أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - الهجرة الى وسط إفريقيا والهجرة بين الأقاليم الوطنية: تحولات الهوية والانتماء والذاكرة الثقافية دراسة في الأدب المقارن والنقد الثقافي الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....


الهجرة الى وسط إفريقيا والهجرة بين الأقاليم الوطنية: تحولات الهوية والانتماء والذاكرة الثقافية دراسة في الأدب المقارن والنقد الثقافي الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 13:54
المحور: الادب والفن
    


الملخص
يتناول هذا البحث الهجرة داخل دول إفريقيا الوسطى، والهجرة الداخلية بين الأقاليم المختلفة في الدولة الواحدة، بوصفهما ظاهرتين تسهمان في إعادة تشكيل العلاقات الثقافية والاجتماعية، وتؤثران في مفاهيم الهوية والانتماء والذاكرة الثقافية.
وينطلق البحث من فرضية أن الهجرة لا تعني مجرد انتقال السكان من مكان إلى آخر، بل تمثل تجربة ثقافية معقدة تتداخل فيها الذاكرة المحلية مع التحولات الاجتماعية، وتعيد من خلالها الجماعات المهاجرة بناء علاقاتها بالمكان واللغة والتاريخ.
ويركز البحث على التفاعل بين الهجرة العابرة للحدود الوطنية والهجرة الداخلية، مع الاستفادة من السياق الكاميروني بوصفه نموذجًا تتجاور فيه جماعات لغوية وثقافية متعددة، وتتداخل فيه الهجرات المرتبطة بالعمل والتعليم والتجارة والنزوح.
ويعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي والمقارن، مستفيدًا من مفاهيم الهوية الثقافية والذاكرة الجمعية والهجنة الثقافية والنقد الثقافي. ويخلص إلى أن الهجرة داخل إفريقيا الوسطى تمثل مجالًا مهمًا لإعادة التفكير في مفهوم الانتماء، وفي العلاقة بين الهوية المحلية والهوية الوطنية والهوية الإفريقية المشتركة.
الكلمات المفتاحية: الهجرة الإفريقية، إفريقيا الوسطى، الهجرة الداخلية، الهوية الثقافية، الذاكرة الجمعية، الانتماء، النقد الثقافي.
Abstract
This study examines migration within Central Africa and internal migration between regions of the same country as processes that reshape cultural and social relations and transform notions of identity, belonging, and cultural memory.
It argues that migration is not merely the movement of people from one place to another, but a complex cultural experience in which local memory interacts with social change, prompting migrant communities to renegotiate their relationships with place, language, and history.
The study focuses on the interaction between cross-border and internal migration, using Cameroon as a relevant context characterized by linguistic and cultural diversity and by migration linked to employment, education, trade, and displacement.
Adopting de--script--ive, analytical, and comparative approaches, the research draws on theories of cultural identity, collective memory, cultural hybridity, and cultural criticism. It concludes that migration within Central Africa provides an important framework for reconsidering local, national, and continental belonging.
Keywords: African migration, Central Africa, internal migration, cultural identity, collective memory, belonging, cultural criticism.
المقدمة
تُعد الهجرة من الظواهر التي أسهمت في تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإفريقية، إذ لم تقتصر آثارها على انتقال السكان بين الدول، بل امتدت إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الجماعات المحلية، وتحولات اللغة، والذاكرة، والانتماء.
وتكتسب الهجرة داخل إفريقيا الوسطى أهمية خاصة؛ لأنها تحدث في فضاء تتداخل فيه الحدود السياسية مع الامتدادات التاريخية والثقافية للجماعات السكانية. فقد تعيش جماعة لغوية أو إثنية واحدة في أكثر من دولة، بينما قد تتعدد الجماعات التي تنتمي إلى إقليم واحد داخل الدولة نفسها.
ومن هنا، فإن الانتقال من دولة إلى أخرى داخل إفريقيا الوسطى لا يعني بالضرورة الانتقال إلى ثقافة غريبة تمامًا، كما أن الانتقال بين إقليمين داخل الدولة الواحدة لا يعني بالضرورة البقاء داخل المجال الثقافي نفسه.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في المجتمعات التي تتعدد فيها اللغات والعادات والذاكرات المحلية، حيث يجد المهاجر نفسه أمام سؤال مركب: هل ينتمي إلى جماعته الأصلية، أم إلى الإقليم الذي يقيم فيه، أم إلى الدولة التي يحمل جنسيتها، أم إلى فضاء إفريقي أوسع؟
ولا تتوقف هذه الأسئلة عند المهاجر نفسه، بل تمتد إلى المجتمع المضيف، الذي يعيد بدوره تعريف علاقته بالوافدين، ويعيد النظر في مفاهيم المواطنة والاختلاف والتعايش.
