أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمود سلامة محمود الهايشة - حين يصبح المستقبل أغلى من قدرة الشباب «الأزمة الاقتصادية وأزمة الانتماء الوطني»















المزيد.....

حين يصبح المستقبل أغلى من قدرة الشباب «الأزمة الاقتصادية وأزمة الانتماء الوطني»


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 15:14
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


ليس أكبر نتائج الأزمة الاقتصادية أن يرتفع سعر الخبز، أو تتراجع قيمة العملة، أو يصبح الراتب عاجزًا عن اللحاق بالأسعار. الأخطر أن يبدأ الإنسان في فقدان الإيمان بالغد.
وحين يحدث ذلك لجيل كامل من الشباب، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد إلى ما هو أعمق: إلى علاقة الإنسان بوطنه، وبالمجتمع، وبفكرة المستقبل نفسها.
فالشاب الذي يتخرج من الجامعة ثم يقضي سنوات يبحث عن عمل، والذي يرى أن راتبه لا يكفي لتكوين أسرة، وأن امتلاك منزل أصبح حلمًا بعيدًا، وأن الكفاءة لا تضمن دائمًا الفرصة، لا يعيش أزمة مالية فقط؛ إنه يعيش سؤالًا وجوديًا صامتًا: ماذا يعني أن أنتمي إلى وطن لا أستطيع أن أبني فيه حياتي؟
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

من أزمة الجيب إلى أزمة المعنى
الاقتصاد ليس أرقامًا مجردة. وراء كل نسبة تضخم أسرة تعيد حساب نفقاتها، ووراء كل ارتفاع في الأسعار شاب يؤجل الزواج، ووراء كل وظيفة مفقودة مشروع حياة يتعطل.
والعمل بالنسبة إلى الشباب ليس مجرد وسيلة للحصول على المال. إنه اعتراف اجتماعي بالجدارة، وطريق إلى الاستقلال، وبداية للشعور بأن الإنسان أصبح قادرًا على صناعة حياته بدلًا من انتظار الآخرين.
لذلك، فإن العمل الهش أو البطالة الطويلة لا يسرقان من الشاب دخله فقط؛ إنهما قد يسرقان منه الإحساس بقيمته.
وهنا تتحول المسألة الاقتصادية إلى مسألة نفسية واجتماعية وسياسية. فحين يحس الشاب بأن سنوات التعليم لم تمنحه مكانًا في سوق العمل، وأن السعي والاجتهاد لا يؤديان بالضرورة إلى التقدم، وأن المستقبل محكوم بعوامل لا يستطيع التحكم فيها، فإن الثقة تبدأ في التآكل.
والثقة هي أول ما تحتاجه الدولة من مواطنيها، وأول ما يمكن أن تفقده في أوقات الأزمات.

الوطنية لا تُقاس بعدد الأعلام
لطالما تعاملت بعض الخطابات السياسية مع الوطنية باعتبارها مشاعر جاهزة: أن يحب الشاب وطنه، وأن يفتخر بتاريخه، وأن يردد شعاراته.
لكن الوطنية أعمق من ذلك.
الوطن ليس خريطة معلقة على جدار، ولا نشيدًا يُسمع في المناسبات فقط. الوطن، بالنسبة إلى المواطن، هو المكان الذي يتخيل فيه مستقبله.
ولهذا فإن السؤال الأكثر حساسية اليوم ليس: "هل يحب الشباب أوطانهم؟"، وإنما: "هل يستطيع الشباب أن يروا مستقبلهم داخل أوطانهم؟"
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الانتماء يجد أرضًا خصبة للنمو.
أما إذا أصبحت الهجرة هي الحلم، والرحيل هو الخطة البديلة، والحصول على فرصة في الخارج هو المعيار الوحيد للنجاح، فإن علينا أن نتوقف قليلًا أمام هذه الظاهرة، لا لاتهام الشباب بعدم الوطنية، وإنما لنسأل: ماذا دفعهم إلى البحث عن المستقبل بعيدًا؟
ليس كل من يهاجر يكره وطنه. كثيرون يحملون أوطانهم في حقائبهم وذاكرتهم ولهجتهم وأحلامهم. لكن الوطن الذي يفقد أبناءه الأكثر تعليمًا وطموحًا لا ينبغي أن يكتفي بتوجيه اللوم إليهم؛ عليه أن يسأل نفسه عن الأسباب التي جعلت الرحيل أكثر إغراءً من البقاء.

حين يصبح العالم شاشة للمقارنة
هناك عامل جديد يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا: الهواتف الذكية.
لم يعد الشاب يقارن حياته بجاره أو بابن عمه فقط؛ إنه يقارنها يوميًا بشباب يعيشون في عشرات البلدان. يرى الوظائف، والجامعات، والمساكن، والرواتب، والسفر، وأنماط الحياة، ويكتشف باستمرار أن العالم أكبر من حدود مدينته.
قد تكون هذه المعرفة مصدر إلهام، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر للإحباط.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد الفقر مجرد نقص في الموارد؛ أضحى أيضًا وعيًا مستمرًا بما يمتلكه الآخرون.
ومن هنا ينشأ شعور خطير يمكن تسميته "الحرمان النسبي" :أن يشعر الإنسان بأنه محروم ليس لأنه لا يملك شيئًا، وإنما لأنه يرى باستمرار ما يمكن أن يمتلكه لو أتيحت له الفرصة.
وهذا الشعور، إذا طال، يمكن أن يتحول إلى غضب اجتماعي أو عزوف سياسي أو بحث عن بدائل أيديولوجية وهويات جديدة تمنح الشاب ما فقده من معنى واعتراف.

عندما تفقد الدولة قدرتها على صناعة الأمل
لا يمكن لأي حكومة أن تمنع الأزمات الاقتصادية إلى الأبد. التضخم، والركود، والحروب، واضطراب الأسواق العالمية، وأزمات الطاقة والغذاء كلها عوامل قد تضغط على أكثر الدول استقرارًا.
لكن الفرق بين أزمة اقتصادية وأخرى لا يكمن فقط في حجم الضرر، بل في طريقة إدارة الأزمة وتوزيع تكاليفها.
حين يشعر المواطن بأن الجميع يتحملون العبء، وأن الفرص موزعة بعدالة، وأن المؤسسات تعمل بكفاءة، يمكن أن تتحول الأزمة إلى اختبار للتضامن الوطني.
أما حين يشعر الشباب بأن تكلفة الأزمة يدفعها الفقراء والطبقة الوسطى وحدهم، بينما تظل الامتيازات محمية، فإن الأزمة تتحول إلى سؤال عن العدالة.
وهنا تصبح السياسة جزءًا من الاقتصاد.
فليس أخطر على الدولة من أن يقتنع جيل كامل بأن النجاح لا يرتبط بالكفاءة، وأن الفرص لا توزع وفق الاستحقاق، وأن العلاقات أهم من العمل، وأن المستقبل ملك لمن يملك المال أو النفوذ.
عندها لا تنهار الوطنية فجأة، لكنها تبدأ في فقدان معناها اليومي.

الشباب لا يريدون خطابًا عن الأمل... بل أسبابًا للأمل
ربما آن الأوان لأن نغير طريقة الحديث مع الشباب.
لم يعد الشاب العاطل بحاجة إلى محاضرة عن الصبر بقدر ما يحتاج إلى فرصة. ولم يعد الخريج بحاجة إلى خطاب طويل عن قيمة العلم بقدر ما يحتاج إلى سوق عمل يحترم علمه. ولم تعد الأسرة بحاجة إلى شعارات عن المستقبل بقدر ما تحتاج إلى دخل يسمح لها بأن تعيش بكرامة.
الأمل ليس خطابًا سياسيًا.
الأمل بنية اقتصادية واجتماعية.
إنه مدرسة جيدة، وجامعة مرتبطة بسوق العمل، ووظيفة عادلة، وأجر يكفي للحياة، وسكن يمكن تحمله، وقانون يطبق على الجميع، ومؤسسة يشعر المواطن أنها تسمعه وتحترمه.
ومن هنا فإن الاستثمار في الشباب ليس بندًا من بنود الموازنة فحسب؛ إنه استثمار في استقرار الدولة وهويتها ومستقبلها.

الوطن الذي يتيح لأبنائه أن يحلموا
لا يمكن بناء هوية وطنية قوية فوق الإحباط إلى ما لا نهاية.
فالهوية الوطنية ليست شيئًا ثابتًا نرثه ثم ننتهي منه. إنها علاقة حية تتجدد كل يوم بين المواطن ووطنه. وكلما شعر المواطن بأن وطنه يمنحه فرصة عادلة ويحمي كرامته، أصبحت هذه العلاقة أقوى.
أما إذا أضحى الوطن في وعي الشاب مكانًا للدراسة فقط، ثم الهجرة، أو مكانًا للذكريات بينما الحياة الحقيقية تبدأ في مكان آخر، فإن المشكلة ليست في الشباب وحدهم.
المشكلة في العلاقة التي فشلنا في بنائها بينهم وبين المستقبل.
ولهذا، فإن مواجهة الأزمة الاقتصادية ليست فقط مهمة وزارات المالية والاقتصاد والعمل. إنها مهمة وطنية تتعلق بالتعليم والثقافة والسياسة والإعلام والعدالة الاجتماعية.
فالاقتصاد يصنع أكثر من الثروة؛ إنه يصنع الإحساس بالمكان داخل المجتمع.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه الدول على نفسها ليس: كيف نحافظ على ولاء الشباب؟
بل:
كيف نبني وطنًا يجعل الشاب يريد أن يبقى؟
فالشاب الذي يجد في وطنه عملًا يحفظ كرامته، ومجتمعًا يعترف بموهبته، ومؤسسات تمنحه فرصة عادلة، ومستقبلًا يستطيع أن يتخيله، لن يحتاج إلى كثير من الخطب كي يشعر بالانتماء.
سيكون انتماؤه طبيعيًا.
لأن الوطن، في أعمق معانيه، ليس المكان الذي وُلدنا فيه فقط؛
إنه المكان الذي نستطيع أن نتصور فيه حياتنا القادمة.
وحين يصبح المستقبل ممكنًا، يصبح الانتماء أقوى.
أما حين يصبح المستقبل مستحيلًا، فإن أول ما يبدأ بالرحيل ليس الجسد...
بل القلب.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بكرة بعد الشغل || أغنية
- رغبة على حافة التردد .. حين يصبح الصمت لغةً للقلب
- «أبوسك راسك» لأحمد هارون كراوية.. حين يصبح العتاب وجعًا وتتح ...
- عراء الروح في زحام الزمن.. جدل البقاء والفناء في قصيدة محمد ...
- الخوف حين يرتدي قناع الكذب.. قراءة نقدية في قصيدة «يا كدابة» ...
- عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة ...
- مين اللي بينبح؟ || أغنية
- حين يتحوّل الخوف إلى نباح.. قراءة نقدية في قصة «نباح» لمحمد ...
- رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الوا ...
- سينما أونطة .. والجدعنة بجد|| أغنية
- سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة ...
- رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة ...
- خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست ...
- جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل ...
- نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة « ...
- دروب الصمت.. حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح وملاذًا من ضجيج ال ...
- دروب الصمت| أغنية
- بطل من ورق.. جاع فأكل الورق! في قصة «ورق» ل أحمد عوض
- انفصام الشخصية بسبب الصدمة العاطفية في قصة «نار خلف النافذة» ...
- بين الأمل والخذلان: قراءة في قصة -حدث ذات يوم- لعبد الحميد ا ...


المزيد.....




- ألمانيا.. بافاريا تدعو إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين أوروبا ...
- الإمارات تعلن جاهزية مسبار استكشاف حزام الكويكبات للإطلاق في ...
- اقتصادي لـ«المدى»: زيادة شحنات الدولار لن تخفض سعر الصرف الم ...
- دراسة اقتصادية تحذر من ضغوط تضخمية عالمية بسبب ظاهرة النينيو ...
- هاري كين: مستعد للتخلي عن الكرة الذهبية مقابل هذا الحلم
- - الأكبر في التاريخ-.. ترامب يعلق على انخفاض أسعار النفط عشي ...
- مخاوف الحروب والذكاء الاصطناعي والأزمات الاقتصادية تغذي هواج ...
- بعد انسحابها من أوبك.. الإمارات تعلن ارتفاع صادراتها النفطية ...
- نمو قياسي في تسجيلات سيارات تسلا بأوروبا وتصاعد المنافسة مع ...
- هل تستطيع الدول العربية تصدير المعرفة بدل العقول؟


المزيد.....

- مصر وفشل التنمية والحمائية الجديدة: المأزق المزدوج لنموذج ال ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمود سلامة محمود الهايشة - حين يصبح المستقبل أغلى من قدرة الشباب «الأزمة الاقتصادية وأزمة الانتماء الوطني»