أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - سوريا، لقد افترقنا في مكان ما من الطريق.















المزيد.....

سوريا، لقد افترقنا في مكان ما من الطريق.


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 22:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم أكن يوماً صالحاً للسياسة أو لمجادلاتها. وليس لهذا خُلقتُ، أو هكذا شعرتُ دائماً ومازلتُ. تركتُ تلك المهارات منذ سنوات شبابي الأولى للأذكياء ولمن يحترفونها. أما أنا فانصرفتُ إلى الحب، بمعناه الواسع الذي يشمل كل ما يجعل الإنسان إنساناً. وقلت لنفسي ذات مرّة وأُكرّرها إلى اليوم «أنا معارض، حتى للمعارضة». ثم عدت إلى عالمي الصغير؛ إلى رسم لوحة، أو كتابة قصة أو رواية، إلى مشاهدة فيلم، أو الإصغاء إلى مقطوعة موسيقية عابرة، أو قضاء ساعات في المطبخ، مساحتى المفضّلة. كنت أظن أن ذلك يكفي، وأن بوسعي أن أعبر هذه الحياة متكئاً على الجمال وحده.
غير أن الإنسان لا يختار دائماً الموضوعات التي يكتب عنها. أحياناً تكون هناك جراح قديمة تكتب نفسها بنفسها، مهما حاول صاحبها الانشغال عنها.

وهكذا أجدني أعود إلى سوريا.
لا إلى سوريا الخرائط والأعلام والخطب الرسمية، بل إلى سوريا التي سكنتني زمناً طويلاً ثم غادرتني قطعةً قطعة، بعد زيارتين يتيمتين، في الأولى كان الأسد الأب حاكماً وصوره تملأ الشوارع والدوائر وسيّارات التاكسي مصحوباً بشعارات حماسية، وفي الثانية أُضيفت صور وريثه بنفس الحجم وازدادت الشعارات. أطفالي كانوا يعتقدون إنهما نجوم سينما.
سوريا التي نالت استقلالها ولم تعرف معنى الاستقلال كاملاً، والتي بدت أحياناً كأنها تنتقل من يد إلى يد، ومن وصاية إلى وصاية، فيما كان أبناؤها يزدادون وحدةً وخيبةً وابتعاداً عنها.

أنا ابن مرحلة طويلة من تاريخ سوريا، وحين أقول سوريا فأنا لا أقصد ذلك الشكل الضيق الذي انتهت إليه الخرائط الحديثة، بل تلك البلاد الأوسع التي كانت أكبر من حدودها، وأكثر رحابةً من الكيانات التي رسمتها القوى المنتصرة على موائد السياسة.

بعد رحيل الانتداب الفرنسي، وبرغم الانقلابات العسكرية المتلاحقة، كان هناك شيء ضئيل يشبه الحياة السياسية ورائحة تشبه الديمقراطية، شيء باهت لكنه موجود. ثم دخلت البلاد في ذلك الاتحاد العجيب مع مصر، ومنذ ذلك الوقت راحت تنحدر في نفق طويل من الحكم العسكري والانقلابات والشعارات والفساد والثورات التي كانت تعد بالخلاص وتنتهي إلى مزيد من الخراب.

نالت سوريا استقلالها ولم تنله حقاً. كان مصيرها أن تبقى ساحةً مفتوحةً لتجارب الآخرين، تتنازعها القوى الدولية والإقليمية، وتتعاقب عليها الأنظمة والأجهزة والمشروعات المتناقضة. وكل سلطة جاءت كانت تعد الناس بمستقبل جديد، لكنها كانت تترك وراءها وطناً أكثر تعباً.

واليوم، حين أنظر إلى المشهد، لا يفزعني فساد الحكّام وحده، ولا ذلك الجوع المزمن إلى السلطة الذي ما إن يُشبع أصحابه حتى يتحولوا إلى طبقة مترفة، تتأنق ببزّات الأرماني، وتثقل معاصمها بساعات الروليكس، وتنتفخ بطونها يوماً بعد يوم. يتنقلون بين الولائم والزيارات الرسمية في مواكب طويلة من الحافلات والسيارات اللامعة تحت شمس البلاد، فيما يبحث أطفال في الشوارع الخلفية، على بعد أمتار فقط، بين أكوام القمامة عن كسرة تسدّ جوعهم. مشهدان يعيشان في البلد ذاته، لكن كأن بينهما قارة كاملة من اللامبالاة.

إنّ البلد الذي يضيف أبناؤه إلى اسم رجل لم ينتخبوه عبارات من قبيل «فخامة الرئيس» و«قائدنا إلى الأبد»، إنما يتنازل طوعاً عن كرامته قبل أن يتنازل عن حريته. وحين يستسلم الناس لهذا القدر من الخضوع، يصبح الموت الرحيم أقل قسوة من حياة تُدار على هذا النحو.
ومن تزوّج أمّك، لا تسمّه «عمّي»، رجاءً.

مع ذلك، فإن كل هذا، على فداحته، يبدو عارضاً إذا ما قورن بما يُزرع بصبر داخل الرؤوس. ما يقلقني حقاً ليس الخراب المرئي، بل ذلك الاستثمار الطويل في الكراهية، وذلك الإصرار المنهجي على تربية أجيال كاملة على الشك بالآخر والخوف منه، وعلى النظر إليه كعدوٍ قبل أن يكون إنساناً. فالحجر المهدّم يمكن أن يُعاد بناؤه، والمدن المحترقة يمكن أن تنهض من رمادها، أما النفوس التي أُفسدت عمداً فغالباً ما تحتاج إلى عقود طويلة كي تتعلم من جديد كيف ترى الناس بشراً لا أعداء.

