية العنيفة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. وتنبع أهمية هذه التجربة من كونها لا تقدم تطوراً أسلوبياً متقطعاً بقدر ما تقدم تعميقاً متواصلاً لعالم فني واحد ظل يتسع ويتحول من الداخل. لذلك تبدو أعماله اليوم وكأنها أجزاء من مشروع طويل النفس، نشأ في ظروف تاريخية مختلفة، واستمر في النمو حتى أصبح أحد أكثر المشاريع التشكيلية المعاصرة تماسكاً ووضوحاً.

ولد صفوان في مدينة حماة عام ١٩٦١، وهي مدينة ستبقى حاضرة في خلفية تجربته وإن كانت نادراً ما تظهر بصورة مباشرة داخل لوحاته. فالنشأة في مدينة تمتلك تاريخاً طويلاً وذاكرة مثقلة بالأحداث الكبرى أسهمت في تشكيل حساسية مبكرة تجاه مفاهيم الذاكرة والزمن والفقد. وإذ يصعب الربط المباشر بين التجربة الشخصية والعمل الفني، فإن التأمل في مسيرته يكشف حضوراً دائماً للانشغال بما يتبقى من التجارب الإنسانية بعد انقضاء أحداثها، أي بالأثر النفسي العميق الذي تستقر عليه الحياة في نهاياتها الصامتة.
ومنذ سنواته الأولى بدت ميوله متجهة نحو التأمل في العالم الداخلي للإنسان أكثر من اهتمامه بتسجيل الوقائع الخارجية أو تمثيلها.

خلال دراسته في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق تعرّف إلى التيارات الرئيسة التي طبعت الفن السوري الحديث، واكتسب معرفة أكاديمية متينة بأسس الرسم والبناء التشكيلي. وفي تلك المرحلة كان المشهد الفني السوري يعيش حراكاً غنياً بين الواقعية والتعبيرية والرمزية واتجاهات الحداثة المختلفة. غير أنه لم ينجذب كثيراً إلى النزعات السردية أو إلى الخطابات الفكرية المباشرة التي كانت حاضرة لدى عدد من الفنانين، وإنما أخذ يتجه تدريجياً نحو منطقة أكثر هدوءاً وأعمق اتصالاً بالأسئلة الوجودية.
كان اهتمامه منصباً على الكيفية التي يترك بها الزمن أثره في الروح الإنسانية، وعلى المشاعر التي تتكون في المناطق الخفية من الوعي حيث تتعذر الحدود الفاصلة بين التذكر والحلم والتأمل.

وقد تعمق هذا الاتجاه مع انتقاله إلى بلجيكا لمتابعة دراساته العليا. هناك وجد نفسه في مواجهة تقاليد فنية مختلفة، وفي قلب بيئة ثقافية تسمح بنقاشات واسعة حول الحداثة والفردانية وعلاقة الفن بالذات الإنسانية. ولم يكن أثر هذه التجربة مقتصراً على الجانب الأكاديمي، وإنما ارتبط أيضاً بخبرة الاغتراب نفسها. فالمسافة التي تنشأ بين الإنسان وبيئته الأولى تمنحه منظوراً مختلفاً إلى الأشياء التي اعتادها، وتجعل الذاكرة أكثر حضوراً في تشكيل رؤيته للعالم. ومن المرجح أن سنوات الإقامة خارج سوريا ساهمت في ترسيخ ذلك الإحساس الهادئ بالمسافة الذي سيصبح لاحقاً أحد الملامح الثابتة في عالمه التشكيلي.

عند عودته إلى دمشق انخرط في الحياة الأكاديمية أستاذاً في كلية الفنون الجميلة، فجمع بين العمل التعليمي والممارسة الفنية. وقد أتاحت له هذه المرحلة موقعاً مؤثراً داخل المشهد التشكيلي السوري، ليس فقط من خلال إنتاجه الشخصي، بل أيضاً عبر مشاركته في تكوين أجيال جديدة من الفنانين. وفي الوقت نفسه استمر مشروعه الفني في التطور بصورة متأنية بعيداً عن النزعات العابرة أو التحولات المفاجئة.

