منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 12:06
المحور:
الادب والفن
هناك أفلام عظيمة نخرج منها معجبين، وأفلام مهمة نخرج منها مفكرين، وأفلام مؤثرة نخرج منها حزينين. لكن نادراً ما نصادف فيلماً يجرّدنا من دفاعاتنا الداخلية كلها ويعيدنا إلى هشاشتنا الإنسانية الأولى كما يفعل فيلم اليوم.
أيضاً، هناك أفلام نشاهدها، وأفلام ندخل إليها، وأفلام نادرة تدخل إلينا وتستقر في مكان يصعب انتزاعها منه. وهذا الفيلم ينتمي بلا شك إلى الفئة الأخيرة. ليس لأنه فيلم جميل بالمعنى المريح للكلمة، بل لأنه فيلم صادق إلى درجة مؤلمة، صادق بحيث لا يترك للمشاهد مكاناً آمناً يختبئ فيه، ولا يمنحه المَخرج السهل الذي اعتادت السينما أن تمنحه لنا في مواجهة المآسي الكبرى. إنه فيلم يُعاش.
على امتداد مسيرتي المتواضعة كناقد سينمائي، وأيضاً كمحبّ مزمن للسينما، شاهدت آلاف الأفلام. وصدقوني، ليست هذه مبالغة بل حقيقة حرفية. رأيت أعمالاً خالدة وأخرى منسية، أفلاماً أدهشتني فكرياً وأخرى أبهرتني جمالياً، لكن قليلاً جداً منها استطاع أن يتركني في حالة الانكسار العاطفي التي تركني فيها هذا الفيلم الكوري الجنوبي من عام ٢٠١٣ Hope، أو So won باسمه الكوري، للمخرج لي جون إيك.
عدت إلى مشاهدة الفيلم بعد أكثر من عقد من المرة الأولى التي شاهدته فيها عام ٢٠١٤، فوجدته هذه المرة أكثر إيلاماً وأعمق أثراً. وربما يعود ذلك، جزئياً، إلى أنني لم أعد أشاهده فقط بعين الناقد، بل أيضاً بعين الجدّ. فاليوم لدي خمسة أحفاد، من بينهم فتاتان ليستا بعيدتين في العمر عن بطلة الفيلم الصغيرة. لذلك فإن ما سأقوله هنا لا يدخل في باب المبالغة أو التأثر العابر عندما أعترف بأن هذا العمل هزني من أعماقي وجعلني أبكي بحرقة لم أعرفها من قبل أمام فيلم سينمائي.
الفيلم مبني على قصة حقيقية هزت كوريا الجنوبية عام ٢٠٠٨، قصة الطفلة سو وون (بعمر ٨ سنوات) التي تعرضت لاعتداء جنسي وجسدي وحشي غيّر حياتها وحياة عائلتها إلى الأبد، خاصّة أن طاقم الجراحة أزال قسماً من القولون، وركّب لها شرجاً إصطناعياً، أو كيس فغرة القولون (Colostomy Bag).
والمخرج لي جون إيك لم يأخذ هذه القصة ليصنع منها فيلماً عن الضحية، ولا فيلماً عن الانتقام، ولا حتى فيلماً عن الأمل بالمعنى المباشر. هو صنع فيلماً عن ما يحدث بعد أن ينتهي كل شيء. عن الفراغ الذي يتركه الحدث في النفس، وعن العائلة التي تجد نفسها فجأة داخل حياة لم تطلبها ولم تستعد لها، وعن محاولاتها المتعثرة والمرهقة والمهينة أحياناً أن تعيد بناء شيء يشبه الحياة.
ما يجعل هوب مختلفاً عن معظم الأفلام التي تناولت الصدمة هو أنه يرفض أن يخفف عنك. لا يقدم لك لحظة علاجية مريحة، ولا خطاباً فلسفياً يشرح لك معنى الألم، ولا حتى مشهداً تطمئن فيه إلى أن كل شيء سيكون على ما يرام. بدلاً من ذلك، يجلس الفيلم مع الألم كما يجلس الأب دونغ هون في ممر المستشفى، عاجزاً عن لمس ابنته التي ترتجف رعباً من الرجال، حتى من أبيها. هذه هي الصورة التي تبقى، وليست صورة الحادث نفسه. المخرج يدرك أن الرعب الحقيقي يكمن في ما تبقى بعد ما حدث.