ومن هذا المنطلق، يسعى البحث إلى دراسة الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية بوصفهما تجربتين متداخلتين في تشكيل الهوية الثقافية والذاكرة الجمعية.
إشكالية البحث
تتمثل إشكالية البحث في كيفية تأثير الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية في إعادة تشكيل الهوية والانتماء والذاكرة الثقافية، وفي الكيفية التي تعيد بها الجماعات المهاجرة بناء علاقاتها بالمكان والمجتمع المضيف.
وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الآتية:
1. كيف تؤثر الهجرة داخل إفريقيا الوسطى في العلاقات بين الجماعات التي تتقاسم امتدادات لغوية وثقافية عابرة للحدود؟
2. ما أوجه الاختلاف بين الهجرة العابرة للحدود والهجرة بين الأقاليم داخل الدولة الواحدة؟
3. كيف تسهم الهجرة في إعادة تشكيل الهوية المحلية والوطنية والإفريقية؟
4. ما دور الذاكرة الثقافية واللغة والعادات في الحفاظ على الانتماء لدى الجماعات المهاجرة؟
5. كيف يعالج الأدب الإفريقي تجارب الهجرة والاغتراب والتفاعل الثقافي داخل القارة؟
أهداف البحث
يهدف البحث إلى:
• تحليل العلاقة بين الهجرة والتحولات الثقافية في إفريقيا الوسطى.
• دراسة أثر الهجرة الداخلية في تشكيل الهوية والانتماء.
• الكشف عن دور الذاكرة الثقافية في الحفاظ على الروابط بين المهاجرين ومجتمعاتهم الأصلية.
• تحليل العلاقة بين الاختلاف الثقافي والتعايش داخل المجتمعات المضيفة.
• إبراز دور الأدب الإفريقي في تمثيل تجارب الهجرة الداخلية والبينية.
منهج البحث
يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي والمقارن، مستفيدًا من نظريات الهوية الثقافية والذاكرة الجمعية والهجنة الثقافية والنقد الثقافي.
كما يتبنى مقاربة متعددة المستويات، تميز بين الهجرة العابرة للحدود الوطنية والهجرة الداخلية بين الأقاليم، وتدرس العلاقة بينهما من منظور ثقافي وأدبي.
المبحث الأول: الهجرة داخل إفريقيا الوسطى وتحولات المجال الثقافي
1. إفريقيا الوسطى بوصفها فضاءً للتفاعل الثقافي
تتميز إفريقيا الوسطى بتعدد الجماعات اللغوية والثقافية، وبوجود علاقات تاريخية بين المجتمعات التي تعيش في الدول المتجاورة.
ولا تتطابق الحدود السياسية دائمًا مع الامتدادات التاريخية للجماعات السكانية، الأمر الذي يجعل بعض الهجرات العابرة للحدود أقرب إلى إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية والثقافية منها إلى الانتقال بين عالمين منفصلين.
وقد أسهمت التجارة، والرعي، والزراعة، والتعليم، والعمل، في نشوء علاقات متبادلة بين المجتمعات المختلفة.
ومع تطور الدول الحديثة، أصبحت هذه الحركات تخضع لحدود سياسية وقانونية جديدة، وهو ما أوجد توترًا بين الانتماءات المحلية الممتدة والحدود الوطنية.
ومن هنا، يمكن دراسة الهجرة داخل إفريقيا الوسطى باعتبارها تجربة تكشف عن العلاقة المعقدة بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الثقافية.
2. الهجرة بين الجماعات ذات الامتدادات الثقافية المشتركة
قد تنتقل جماعة سكانية من دولة إلى أخرى، مع احتفاظها بلغتها أو بعض تقاليدها أو روابطها العائلية.
غير أن هذا الانتقال لا يعني أن الجماعة تظل ثابتة ثقافيًا؛ إذ تتأثر بالمجتمع الجديد، وتعيد تشكيل علاقاتها به، وقد تتغير بعض ممارساتها الاجتماعية واللغوية.