بداية سلسلة «الحلم» ستصبح لاحقاً جوهر تجربته كلها ومحورها الأساسي.
بدأ العمل على السلسلة منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، واستمرت كمشروع مفتوح ومتواصل، حتّى وصلت إلى أرقام متقدمة جداً مثل «حلم ٩٦» عام ٢٠١٥، و «حلم ١١١» في السنوات الأخيرة.
في بداياتها كانت السلسلة أقرب إلى تأمل ذاتي وسيرة داخلية للفنان نفسه. غير أنه أشار إلى أن المشروع كَبرُ مع الزمن ليعكس أبعاداً جماعية وإنسانية أوسع، ولا سيما بعد اندلاع المأساة السورية، حيث بدأت اللوحات تُقرأ لتعبّر عن الخراب والوحدة والفقدان والعزلة.
اللافت في هذه السلسلة أنها تدور تقريباً حول شخصية واحدة متكررة؛ امرأة ذات ملامح حزينة أو شاردة، تظهر في فضاء رمادي أو معتم، محاطة بعناصر قليلة. هذه المرأة ليست شخصية بعينها، بل تحولت مع الوقت إلى كائن رمزي يحمل معاني الحلم والوحدة والانتظار والحزن الإنساني. وقد وصفت بأنها إحدى أكثر الصور رسوخاً في التشكيل السوري الحديث.
يمكن تقسيم تطور السلسلة، على نحو تقريبي، إلى ثلاث مراحل:
في المرحلة الأولى، خلال أواخر الثمانينيات والتسعينيات، كانت اللوحات أقرب إلى التأملات الشخصية والوجودية، مع تأثيرات واضحة من التعبيرية الأوروبية وبعض أصداء لؤي كيالي.
خلال المرحلة الثانية، ازداد الميل إلى الاختزال اللوني، وبدأت المرأة الحاضرة في اللوحات تتحول إلى رمز أكثر تجريداً. هنا ظهرت الأجواء الحلمية المغلقة التي أصبحت السمة الأبرز للمشروع كله.
أما المرحلة الثالثة، التي تزامنت مع سنوات الحرب السورية وما بعدها، فشهدت دخول عناصر جديدة، مثل الطيور، الجماجم، الأجساد المتكسرة، الإحساس بالموت والفقد، ومشاهد أكثر قتامة من السابق. في هذه الفترة لم تعد اللوحات تُقرأ في سيرة فردية فقط، وإنما كمرآة لخراب جماعي واسع.

من وجهة نظري الشخصية، بعيداً عن الوصف الأكاديمي، فإن أهمية «حلم» لا تكمن في موضوعها وحده، بل في نجاح صفوان في تحقيق أمر نادر، لأنه أمضى نحو أربعة عقود وهو يرسم الموضوع نفسه تقريباً، ومع ذلك لا يشعر المتلقي أنه يرى اللوحة مكررة. هناك تغيّر دائم في المعنى، وفي التكوين، وفي الحالة النفسية. المرأة ذاتها تتقدم في العمر معنا، وتحمل أثقالاً جديدة كلما تغير العالم من حولها.
هذه الأعمال تُظهر بوضوح كيف انتقلت السلسلة من الحزن الفردي إلى الحزن التاريخي، ومن التأمل الداخلي إلى ما يشبه المرثية البصرية الطويلة لسوريا وللإنسان المعاصر عموماً.
كثير من النقاد يصفون «حلم» بأنها سلسلة عن الأحلام، لكنني أراها أقرب إلى سلسلة عن الاستيقاظ المؤلم. فالحلم عند صفوان لا يشبه أحلام النوم المريحة، وإنما يشبه تلك المنطقة الرمادية بين النوم واليقظة، حيث تختلط الذكريات بالفقدان، ويصبح الإنسان وحيداً أمام ما خسره أكثر مما يواجه ما يملكه. وهذا، في تقديري، هو السر الحقيقي الذي جعل عالم هذه السلسلة تعيش كل هذا الزمن دون أن تفقد قدرتها على التأثير.

تقوم بنية هذا العالم على حضور الإنسان في لحظات الصمت والانكفاء والتأمل. فالأحداث تكاد تغيب بصورة كاملة، والحركة تُختزل إلى إشارات طفيفة، بينما تتصدر الحالة النفسية مركز المشهد. ولا تعتمد اللوحات على السرد أو التسلسل الدرامي، بل على بناء مناخ داخلي قادر على استثارة التأمل. ويترتب على ذلك أن الزمن نفسه يفقد معناه التقليدي. فالشخصيات لا تبدو وكأنها تعيش لحظة محددة يمكن تأريخها، وإنما تقيم داخل زمن معلق لا بداية واضحة له ولا نهاية متوقعة. وهذه العلاقة الخاصة مع الزمن تمثل إحدى الركائز الفكرية الأهم في مشروعه، لأنها تنقل اللوحة من حيز الحكاية إلى حيز الخبرة الشعورية.