المفارقة أن هوب ليس فيلماً عبقرياً بالمعنى التقني الذي يتباهى به النقاد عادةً. ليس فيلماً مليئاً بالتجريب السينمائي، ولا يقدّم لغة سينمائية ثورية، ولا يدّعي أنه تحفة فلسفية معقدة. قوته تأتي من شيء أصعب بكثير. في الصدق الذي يجعل المشاهد يشعر ويختبر جرحاً إنسانياً حقيقياً.
وهنا تكمن براعة الفيلم. لأنه لو كان فيلماً عن الحادث، لكان استغلالياً بسهولة. لكنه فيلم عن ما بعد الحادث، وهذا يجعله أكثر إنسانية وأكثر قسوة في الوقت نفسه. المشاهد الصادمة ليست موجودة أصلاً، لأن المخرج يعرف أن الكاميرا إذا تجرأت على الاقتراب من هناك، فإنها تفقد حقها في احترام الضحية. بدلاً من ذلك، يركز على التفاصيل الصغيرة، على النظرات، على الصمت، على محاولات الأب أن يكون موجوداً في عالم ابنته دون أن يسبب لها الرعب. وفي واحدة من أكثر اللحظات التي لا تُنسى، يضطر الأب إلى ارتداء زي شخصية كرتونية، تُحبّها إبنته، ليتمكن من التواصل معها. هذا ليس مشهداً مؤثراً بالمعنى الميلودرامي، بل هو مشهد عن موت الأبوة وتولدها من جديد. الأب هنا لا يقاتل من أجل العدالة فقط، إنّه يقاتل من أجل أن يكون أباً مرة أخرى.
الأداء التمثيلي في الفيلم هو ما يجعل هذه الرحلة قابلة للتحمل. الطفلة لي ري، التي كانت صغيرة جداً حينها، قدمت أداءً بعمق غير عادي لمن هم في سنها، نقلت الجروح الناتجة عن صدمة لا يمكن تصورها، بصدق لا يبدو مُداراً أو مُلقناً. وسول كيونغ غو، في دور الأب، لم يقدم أداءً عاطفياً صارخاً، بل أداءً مكتوماً، مليئاً بالعجز والغضب والصمت، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بثقل المسؤولية التي يحملها رجل لا يملك أي وسيلة حقيقية لإنقاذ ما تبقى. وهناك أيضاً أداء الأم، الذي يذكرنا بأن الصدمة تلتهم كل من حولها.
ما يدهشني في هوب هو طريقة تصويره للأسرة. الأب ليس بطلاً خارقاً، ولا الأم قديسة منزهة عن الانهيار. كلاهما يتعثر. كلاهما يغضب. كلاهما ينهار. وكلاهما يحاول النهوض مرةً أخرى. لهذا نشعر بحقيقة هذه الاسرة. فهي بعيدة عن شخصيات مكتوبة لإلقاء الدروس الأخلاقية، هم بشر يسيرون وسط حطام عاطفي هائل ويحاولون التقاط ما تبقى من حياتهم.
أما الطفلة سو وون نفسها فهي قلب الفيلم النابض. في كثير من الأفلام التي تتناول المآسي يصبح الضحايا مجرد رموز. أما هنا فهي تبقى طفلة. تخاف، تغضب، ترفض، تبتسم، وتعاند. إنسانيتها لا تذوب داخل المأساة، وهذا ما يجعل المشاهد يتعلق بها إلى هذا الحد.
ومن أكثر الأشياء التي جعلتني أقدّر الفيلم هو رفضه للاستسلام لليأس. أي كاتب متوسط الموهبة كان سيغرق في البكائية ويحوّل العمل إلى ساعتين من التعذيب العاطفي للمشاهد. لكن هوب يختار طريقاً آخر. إنه يقول إن الألم لا يختفي. كما إن العدالة ليست دائماً كاملة، والجروح لا تلتئم كما في القصص الخيالية، لكن الإنسان قادر على إيجاد مساحة صغيرة للحياة وسط الخراب.