كما أن الاشتراك في اللغة أو الأصل الثقافي لا يضمن بالضرورة سهولة الاندماج، لأن الاختلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تؤثر في تجربة المهاجر.
وبذلك، تصبح الهجرة مجالًا لإعادة التفاوض حول معنى الانتماء، لا مجرد امتداد آلي لهوية سابقة.
3. الحدود السياسية والذاكرة الثقافية
تؤدي الحدود السياسية دورًا مهمًا في تنظيم حركة السكان، لكنها لا تمحو بالضرورة الذاكرة الثقافية المشتركة بين الجماعات التي تعيش على جانبيها.
وقد تستمر الروابط العائلية واللغوية والاجتماعية عبر الحدود، من خلال الزيارات والتجارة والاتصال والتبادل الثقافي.
وتكشف هذه الروابط عن أن الذاكرة الثقافية قد تتجاوز المجال الوطني، وتستمر في تشكيل علاقات الجماعات المهاجرة بمجتمعاتها الأصلية.
ومع ذلك، فإن استمرار الذاكرة المشتركة لا يعني غياب التحولات؛ إذ يمكن أن تتغير اللغة والعادات وأنماط الانتماء نتيجة الإقامة الطويلة في مجتمع جديد.
المبحث الثاني: الهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية وتحولات الهوية
1. الدولة الواحدة والتعدد الثقافي
قد تضم الدولة الواحدة أقاليم تختلف في اللغة والعادات وأنماط الحياة والذاكرة التاريخية.
ومن ثم، فإن الهجرة بين هذه الأقاليم قد تكون انتقالًا داخل الحدود السياسية للدولة، لكنها في الوقت نفسه انتقال بين بيئات ثقافية مختلفة.
ويواجه المهاجر في هذه الحالة تحديات تتعلق باللغة، والاندماج الاجتماعي، وإعادة بناء العلاقات، وفهم العادات المحلية.
وقد تتشكل لديه هوية مركبة تجمع بين الانتماء إلى الإقليم الأصلي والمشاركة في المجتمع الجديد.
وهكذا، تكشف الهجرة الداخلية أن الهوية الوطنية لا تلغي التعدد الثقافي، بل تتشكل من خلال التفاعل بين مكوناته.
2. الهجرة الداخلية والعمل والتعليم
تُعد فرص العمل والتعليم من أبرز العوامل التي تدفع الأفراد إلى الانتقال من إقليم إلى آخر داخل الدولة الواحدة.
وقد ينتقل الشباب إلى المدن الكبرى لمتابعة الدراسة أو العمل، بينما تنتقل بعض الأسر بحثًا عن الاستقرار أو الخدمات أو فرص اقتصادية أفضل.
وتؤدي هذه الحركات إلى نشوء علاقات اجتماعية جديدة، كما تسهم في انتقال اللغات والعادات والممارسات الثقافية بين الأقاليم.
لكنها قد تؤدي أيضًا إلى الشعور بالاغتراب، خاصة عندما يجد المهاجر صعوبة في التواصل أو في بناء علاقات اجتماعية مستقرة.
3. التفاوتات الإقليمية والاغتراب الداخلي
قد ترتبط الهجرة الداخلية بالتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم، حيث تنتقل بعض الفئات من المناطق الأقل حظًا إلى المناطق التي تتوفر فيها فرص أفضل.
ويؤثر هذا التفاوت في العلاقة بين المهاجر والمجتمع المضيف، وقد يؤدي إلى ظهور تصورات متبادلة تتعلق بالأصل أو اللغة أو الوضع الاقتصادي.
ومن هنا، فإن دراسة الهجرة الداخلية تقتضي الانتباه إلى العلاقة بين التفاوتات المكانية والاختلاف الثقافي، وعدم اختزال تجربة المهاجر في مجرد انتقال جغرافي.
المبحث الثالث: الذاكرة الثقافية وإعادة بناء الانتماء
1. الذاكرة بوصفها رابطًا بالمكان الأصلي
تمثل الذاكرة الثقافية أحد أهم العناصر التي تساعد الجماعات المهاجرة على الحفاظ على صلتها بماضيها.
وقد تتجلى هذه الذاكرة في اللغة الأم، والأغاني الشعبية، والحكايات، والأمثال، والاحتفالات، والممارسات الدينية والاجتماعية.