يحتل الجسد موقعاً مركزياً في البناء. فالجسد لا يؤدي دور العنصر التشخيصي وحسب، وإنما يتحول إلى المجال الذي تنعكس عليه آثار الذاكرة والخوف والانتظار والفقد. وتبدو الشخصيات في كثير من الأحيان منحنية أو منكمشة أو مستغرقة في صمتها الخاص، حتى تكاد الإيماءات الجسدية تحل محل اللغة المنطوقة. ومع تراجع أهمية التعبير الوجهي تصبح حركة اليد أو استدارة الكتف أو انحناءة الرأس عناصر أساسية في إنتاج المعنى. ومن خلال هذه اللغة الجسدية المكثفة تتمكن اللوحة من التعبير عن حالات نفسية معقدة من دون الحاجة إلى أي سرد مباشر.

أمّا الشخصية الأنثوية فانّها تبرز باعتبارها العنصر الأكثر حضوراً في هذا العالم البصري. غير أن تكرار ظهورها لا يرتبط بمحاولة رسم نموذج إنساني محدد، وإنما بتطورها التدريجي إلى رمز قادر على استيعاب طيف واسع من الدلالات. فهي تحمل في آن واحد معاني الحضور والغياب، والقوة والهشاشة، والألفة والوحدة. ومع تكررها عبر العقود تتحول إلى مرآة تعكس التحولات العميقة التي تصيب النفس الإنسانية في مواجهتها للزمن والذاكرة والخسارة.

لعل أحد أهم أسرار قوة أعمال صفوان يكمن في ذلك الاقتصاد الشديد الذي يحكم بناءها التشكيلي. فالعناصر محدودة، والتفاصيل قليلة، والفضاءات تبدو في كثير من الأحيان شبه خالية. لكن هذا الاختزال لا يؤدي إلى الفقر البصري، وإنما يمنح كل عنصر داخل اللوحة وزناً مضاعفاً. فالفراغات لا تقل أهمية عن الكتل المرسومة، والصمت البصري يشارك في إنتاج المعنى بقدر مشاركة الشكل نفسه. وكلما تراجعت التفاصيل برزت العلاقات الدقيقة بين العناصر الأساسية للعمل، وتكشفت طبقات جديدة من الدلالة.

خياره اللوني المعروف على صلة بذلك في الواقع، حيث تتكرر التدرجات الرمادية والسوداء والبيضاء على نحو يمنح أعماله وحدة مناخية واضحة. ولا يمكن فهم هذا الخيار في إطار التفضيل الجمالي المجرد، لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الفكرية التي يقوم عليها المشروع. فالتقشف اللوني يحرر العمل من الضجيج البصري، ويدفع الانتباه نحو البنية النفسية العميقة للوحة. كما يمنح الشخصيات والفضاءات طابعاً أقرب إلى الذاكرة منه إلى الواقع المباشر، وأقرب إلى الحلم منه إلى المشهد اليومي العادي.

وتكشف دراسة التكوينات عن حساسية هندسية دقيقة في تنظيم الكتل والعلاقات المكانية. ويمكن تلمس آثار بعيدة لبعض منجزات الحداثة الأوروبية، إلى جانب صلات غير مباشرة بفنون الشرق القديم، غير أن هذه المرجعيات لا تظهر بصورتها الأصلية، بل تذوب في لغة شخصية مستقلة تمكن الفنان من الحفاظ على خصوصيته. ولذلك يصعب رد أعماله إلى مدرسة بعينها أو تصنيفها داخل إطار أسلوبي ضيق، لأن هويتها النهائية تتكون من تفاعل عناصر متعددة أعاد صهرها في بنية متجانسة.

تكتسب هذه التجربة بعداً أكثر تعقيداً عند النظر إليها في ضوء الحرب السورية وما رافقها من تحولات إنسانية عميقة. غير أن قراءة أعمال صفوان من منظور الحرب وحدها تنطوي على قدر من الاختزال، لأن عزلة شخصياته ووحشتها سبقت الحرب بسنوات طويلة. لقد كانت هذه الموضوعات جزءاً من عالمه منذ البدايات، لكنها اكتسبت مع الأحداث اللاحقة أبعاداً جديدة جعلت المتلقي يقرأها في ضوء المأساة السورية.
فالحرب لم تنتج لغته الفنية، وإنما أعادت شحنها بمعانٍ إضافية. ولهذا لا نجد في أعماله انتقالاً مفاجئاً إلى مشاهد الدمار والعنف أو إلى خطاب بصري مباشر عن الصراع. ما نجده هو تعاظم الشعور بالهشاشة الإنسانية، وازدياد كثافة الصمت، واتساع الإحساس بأن الشخصيات فقدت صلتها بالعالم الذي كانت تعرفه. لقد بقي الفنان وفياً لأدواته نفسها، لكنه وجد أن تلك الأدوات باتت قادرة على التعبير عن واقع مختلف وأكثر قسوة.