السينما التي تتناول معاناة الأطفال تقع غالباً في أحد فخين؛ إما أن تتحول إلى خطاب أخلاقي يرفع الشعارات، أو إلى استثمار رخيص للدموع.
هوب ينجو من الفخين معاً. فبرغم أن قصته مستوحاة من جريمة حقيقية، إلا أن المخرج لي جون إيك لا يجعل الجريمة محور الفيلم الأساسي. الجريمة تقع مبكراً، ثم تتراجع إلى الخلفية. ما يهمه حقاً ليس الفعل الإجرامي نفسه، بل ما يفعله ذلك الفعل بحياة أسرة كاملة. كيف تستيقظ أم في اليوم التالي؟ كيف ينظر أب إلى ابنته وهو يشعر بالعجز؟ وكيف يواصل طفل حياته بعدما اكتشف مبكراً إلى هذا الحد أن العالم ليس آمناً؟
وهنا أصل إلى السبب الذي يجعل كثيرين يبكون مع هذا الفيلم بطريقة غير متوقعة. البكاء هنا قد لا يرتبط بالحادثة نفسها فقط. هناك أفلام أكثر رعباً وقسوة. ما يفجّر الدموع هو رؤية الحب الإنساني وهو يحاول إصلاح ما لا يمكن إصلاحه. الأب وهو يحاول أن يكون قوياً رغم عجزه. الأم وهي تقاتل من أجل ابنتها فيما هي نفسها تحتاج إلى من ينقذها. والطفلة التي تحاول أن تتصالح مع عالم خان براءتها.
الفيلم فاز بجائزة أفضل فيلم في جوائز التنين الأزرق عام ٢٠١٣، ليس لأنه فيلم مريح، بل لأنه فيلم صادق. والصدق في السينما نادر، لأن الصدق الحقيقي لا يحاول أن يرضيك، ولا أن يجعل الألم مفهوماً، ولا أن يمنحك إجابة. هو فقط يضعك أمام ما حدث، ويتركك تتعامل معه كما تستطيع. ولهذا بكيتُ على ما أعتقد. لأن الفيلم لا يعد بشيء. هو يقول لي إن الأمور قد تتحسن، لكن ليس تلقائياً وليس سحرياً. يجب على الكثير من الناس أن يبذلوا الكثير من العمل لإعادة تأهيل هذه الأسرة المحطمة، وأن هذا العمل مؤلم ومهين وطويل.
الجروح لا تلتئم أبداً، بل تتعلم فقط كيف تتعايش معها.
أذكر دائماً أن السينما الكورية تمتلك موهبة نادرة في الجمع بين الميلودراما والواقعية. كثير من السينمات تقع في فخ الابتزاز العاطفي عندما تتناول مآسي الأطفال. أما هوب فيمشي على حافة هذا الفخ دون أن يسقط فيه. نعم، الفيلم يريدك أن تبكي، لكنه يمنحك أسباباً حقيقية للبكاء، لا مجرد أزرار عاطفية رخيصة يضغط عليها.
ولو تحدثت بصفتي ناقداً سينمائياً فسأقول إن الفيلم ليس مثالياً. هناك لحظات يقترب فيها من الميلودراما التقليدية، وبعض المشاهد مصممة بوضوح لزيادة التأثير العاطفي. لكن بصفتي متلقياً، وهي الصفة الأهم في النهاية، لا أستطيع أن أستخدم هذه الملاحظات ضده كثيراً. لأن السؤال الحقيقي هو في «هل الفيلم كامل؟» لكن في «هل أصاب الهدف الإنساني الذي انطلق نحوه؟». والإجابة عندي نعم، وبقوة.
أعتقد أن أكثر ما يبقى في الذاكرة بعد انتهاء هوب، علاوة على الصدمة، هو ذلك الإحساس العميق بأن الخير البشري ما زال موجوداً رغم كل شيء.
الخير الصغير اليومي. أب يحتضن ابنته، أم ترفض الاستسلام، وأشخاص يحاولون إعادة بعض الضوء إلى حياة طفل جُرّد ظلماً من جزء من طفولته.
هوب ليس فيلماً يمكن الاستمتاع به، بل تجربة تُعاش، ولهذا بقي معي كل هذه السنوات، ولهذا سيبقى.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