|
|
حين تختنق الإنسانية في الفضاء وعلى الأرض.. قراءة في «مشكلة أكسجين فقط» للدكتور عبدالمنعم الباز
محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)
الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 10:22
المحور:
كتابات ساخرة
ثمة قصص لا تكتفي بأن تحكي واقعة، وإنما تتخذ من الحكاية قناعًا ساخرًا لكشف اختلالات الواقع، وتعرية المفارقات التي يصنعها الإنسان بيديه، ثم يتعامل معها وكأنها أقدار لا يمكن تغييرها. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة قصة «مشكلة أكسجين فقط» للدكتور عبدالمنعم الباز، المنشورة بجريدة صوت الوفد، العدد 1001، سبتمبر 2026، صفحة 13؛ فهي نص يستثمر الخيال العلمي، والمفارقة الساخرة، والمشهد العبثي، ليضع القارئ أمام صورتين متقابلتين: إنسان يصارع الموت في أعماق الفضاء، وآخرين يصارعون الاختناق في أعماق المجاري على الأرض.
العنوان.. براءة لغوية تخفي كارثة إنسانية منذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام مفارقة لافتة؛ فعبارة «مشكلة أكسجين فقط» تبدو للوهلة الأولى توصيفًا بسيطًا لمشكلة فنية عابرة، لكنها في حقيقتها إعلان عن كارثة وجودية، إذ لا توجد مشكلة أكثر خطورة من انعدام الأكسجين بالنسبة إلى كائن حي. وتكمن براعة العنوان في كلمة «فقط»، التي تختزل مأساة كاملة في تعبير عابر، وكأن فقدان الهواء مسألة يمكن التعامل معها ببعض الهدوء والإجراءات الروتينية. وهنا تتجلى السخرية السوداء التي يعتمد عليها الكاتب، فبينما يتعامل المسؤولون مع الكارثة باعتبارها أزمة تقنية، يتعامل معها أصحابها باعتبارها تهديدًا مباشرًا للحياة. إن العنوان لا يكتفي بالإشارة إلى أزمة المركبة الفضائية، بل يتجاوزها ليصبح استعارة لحال مجتمع يعاني أزمات متراكمة، لكنه اعتاد التعامل معها باعتبارها مشكلات عادية، حتى عندما تصبح الحياة نفسها على المحك.
البناء السردي.. عالمان يفصل بينهما المكان ويجمعهما الاختناق يعتمد الكاتب على بناء سردي يقوم على الانتقال بين مسارين متوازيين، يجمع بينهما عنصر الخطر، بينما يفصل بينهما اختلاف المكان والظروف. المسار الأول يدور حول المركبة الفضائية «كوزموس 21»، التي تتعرض لعطل في أحد صواريخ الدفع، وتبدأ غرفة المراقبة الأرضية في متابعة الموقف، وسط محاولات لطمأنة رواد الفضاء الثلاثة، رغم عدم وضوح أسباب العطل ومخاطره. أما المسار الثاني فينقلنا إلى أحد شوارع القاهرة، حيث تتسبب مشكلة في شبكة الصرف الصحي في انفجار أحد المواضع، وتستدعي الأزمة تدخل عمال المجاري، الذين يجدون أنفسهم أمام مهمة شاقة وخطيرة، خاصة مع وجود شخصيات مهمة تسكن بالقرب من موقع الانفجار. ويزداد التناقض وضوحًا عندما نكتشف أن الشخصيات التي تتعامل مع الأزمة الأرضية لا تنشغل فقط بإنقاذ الموقف، وإنما تتأثر أيضًا بالمكافآت والخصومات المالية، وبالاعتبارات الاجتماعية المرتبطة بمكانة أصحاب المنازل المجاورة. وهكذا يضعنا الكاتب أمام عالمين متباعدين ظاهريًا، لكنهما يشتركان في أزمة واحدة: العجز عن السيطرة على الخطر في اللحظة التي تصبح فيها الحياة مهددة.
المفارقة الساخرة.. حين يصبح الفضاء أقل غرابة من الواقع أهم ما يميز القصة هو قدرتها على صناعة المفارقة من خلال المقابلة بين عالم الفضاء، بما يحمله من تقدم علمي وتقني، وعالم الأرض، بما يعانيه من مشكلات خدمية وإدارية تبدو شديدة البدائية. ففي الوقت الذي تتواصل فيه المحطات الفضائية مع المركبة، وتُبحث الحلول العلمية لإنقاذ روادها، نجد أن الأزمة الأرضية تُدار بعقلية المكافأة والخصم من المرتبات، وأن العمال مطالبون بإنجاز المهمة تحت ضغط التهديد الإداري. وتبلغ المفارقة ذروتها عندما تتداخل مصائر العالمين، ويصبح إنقاذ المركبة الفضائية مرتبطًا بفكرة التعامل معها كما لو كانت جسمًا يمكن سحبه أو انتشاله، في إشارة ساخرة إلى محدودية الحلول المطروحة، وعجز التكنولوجيا أمام بعض الظروف الطارئة. كما أن مشهد العمال الذين ينزلون إلى أعماق المجاري، في مواجهة أخطار الغازات السامة والاختناق، يقابل مشهد رواد الفضاء الذين يواجهون نفاد الأكسجين في الفضاء الخارجي. وفي الحالتين يصبح الهواء، الذي لا يلتفت إليه الإنسان في حياته اليومية، أثمن ما يمكن أن يمتلكه. إن الكاتب هنا لا يسخر من العلم أو من العمال، وإنما يسخر من المفارقات التي تجعل الإنسان قادرًا على الوصول إلى الفضاء، بينما يعجز عن توفير أبسط شروط الحياة الكريمة والآمنة على الأرض.