أشاهد بلداً يتراجع فيه معنى المواطنة لحساب الطائفية والعصبيات الضيقة، وتُستبدل فيه فكرة العيش المشترك بخطابات تتغذى من الخوف والضغينة. ولهذا فإن الخطر الذي أراه لا يكمن فيما يُنهب اليوم فقط، بل فيما يُزرع للأعوام القادمة. الأطفال الذين يُربَّون على كراهية المختلف عنهم، سيحملون هذا الخراب معهم أينما ذهبوا، وسيصبح الإرهاب السلعة السورية الأهم للتصدير إلى المهرجانات والأسواق المحتفية بأعياد الميلاد ونهاية السنة في أوروبا.

وحين أفكر في البلد الذي عرفته يوماً، أشعر أن أكثر ما تحطم ليس المدن ولا المؤسسات، بل الروابط الخفية التي تجعل الناس شعباً واحداً. صارت المدينة تكره المدينة المُجاورة، وصار الحي يخاف الحي، والشارع يرتاب من الشارع، والجار ينظر إلى جاره بعين الشك. وحتى داخل العائلة الواحدة ارتفعت الجدران الصامتة بين أفرادها. كأن الجميع تحولوا إلى جزر معزولة تتآكلها المرارة.

لهذا أجد نفسي اليوم عاجزاً عن استحضار ذلك الحب القديم كما كان. لا أقول إنه اختفى تماماً، فثمة بقايا صغيرة ما زالت تقاوم في مكان ما من الذاكرة. هناك وجوه أحبها، وأصدقاء وأقارب وذكريات لا أستطيع التنكر لها. لكن الوطن نفسه غدا شيئاً بعيداً، شيئاً أفلت من يدي وأنا أراقبه من بعيد.

أحياناً أشعر أن خسارتي الحقيقية ليست خسارة بلد، بل خسارة الانتماء إليه. كأن الصلة التي كانت تربطني بالمكان قد انقطعت بهدوء، من دون ضجيج أو إعلان. صرت رجلاً بلا وطن واضح، أحمل ذكريات وطن أكثر مما أحمل الوطن نفسه.

وسأبقى، على الأرجح، غريباً حيث أنا. وبعد كل هذه السنوات، أينما كنتُ، مازال ينتظرني السؤال ذاته: من أي بلد أنت؟ سؤال بسيط بالنسبة إلى الآخرين، لكنه بالنسبة إليّ يشبه الوقوف أمام قبر مفتوح. ماذا أجيب؟ هل أقول إنني من وطن لم يمت تماماً ولم يبقَ حياً؟ من مكان مازالت خرائطه موجودة بينما تتلاشى روحه يوماً بعد يوم؟

لن أعود. ليس خوفاً، ولا كرهاً، بل لأن العودة تفترض وجود شيء نعود إليه. أما أنا فأشعر أن البلد الذي غادرته لم يعد هناك، وأن الشخص الذي كان ينتمي إليه لم يعد موجوداً هو الآخر. لقد افترقنا في مكان ما من الطريق، ومضى كل منا في جهته.

لم أخسر بيتاً أو مدينةً أو جنسيةً فحسب، بل خسرت ذلك اليقين البسيط الذي يمنح الإنسان جواباً حين يُسأل: من أنت؟

أنا، أيّها الأصدقاء، أو ما تبقّى لي من أصدقاء، أحمل غربتي كما يحمل المرء ظله. وحين يُسأل عن بلده، لا يبحث في الجغرافيا ولا في الخرائط، بل في الذاكرة. والذاكرة، كما أعرف الآن، ليست وطناً. إنها مجرد مكان نجلس فيه وحيدين لنحصي ما فقدناه.
إن كان الوطن أمّاً، فكيف يُفترض بنا أن نشعر حين نكتشف أنّهم حوّلوها إلى عاهرةٍ يتعاقبُ على جسدها أبناؤها قبل غرباء العالم؟

هذا هو الأسى الذي أحمله في هدوء عزلتي الجميلة.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منير الشعراني يُعيدُ اختراع الحرف العربي
- فيلم هوب: محاولة صغيرة للحياة وسط الخراب
- المينيبوز عوضاً عن سن اليأس
- تعقيب وتوضيح لا بد منهما
- بين الخطاب الفقهي والمعرفة الطبية والتشكّل الثقافي للمتعة ال ...
- ما هو الجانب الخطير في الإتفاق الأمريكي الدانماركي الغرينلند ...
- لماذا أكتب؟
- الانطفاء
- الإنكماشٌ الوجودي الشامل لمسيحيي سوريا
- مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
- أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
- المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
- نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
- طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين


المزيد.....




- الأردن.. استنفار أمني في مادبا بسبب حقيبة مشبوهة
- فرنسا.. سرقة 133 مليون دولار من العملات المشفرة من مصرف بهجو ...
- كوريا الشمالية تختبر منظومة دفاع جوي جديدة تعتبرها -الأحدث- ...
- هزيمة ترامب تقلب حسابات أوروبا.. هل يصبح الرئيس الأميركي أكث ...
- اكتشاف يثير الدهشة في بولندا.. قارض نادر شبه منقرض يصل من فر ...
- الاتحاد الأوروبي يضع تركيا وصربيا وجورجيا تحت الضغط.. التواف ...
- مدريد تستضيف القمة الإيبيرية-الأمريكية الـ30 بمشاركة تكتل من ...
- المصري يتعادل مع منتخب السويس بتروجت في كأس الرابطة
- أبو ريدة يهنئ منتخب مصر للناشئين بلقب كأس الخليج
- منتخب مصر يهيمن على جوائز الأفضل في كأس الخليج للناشئين


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - سوريا، لقد افترقنا في مكان ما من الطريق.