وتكتسب هذه العناصر أهمية خاصة لدى الأجيال التي تنشأ في بيئة جديدة، لأنها توفر لها وسيلة للتعرف على تاريخ الأسرة والجماعة.
غير أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل عملية مستمرة لإعادة تفسيره في ضوء الحاضر.
2. انتقال الذاكرة بين الأجيال
تؤدي الأسرة دورًا مهمًا في نقل الذاكرة الثقافية، من خلال الحكايات واللغة والممارسات اليومية.
لكن انتقال الذاكرة قد يتعرض للتحول عندما تنشأ الأجيال الجديدة في بيئة لغوية وثقافية مختلفة.
فقد تحتفظ هذه الأجيال ببعض عناصر ثقافة الأسرة، بينما تتبنى في الوقت نفسه عناصر من المجتمع الذي تعيش فيه.
ومن ثم، فإن الذاكرة الثقافية لا تنتقل بصورة ثابتة، بل يعاد تشكيلها وفق التجربة الاجتماعية لكل جيل.
3. الذاكرة والهوية المركبة
قد يشعر المهاجر بانتمائه إلى أكثر من مكان، وقد تتعدد لديه صور الوطن والبيت والمجتمع.
ولا يعني هذا التعدد بالضرورة فقدان الهوية، بل يمكن أن يعبر عن قدرة الإنسان على بناء علاقات متداخلة مع أماكن وثقافات مختلفة.
وتساعد هذه المقاربة على تجاوز التصورات التي تجعل الانتماء مرتبطًا بمكان واحد أو أصل واحد.
المبحث الرابع: اللغة والتفاعل الثقافي في المجتمعات المهاجرة
1. اللغة بوصفها أداة للاندماج
تؤدي اللغة دورًا أساسيًا في بناء العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المضيف.
فقد يحتاج المهاجر إلى تعلم لغة جديدة من أجل العمل أو التعليم أو التواصل اليومي.
وقد تصبح اللغة الجديدة وسيلة للاندماج والمشاركة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر للتوتر عندما ترتبط بالتمييز أو صعوبة الحصول على الخدمات.
2. التعدد اللغوي والهويات الهجينة
قد يستخدم المهاجر أكثر من لغة في حياته اليومية، تبعًا للمجالات الاجتماعية التي يتحرك فيها.
وقد يؤدي هذا التعدد إلى ظهور أشكال جديدة من التعبير، تتداخل فيها المفردات والتراكيب والرموز الثقافية.
ولا ينبغي النظر إلى هذا التداخل بوصفه خللًا لغويًا، بل يمكن أن يمثل تعبيرًا عن هوية متحركة تتشكل من خلال التفاعل الثقافي.
3. اللغة والذاكرة الثقافية
تظل اللغة الأم وسيلة مهمة لحفظ الذاكرة الثقافية، لأنها تحمل الأمثال والحكايات والتصورات التي تشكل تجربة الجماعة.
وقد يؤدي ضعف انتقال اللغة بين الأجيال إلى تغير العلاقة بالذاكرة الأصلية.
ومن هنا، فإن الحفاظ على اللغات المحلية لا يمثل مجرد مسألة لغوية، بل يرتبط أيضًا بحماية الذاكرة الثقافية وتعزيز التعدد داخل المجتمعات الإفريقية.
المبحث الخامس: الأدب الإفريقي وتمثيل الهجرة الداخلية والبينية
1. الهجرة بوصفها موضوعًا أدبيًا
تتيح الهجرة للأدب الإفريقي موضوعات متعددة، تتعلق بالاغتراب، والحنين، والاختلاف الثقافي، والبحث عن الاستقرار، وإعادة بناء الهوية.
وقد تتجلى هذه الموضوعات في الرواية والقصة والشعر والحكاية الشعبية.
ويستطيع النص الأدبي أن يقدم تجربة المهاجر من الداخل، وأن يكشف عن مشاعره وتناقضاته وعلاقته بالمجتمع الجديد.
2. المكان والحدود في السرد الإفريقي
يؤدي المكان دورًا مهمًا في أدب الهجرة، إذ قد يتحول الإقليم الأصلي إلى فضاء للذاكرة، بينما يصبح المكان الجديد فضاءً للتجربة والتغير.
وقد تتشكل البنية السردية من خلال الانتقال بين المكانين، بما يعكس انقسام الشخصية بين الماضي والحاضر.