الشخصيات.. نماذج اجتماعية في مسرح العبث لا يبدو أن الكاتب يستهدف رسم شخصيات نفسية عميقة بقدر ما يسعى إلى تقديم نماذج إنسانية واجتماعية تخدم الفكرة العامة. فرواد الفضاء يمثلون الإنسان الذي يجد نفسه محاصرًا داخل أزمة أكبر من قدرته على التحكم فيها، بينما يمثل المسؤولون في غرفة المراقبة صورة المؤسسة التي تحاول الحفاظ على هدوئها وصورتها أمام الجمهور، حتى في أكثر اللحظات خطورة. وفي المقابل، يمثل عمال الصرف الصحي الوجه الآخر للمأساة؛ فهم أصحاب العمل الشاق والمخاطر الحقيقية، لكنهم يظلون في مرتبة اجتماعية وإدارية أقل، وتُقاس استجابتهم للأزمة بالمكافأة والعقوبة. ومن خلال شخصية «بيوي» وزملائه، يلفت الكاتب النظر إلى التفاوت بين من يملكون سلطة إصدار الأوامر، ومن يتحملون فعليًا مشقة تنفيذها ومخاطرها. وتحمل شخصية المسؤول أو الشخصية المهمة المجاورة لموقع الانفجار دلالة اجتماعية إضافية؛ إذ تكشف كيف يمكن أن تتغير سرعة الاستجابة وحجم الاهتمام تبعًا لمكانة المتضررين، وكأن سلامة الإنسان لا تُقاس دائمًا بإنسانيته، وإنما بموقعه الاجتماعي.
اللغة والحوار.. سخرية تتخفى وراء البساطة اختار الكاتب لغة مباشرة تميل إلى السرد الصحفي والحوار اليومي، وهو اختيار يتناسب مع طبيعة القصة الساخرة، ويجعل الأحداث قريبة من القارئ، بعيدًا عن التعقيد اللغوي أو الاستعراض البلاغي. كما يؤدي الحوار دورًا أساسيًا في بناء المفارقة، خاصة في الاتصالات المتبادلة بين المركبة الفضائية والمحطة الأرضية، وفي المشاهد التي تكشف ارتباك الشخصيات ومحاولاتها التعامل مع الموقف. ويستثمر الكاتب بعض التفاصيل اليومية البسيطة، مثل المكافآت والخصومات والاتصالات الهاتفية، ليخلق حالة من التناقض بين ضخامة الكارثة وصغر الذهنية التي تدير بعض جوانبها. ومن أبرز عناصر السخرية كذلك أن القصة لا تعتمد على النكتة المباشرة، وإنما تترك المفارقة تنشأ من تصادم المواقف ذاتها، وهو ما يمنحها طابعًا أقرب إلى الكوميديا السوداء.
الرمز والدلالة.. الأكسجين بوصفه حقًا في الحياة يمكن النظر إلى الأكسجين في القصة باعتباره أكثر من مجرد عنصر ضروري للتنفس؛ إنه رمز للحياة، وللحد الأدنى من الحقوق الإنسانية التي لا ينبغي أن يخضع الحصول عليها للطبقة الاجتماعية أو الموقع الوظيفي أو المكان. فالفضاء الخارجي، الذي يبدو في المخيلة الإنسانية مجالًا للحرية والانطلاق، يتحول إلى سجن قاتل عندما ينفد الأكسجين. وعلى الأرض، تتحول المجاري إلى فضاء آخر للاختناق، حيث يواجه العمال خطر الموت في ظروف عمل قاسية. ومن هنا تنشأ دلالة إنسانية مهمة: قد تختلف مواقع البشر، وقد تتباين أدوارهم ومهنهم، لكن حاجتهم إلى الحياة واحدة، ومأساة الاختناق لا تعرف الفوارق الطبقية. كما أن فشل محاولة إنقاذ المركبة الفضائية، رغم التكلفة المالية الكبيرة التي تشير إليها القصة، يفتح بابًا للتأمل في جدوى الحلول التي تُدار دون تخطيط كافٍ، وفي الفارق بين إنفاق الأموال وتحقيق النتائج الفعلية.