ومن هنا اكتسبت فضاءاته المغلقة دلالات جديدة. فالغرف الغامضة والأسرة والنوافذ والعناصر المحدودة التي تتكرر في أعماله لم تعد تُقرأ باعتبارها مفردات تشكيلية فقط، وإنما كتعبيرٍ عن تجربة إنسانية معقدة تتصل بفقدان الأمان وانكسار اليقين. وكثيراً ما تبدو الشخصيات وكأنها تعيش داخل أماكن انتقالية لا تنتمي إلى جغرافيا محددة، الأمر الذي يعزز الإحساس بالاقتلاع وعدم الاستقرار.

أما الاغتراب في مشروع صفوان فيتجاوز المعنى المرتبط بالعيش خارج الوطن. إنه حالة وجودية تسبق المنفى وتستمر بعده. فالشخصيات تبدو منفصلة عن العالم حتى عندما تكون داخله، وصامتة حتى عندما تحتل مركز اللوحة. غير أن تجربة الابتعاد عن سوريا وما أعقبها من تحولات تاريخية منحت هذا الاغتراب بعداً واقعياً إضافياً. فقد أصبحت العلاقة بالمكان محكومة أكثر فأكثر بمنطق الذاكرة، وغدا الحضور الجسدي في مكان ما مترافقاً مع حضور وجداني في مكان آخر.

وللذاكرة هنا أهمية محورية. فالأماكن التي كانت جزءاً من الحياة اليومية تتحول تدريجياً إلى صور محفوظة في المخيلة، والصور بدورها تتعرض للتبدل وإعادة التشكيل مع مرور الزمن. ولهذا تبدو بعض أعماله المتأخرة مشغولة باستعادة ما تعذر الاحتفاظ به أكثر من انشغالها بما هو قائم في الحاضر. ويصبح الحلم، في هذا السياق، منطقة التقاء بين الواقع المفقود والواقع الممكن، بين ما عاشه الإنسان فعلاً وما يحتفظ به في أعماقه بعد أن يتغير كل شيء من حوله.
لذلك لا تتعامل لوحاته مع المأساة عبر مظاهرها الخارجية، وإنما عبر آثارها البعيدة التي تستقر في النفس الإنسانية. إنها تتابع ما يتركه الفقد في الروح، وما يخلقه الرحيل من فراغات، وما تفعله القطيعة الطويلة مع الأماكن والأشخاص في بناء الذاكرة الفردية.
ومن خلال هذا المنظور تتحول تجربة الحرب من حدث تاريخي خاص إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

عند النظر إلى مجمل تجربة صفوان داحول يتضح أن السيرة الشخصية والمسار الفني لا يسيران في خطين منفصلين، بل يتداخلان باستمرار داخل نسيج واحد. فالفنان الذي ولد في حماة، ودرس في دمشق، وعايش تجربة التكوين في أوروبا، وأسهم في الحياة الأكاديمية السورية، وشهد التحولات العاصفة التي مرت بها بلاده، لم يحوّل تلك الخبرات إلى وقائع مرسومة أو شهادات مباشرة، وإنما تركها تتراكم ببطء داخل عالم رمزي شديد الخصوصية. ومن هذا التراكم نشأ مشروع تشكيلي استثنائي استطاع أن يجمع بين التأمل الفلسفي والعمق النفسي والانضباط البصري، وأن يحوّل الخبرة الفردية إلى تجربة إنسانية واسعة الأفق.
لهذا يحتفظ صفوان بمكانته كواحد من أبرز الفنانين المعاصرين، وصاحب مشروع فني أثبت أن اللوحة تستطيع أن تكون مساحة للتفكير في الإنسان بقدر ما هي مساحة للرؤية والتشكيل.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا، لقد افترقنا في مكان ما من الطريق.
- منير الشعراني يُعيدُ اختراع الحرف العربي
- فيلم هوب: محاولة صغيرة للحياة وسط الخراب
- المينيبوز عوضاً عن سن اليأس
- تعقيب وتوضيح لا بد منهما
- بين الخطاب الفقهي والمعرفة الطبية والتشكّل الثقافي للمتعة ال ...
- ما هو الجانب الخطير في الإتفاق الأمريكي الدانماركي الغرينلند ...
- لماذا أكتب؟
- الانطفاء
- الإنكماشٌ الوجودي الشامل لمسيحيي سوريا
- مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
- أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
- المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
- نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
- طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - قراءة في عالم صفوان داحول من خلال عزلة «الحلم»