كما يمكن أن تظهر الحدود في النص الأدبي بوصفها رموزًا للفصل أو العبور أو إعادة بناء الذات.
3. الأدب والعدالة الثقافية
يمكن للأدب أن يسهم في تعزيز الاعتراف بالتعدد الثقافي، من خلال تقديم الشخصيات المهاجرة بوصفها ذواتًا فاعلة، لا مجرد موضوعات للخطاب الاجتماعي.
كما يستطيع أن يكشف عن الصور النمطية المرتبطة بالمهاجرين، وأن يطرح أسئلة حول العلاقة بين الهوية الوطنية والانتماء المحلي.
ومن هنا، فإن أدب الهجرة يمثل مجالًا مهمًا لتطوير النقد الثقافي الإفريقي، لأنه يتيح دراسة العلاقة بين الذاكرة واللغة والمكان والسلطة.
المناقشة النقدية
تكشف المحاور السابقة أن الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية تمثلان تجربتين متداخلتين في إعادة تشكيل الهوية والانتماء.
فالهجرة العابرة للحدود قد تحدث بين جماعات تتقاسم امتدادات ثقافية أو لغوية، بينما قد تحدث الهجرة الداخلية بين جماعات تختلف في اللغة والعادات والذاكرة المحلية.
وتوضح هذه المفارقة أن الحدود السياسية لا تتطابق دائمًا مع الحدود الثقافية، وأن الانتماء لا يمكن اختزاله في الجنسية أو الأصل الإثني.
غير أن دراسة هذه الظاهرة تتطلب تجنب التعميمات؛ إذ تختلف تجارب المهاجرين باختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
كما ينبغي التمييز بين الهجرة بوصفها ظاهرة اجتماعية وبين تمثيلها الأدبي، لأن النص الأدبي لا يعكس الواقع بصورة مباشرة، بل يعيد تشكيله وفق رؤى جمالية وثقافية.
ومن هنا، فإن القيمة العلمية لهذا البحث تكمن في اقتراح إطار نقدي لدراسة الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية، وفتح المجال أمام دراسات تطبيقية تعتمد على المدونات الأدبية والشهادات الثقافية الموثقة.

الخاتمة
يتضح من خلال هذا البحث أن الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية تمثلان مجالًا مهمًا لإعادة التفكير في مفهوم الهوية والانتماء.
فالمهاجر لا ينتقل من مكان إلى آخر فحسب، بل يعيش تجربة مركبة من التفاعل الثقافي، وإعادة بناء الذاكرة، والتفاوض حول موقعه داخل المجتمع الجديد.
وتكشف هذه التجربة أن الهوية الإفريقية لا تتشكل من خلال الحدود السياسية وحدها، بل تتكون من تفاعل مستمر بين الانتماءات المحلية والوطنية والقارية.
كما تبرز أهمية الأدب في التعبير عن هذه التحولات، لأنه يستطيع أن يمنح المهاجر صوتًا، وأن يكشف عن الأبعاد الإنسانية للهجرة، وأن يسهم في بناء تصور أكثر شمولًا للتعدد الثقافي داخل إفريقيا.
ومن ثم، فإن دراسة الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير الأدب المقارن والنقد الثقافي الإفريقي، وتوسيع مفهوم الأدب الإفريقي ليشمل التجارب العابرة للحدود السياسية والثقافية.

النتائج
توصل البحث إلى النتائج الآتية:
1. تمثل الهجرة داخل إفريقيا الوسطى ظاهرة ثقافية واجتماعية تتجاوز حدود الانتقال الجغرافي.
2. لا تتطابق الحدود السياسية دائمًا مع الامتدادات الثقافية للجماعات السكانية.
3. تؤدي الهجرة الداخلية بين الأقاليم إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية من خلال التفاعل بين الثقافات المحلية.
4. تمثل الذاكرة الثقافية عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الروابط بين المهاجرين ومجتمعاتهم الأصلية.
5. تسهم اللغة في تشكيل الهوية المهاجرة، وقد تصبح وسيلة للاندماج أو مصدرًا للتوتر.
6. يستطيع الأدب الإفريقي أن يكشف عن الأبعاد الإنسانية للهجرة، وأن يسهم في مساءلة الصور النمطية المرتبطة بالمهاجرين.