ملاحظات فنية.. بين ثراء الفكرة وتماسك التنفيذ على الرغم من نجاح القصة في تأسيس مفارقتها المركزية، فإن تعدد الشخصيات والانتقالات السريعة بين مشاهد الفضاء والقاهرة قد يفرض على القارئ جهدًا إضافيًا لمتابعة خيوط الحكاية، وكان من الممكن تعزيز الترابط بين المسارين بمزيد من الإشارات السردية التي تجعل الانتقال بينهما أكثر انسيابية. كذلك، فإن بعض المشاهد تميل إلى تقديم التفاصيل الخبرية والتقريرية على حساب التعمق في الأبعاد النفسية للشخصيات، وكان من الممكن أن تضيف لحظات الخوف والتردد والوعي بقرب الموت مزيدًا من التأثير الوجداني. لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الأساسية للتجربة، خاصة أن الكاتب يبدو معنيًا في المقام الأول بتقديم لوحة ساخرة واسعة، وليس بإنجاز قصة نفسية تقليدية تعتمد على شخصية مركزية واحدة.
خاتمة.. من ينقذ الإنسان من الاختناق؟ تنجح قصة «مشكلة أكسجين فقط» في تحويل أزمة تبدو علمية وتقنية إلى سؤال اجتماعي وإنساني واسع: كيف استطاع الإنسان أن يبلغ الفضاء، بينما لا تزال بعض مشكلاته الأرضية معلقة في أنابيب المجاري، وتحت رحمة القرارات الإدارية والمكافآت والخصومات؟ إن الدكتور عبدالمنعم الباز يقدم نصًا ساخرًا يتجاوز حدود الحكاية الفضائية ليضع إصبعه على تناقضات الواقع، ويكشف أن التقدم الحقيقي لا يقاس فقط بما تصل إليه المركبات من كواكب ومسافات، وإنما بما يحققه الإنسان من أمن وكرامة وعدالة على الأرض. ولعل أكثر ما يلفت النظر في القصة أن الأكسجين، الذي يبدو قضية علمية في الفضاء، يتحول إلى قضية اجتماعية في القاهرة؛ فهناك من يختنق بعيدًا عن الأرض، وهناك من يختنق في أعماقها، وبين الحالتين يظل الإنسان في حاجة إلى من يضع حياته قبل الحسابات والمظاهر والمصالح. إنها ليست مجرد مشكلة أكسجين، بل مشكلة إنسان يبحث عن حقه في التنفس، في عالم يبدو أنه يمتلك كل شيء، إلا القدرة على حماية الإنسان من الاختناق.
تقدير نقدي عام: تتميز القصة بفكرتها غير التقليدية، وبقدرتها على توظيف الخيال العلمي في خدمة النقد الاجتماعي، مع اعتماد واضح على المفارقة والكوميديا السوداء. وتكمن أهميتها في الجمع بين مأساة الإنسان في الفضاء ومأساة الإنسان البسيط على الأرض، بما يخلق نصًا ساخرًا يحمل في داخله سؤالًا جادًا عن قيمة الحياة والعدالة الإنسانية.
#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)
Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين قوتها وضعفك | قصيدة عن الرجل مع الزوجة الأولى والثانية
-
يا ناس.. ده الأكسجين خلصان! || أغنية
-
التماثيل النصفية كرموز للسلطة والألوهية في مصر خلال عصر الدو
...
-
حُماة الإيمان والذاكرة: دور الكتاتيب القرآنية في تشكيل الهوي
...
-
حين يصبح المستقبل أغلى من قدرة الشباب «الأزمة الاقتصادية وأز
...
-
بكرة بعد الشغل || أغنية
-
رغبة على حافة التردد .. حين يصبح الصمت لغةً للقلب
-
«أبوسك راسك» لأحمد هارون كراوية.. حين يصبح العتاب وجعًا وتتح
...
-
عراء الروح في زحام الزمن.. جدل البقاء والفناء في قصيدة محمد
...
-
الخوف حين يرتدي قناع الكذب.. قراءة نقدية في قصيدة «يا كدابة»
...
-
عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة
...
-
مين اللي بينبح؟ || أغنية
-
حين يتحوّل الخوف إلى نباح.. قراءة نقدية في قصة «نباح» لمحمد
...
-
رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الوا
...
-
سينما أونطة .. والجدعنة بجد|| أغنية
-
سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة
...
-
رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة
...
-
خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست
...
-
جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل
...
-
نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة «
...
المزيد.....
-
جدة.. يارا تبهج عشاق فضل شاكر وطفل معجزة يسرق الأضواء
-
مهرجان البحرين السينمائي يكرم يسرا ويحتفي بالسينما العربية ف
...
-
فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي
...
-
-إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في
...
-
باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة
...
-
وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد
...
-
رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و
...
-
بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح
...
-
وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا
...
-
باربيس- حي ينبض بالموسيقى
المزيد.....
-
زمن المضاف إليه
/ د. خالد زغريت
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|