7. تتيح دراسة الهجرة داخل إفريقيا الوسطى تطوير مفهوم أكثر شمولًا للانتماء، يجمع بين الهوية المحلية والوطنية والقارية.
التوصيات
يوصي البحث بما يأتي:
• توسيع الدراسات الأدبية المقارنة لتشمل الهجرة داخل إفريقيا الوسطى والهجرة الداخلية بين الأقاليم الوطنية.
• إعداد مدونات بحثية للأعمال الأدبية التي تناولت تجارب الهجرة والاغتراب داخل القارة.
• تشجيع الترجمة بين اللغات الإفريقية والعربية والفرنسية، بما يعزز الحوار الثقافي.
• دعم الدراسات الميدانية التي توثق التجارب الثقافية للمهاجرين.
• تعزيز التعاون بين الجامعات الإفريقية في مجال الدراسات الأدبية والهجرة.
• تطوير مقاربات نقدية تدرس العلاقة بين الأدب والذاكرة الثقافية والعدالة الثقافية.
قائمة المصادر والمراجع
أولًا: المراجع النظرية
1. Hall, Stuart. “Cultural Identity and Diaspora.” In Identity: Community, Culture, Difference, edited by Jonathan Rutherford. London: Lawrence & Wishart, 1990.
2. Bhabha, Homi K. The Location of Culture. London: Routledge, 1994.
3. Clifford, James. Routes: Travel and Translation in the Late Twentieth Century. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997.
4. Brah, Avtar. Cartographies of Diaspora: Contesting Identities. London: Routledge, 1996.
5. Appadurai, Arjun. Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996.
6. Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. Edited and translated by Lewis A. Coser. Chicago: University of Chicago Press, 1992.
7. Assmann, Jan. Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance, and Political Imagination. Cambridge: Cambridge University Press, 2011.
ثانيًا: مراجع الأدب الإفريقي والهجرة
8. Ngũgĩ wa Thiong’o. Moving the Centre: The Struggle for Cultural Freedoms. London: James Currey, 1993.
9. Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Translated by Richard Philcox. New York: Grove Press, 2004.
10. Mbembe, Achille. On the Postcolony. Berkeley: University of California Press, 2001.
11. Mudimbe, V. Y. The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge. Bloomington: Indiana University Press, 1988.
ثالثًا: مراجع الهجرة الإفريقية
12. Bakewell, Oliver. “Keeping Them in Their Place: The Ambivalent Relationship between Development and Migration in Africa.” Third World Quarterly 29, no. 7 (2008): 1341–1358.
13. de Haas, Hein. “The Myth of Invasion: The Inconvenient Realities of African Migration to Europe.” Third World Quarterly 29, no. 7 (2008): 1305–1322.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التكنوقراطية الناعمة: تحولات السلطة وإعادة تشكيل الوعي لدى ا ...
- البروباغندا الناعمة والسيطرة على وعي الشباب في الفضاء الرقمي ...
- الآفاق الجديدة في الأدب الإفريقي المعاصر: تحولات الموضوعات و ...
- أدب الشيخوخة في إفريقيا: تحوّلات مكانة المسنّ بين الذاكرة ال ...
- العدالة الثقافية الرقمية في إفريقيا: نحو سيادة معرفية وحماية ...
- الأدب الشتاتي الإفريقي بين الخليج وأوروبا وأمريكا: تحولات ال ...
- المرأة الإفريقية المهاجرة في أدب الشتات الإفريقي بالولايات ا ...
- صورة المرأة الإفريقية المهاجرة في أدب الشتات الإفريقي بالولا ...
- أثر الخلفيات الفكرية على ثقافة المرأة الإفريقية دراسة تحليلي ...
- المرأة الإفريقية المعاصرة والهوية الثقافية في سياق التحول ال ...
- من الإرث السوفيتي إلى الشراكة الثقافية المعاصرة: العلاقات ال ...
- مملكة السهول الذهبية الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ الأشجار الملتوية د.إبراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية واتميكيلي وعدوّه
- حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكامير ...
- حكايات الغابة الإفريقية: العرش والثروة وبذور الحرية الدكتور ...
- حكاية الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
- ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جب ...
- العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور ...
- القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو ...


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - الهجرة الى وسط إفريقيا والهجرة بين الأقاليم الوطنية: تحولات الهوية والانتماء والذاكرة الثقافية دراسة في الأدب المقارن والنقد الثقافي الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون