أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - عراء الروح في زحام الزمن.. جدل البقاء والفناء في قصيدة محمد خيري الإمام















المزيد.....

عراء الروح في زحام الزمن.. جدل البقاء والفناء في قصيدة محمد خيري الإمام


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 16:02
المحور: الادب والفن
    


دراسة نقدية في قصيدة «عراء » للشاعر الدكتور محمد خيري الإمام، المنشورة بجريدة صوت الوفد، العدد 1001، سبتمبر 2026، ص 13.

ليست قصيدة «عراء» للشاعر الدكتور محمد خيري الإمام مجرد بوح ذاتي عن ضيق الروح أو قلق الإنسان في مواجهة الزمن، بل هي محاولة شعرية لاستكشاف تلك المنطقة الهشة التي يقف فيها الإنسان عاريًا أمام أسئلته الوجودية، متأرجحًا بين الرغبة في التحرر من قيود الحياة والخوف من النهاية، وبين توقه إلى الانعتاق وافتتانه باحتمال البقاء. ومنذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام تجربة تتجاوز العراء المادي إلى انكشاف داخلي، حيث تتعرى الذات من يقينها، وتجد نفسها في مواجهة الزمن والمصير والغياب.

العنوان: حين تصبح الروح مكشوفة
يحمل عنوان «عراء» كثافة دلالية لافتة؛ فهو لا يشير بالضرورة إلى انكشاف الجسد، وإنما يستدعي معاني التجرد والوحدة وفقدان الحماية. فالعراء هنا حالة نفسية ووجودية، تتجلى حين يفقد الإنسان قدرته على الاحتماء بالأوهام، أو حين يشعر بأن الزمن ينتزع منه شيئًا فشيئًا ما كان يظنه ثابتًا.
ويزداد العنوان عمقًا حين نربطه بمطلع القصيدة:
هكذا يطلع الصبح
لكنه كالمساء
إنها مفارقة تأسيسية تختزل التوتر الذي يحكم النص؛ فالصبح، بما يمثله من بداية وأمل وتجدد، يفقد دلالته المألوفة، ويتحول إلى مساء آخر. وكأن تعاقب الزمن لم يعد يحمل وعدًا بالتغيير، بل أصبح تكرارًا لحالة داخلية لا تتبدل.
إن الشاعر لا يصف الصباح في ذاته، وإنما يصف أثره في نفس لم تعد قادرة على استقبال البدايات بالدهشة القديمة. وهنا تتشكل أولى علامات العراء: أن يأتي العالم بأشيائه المعتادة، بينما تعجز الروح عن استعادة علاقتها بها.

الزمن القصير.. مأساة العمر الذي يمر متعجلًا
يقول الشاعر:
كيف لم أنتبه أن يومي القصير تعجّل؟
وهو يمر أمامي متحيرًا
قبل أن يستقر إزاء نهايته في العراء
يحتل الزمن مركزًا أساسيًا في التجربة الشعرية؛ فهو ليس مجرد إطار تتحرك داخله الذات، بل قوة غامضة تتقدم نحو نهايتها، وتدفع الإنسان إلى اكتشاف حقيقة عمره بعد أن تكون لحظاته قد تسربت من بين يديه.
واللافت في قوله «كيف لم أنتبه» أن السؤال يتجه إلى الذات قبل أن يتجه إلى العالم. فالشاعر لا يتهم الزمن وحده بالسرعة، بل يراجع وعيه الشخصي، ويتساءل عن غفلته إزاء ما كان يحدث أمامه. وهكذا يتحول الندم إلى شكل من أشكال المعرفة المتأخرة؛ إذ لا يدرك الإنسان قيمة أيامه إلا عندما يكتشف أنها كانت تمضي بينما هو منشغل بما يظنه ثابتًا.
ويمنح الشاعر يومه صفات إنسانية حين يصوره متحيرًا، كأن الزمن نفسه لا يعرف وجهته، أو كأنه يشارك الذات ارتباكها أمام النهاية. وهذه الصورة تخلق تداخلًا بين الإنسان والوقت؛ فلا يعود الزمن شيئًا خارجيًا محايدًا، بل يصبح كائنًا يمر أمام الشاعر، حائرًا مثله، ومهددًا بالانتهاء مثله.
أما عبارة «في العراء» فتبدو بمثابة نقطة التقاء بين العنوان والمتن؛ إذ تنتهي حركة اليوم إلى فضاء مكشوف، لا يوفر للذات مأوى أو يقينًا. إنها نهاية لا تعني بالضرورة الموت وحده، وإنما قد تعني انكشاف حقيقة العمر، وسقوط الحواجز التي كانت تحجب عن الإنسان هشاشته.

الذاكرة بوصفها معرفة متأخرة
يواصل الشاعر تأمله في علاقة الذات بالماضي:
ربما
عشته قبل هذا
وقد أتنبه بذات الطريق قريبًا
إذا ما ارتأيت احتمال البقاء
تتداخل هنا ثلاثة أزمنة: ماضٍ يُستعاد على سبيل الاحتمال، وحاضر تحكمه الحيرة، ومستقبل يتوقف على قدرة الذات على إدراك ما ينتظرها. ولا يقدم الشاعر ذاكرته بوصفها سجلًا واضحًا للوقائع، بل يجعلها مساحة للتردد والتساؤل.
إن كلمة «ربما» تفتح بابًا واسعًا للتأويل؛ فهي لا تمنح القارئ يقينًا بشأن ما عاشته الذات، وإنما تكشف عن اهتزاز علاقتها بتجربتها نفسها. وكأن الإنسان قد يمر بالتجربة ذاتها مرات عديدة، لكنه لا يكتسب وعيه الحقيقي بها إلا بعد تكرارها.
وفي قوله «إذا ما ارتأيت احتمال البقاء» يبرز تناقض دقيق بين البقاء بوصفه امتدادًا للحياة، والبقاء بوصفه احتمالًا يحتاج إلى إعادة نظر. فالاستمرار ليس بالضرورة انتصارًا، كما أن الانتهاء ليس مجرد خسارة بسيطة؛ إذ تتعامل الذات مع وجودها باعتباره سؤالًا مفتوحًا، لا حقيقة مكتملة.
وتكشف هذه المقاطع عن وعي شعري بأن التجربة الإنسانية لا تُقاس بعدد الأيام وحده، بل بقدرة الإنسان على الانتباه إلى ما يعيشه. فالعمر قد يتكرر في تفاصيله، بينما يظل الوعي مؤجلًا، حتى يأتي السؤال متأخرًا: هل عشت حقًا، أم كنت أعبر الحياة دون أن ألتفت إليها؟

اتساع الفضاء وضيق الرؤية.. مفارقة الحرية
من أكثر مقاطع القصيدة دلالة قول الشاعر:
ما لتلك النوافذ؟
كيف أضيق بها
وتضيق رؤاي برغم اتساع الفضاء
تنتقل القصيدة هنا من الزمن إلى المكان، لكنها لا تغادر أزمتها الأساسية؛ فالضيق الذي كان يتولد من سرعة الأيام يتحول إلى اختناق داخل فضاء يبدو واسعًا.
والنوافذ، في دلالتها الرمزية، تمثل منافذ الرؤية والاتصال بالعالم، وربما تشير أيضًا إلى إمكانات الخروج من العزلة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه المنافذ نفسها تصبح مصدرًا للضيق. فما كان يفترض أن يتيح للذات التنفس والانفتاح، يتحول إلى عبء إضافي على وعيها.
ويعمق الشاعر المفارقة بقوله «برغم اتساع الفضاء»؛ فالمشكلة ليست في ضيق العالم، وإنما في ضيق الرؤية. وهنا يلمس النص قضية إنسانية دقيقة: قد تتسع أمام الإنسان الخيارات والآفاق، لكنه يظل عاجزًا عن الشعور بالحرية إذا كان محاصرًا من الداخل.
ومن ثم، لا تبدو النوافذ مجرد عناصر مكانية، بل تتحول إلى استعارة عن الفرص التي لا يستطيع الإنسان الانتفاع بها، وعن الآفاق التي تظل مفتوحة في الخارج بينما تنغلق في أعماقه.
وتمنح هذه الصورة القصيدة بعدًا نفسيًا واضحًا؛ إذ يتحول الفضاء الخارجي إلى مرآة لحالة داخلية لا تجد سبيلًا إلى الاتساع، وكأن الرؤية نفسها قد أصبحت سجنًا بدلًا من أن تكون طريقًا للتحرر.

نداء السماء.. الرغبة في الخلاص من قبضة الوقت
يبلغ التوتر الوجداني ذروته في مخاطبة الشاعر للطيور:
يا طيور السماء: خذيني
أريد التخلص من ربقة الوقت وهو يمر
وأريد انفلاتًا إلى حيث شئت فقد
أستقر
هنا تتخذ الرغبة في التحرر شكلًا مباشرًا، بعد أن ظهرت في المقاطع السابقة من خلال الأسئلة والمفارقات والصور المكانية.
إن نداء «يا طيور السماء» يستدعي رمزًا مألوفًا للحرية والانطلاق؛ فالطيور قادرة على عبور المسافات والتحليق فوق الحدود التي تقيد حركة الإنسان. ومن خلال هذا النداء، يتمنى الشاعر أن يستعير من الطيور قدرتها على الإفلات من الأرض، وأن يجد في التحليق سبيلًا إلى التحرر من قبضة الزمن.
وتكتسب عبارة «ربقة الوقت» أهمية خاصة؛ فلفظة «ربقة» تستحضر القيد الذي يحيط بالعنق ويحد من الحركة. وبذلك يتحول الوقت من إطار محايد للحياة إلى قيد يطوق الذات ويحد من حريتها.
لكن المفارقة أن الشاعر، وهو يطلب الانفلات، لا يحدد وجهة نهائية لرحلته، بل يقول: «إلى حيث شئت». فالمطلوب ليس الوصول إلى مكان بعينه، بقدر ما هو التخلص من الإحساس بالحصار. إن الحرية هنا تسبق الوجهة؛ إذ يكفي أن تنفتح إمكانية الحركة حتى تستعيد الذات شيئًا من قدرتها على التنفس.
ومع ذلك، فإن قوله «فقد أستقر» يكشف عن أن التحرر ليس غاية مستقلة تمامًا عن الحاجة إلى الطمأنينة. فالشاعر لا يريد الحركة إلى ما لا نهاية، وإنما يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يستقر بعد طول اضطراب.
وهنا تتكشف مفارقة أخرى: الذات تريد الإفلات من الزمن، لكنها تريد في الوقت نفسه أن تجد نقطة استقرار داخله أو خارجه. إنها لا تبحث عن الحركة وحدها، بل عن نهاية للقلق الذي يجعل كل مكان مؤقتًا وكل لحظة مهددة بالزوال.

الوحدة واغتيال الطريق.. حين يصبح الزمن خصمًا داخليًا
يقول الشاعر:
هكذا أمضغ الوقت وحدي
وأطوي البراح
أجيد اغتيال انحدار الطريق
ولكنني هل أقابل نفسي إذا ما نويت
اللقاء؟
في هذه الأبيات تتكثف التجربة الوجودية للقصيدة في صور شديدة الإيحاء. فالفعل «أمضغ» ينقل التعامل مع الوقت من مجرد مروره إلى معايشته بوصفه عبئًا يُستهلك ببطء ومشقة. والمضغ فعل يحتاج إلى جهد، ويستغرق زمنًا، وهو ما يجعل الوقت يبدو مادة ثقيلة تضطر الذات إلى التعامل معها وحدها.
أما «أطوي البراح»، فتقوم على مفارقة تصويرية؛ فالبراح فضاء مفتوح يوحي بالامتداد والحرية، بينما الطي فعل يوحي بالاختزال والانكماش. وكأن الذات تحاول اختصار المسافات، أو تقليص العالم الواسع إلى مساحة تستطيع احتمالها.
ثم تأتي الصورة الأكثر غرابة: « أجيد اغتيال انحدار الطريق». فالاغتيال فعل عنيف، وإسناده إلى انحدار الطريق ينقل الصراع من مستوى الحركة الخارجية إلى مستوى المواجهة مع المسار الذي تقود إليه الحياة. وقد يوحي التعبير بمحاولة إيقاف التدهور أو تعطيل النهاية أو مقاومة الانزلاق نحو المصير المحتوم.
ومع ذلك، فإن براعة الذات في التعامل مع الطريق لا تعني قدرتها على حل أزمتها الداخلية؛ فالسؤال الختامي يظل معلقًا:
ولكنني هل أقابل نفسي إذا ما نويت
اللقاء؟
هنا تبلغ القصيدة لحظتها الأكثر عمقًا؛ لأن الذات التي حاولت التحرر من الوقت، والفرار إلى السماء، وطي الفضاء، ومقاومة انحدار الطريق، تجد نفسها أمام السؤال الذي لا تستطيع الإجابة عنه بسهولة: هل ما زلت قادرًا على مواجهة نفسي؟
إن لقاء الذات بذاتها ليس أمرًا مضمونًا، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وإلى استعداد لتجاوز المراوغة التي يفرضها الانشغال الدائم بالعالم. وقد يستطيع الإنسان أن يقطع المسافات، وأن يغير الأمكنة، وأن يقاوم ظروفه، لكنه يظل عاجزًا عن بلوغ نفسه إذا لم يمتلك القدرة على الإصغاء إلى أعماقه.
ومن هنا تأتي قوة النهاية؛ فهي لا تقدم حلًا جاهزًا، ولا تدعي أن الشاعر قد بلغ اليقين، بل تتركه أمام سؤال مفتوح، يتردد صداه في نفس القارئ. وكأن القصيدة كلها كانت رحلة طويلة للبحث عن الذات، ثم اكتشفت أن أصعب المسافات ليست تلك التي تفصلنا عن العالم، وإنما تلك التي تفصلنا عن أنفسنا.

اللغة والصورة والإيقاع.. جماليات القلق الشعري
تعتمد قصيدة «عراء» على لغة تميل إلى التكثيف والتأمل، وتجمع بين مفردات مألوفة مثل «الصبح» و«المساء» و«الوقت» و«الطريق»، وتراكيب تنقل هذه المفردات إلى فضاء رمزي، مثل «ربقة الوقت» و«أمضغ الوقت» و«اغتيال انحدار الطريق».
وهذه اللغة لا تقوم على الزخرفة اللفظية بقدر ما تقوم على تحويل التجربة النفسية إلى صور محسوسة. فالوقت يُمضغ، والطريق يُغتال انحداره، والبراح يُطوى، والنوافذ تضيق بالذات. وتكشف هذه الاستعارات عن رغبة في تجسيد المجرد، بحيث يصبح القلق شيئًا يمكن تخيله، ويغدو الزمن قوة محسوسة تضغط على الإنسان.
كما تتكرر الاستفهامات في مواضع محورية من النص، مثل «كيف لم أنتبه» و«ما لتلك النوافذ؟» و«هل أقابل نفسي؟». وهي استفهامات لا تنتظر إجابات مباشرة بقدر ما تكشف عن حركة الوعي وهو يتنقل من الدهشة إلى الحيرة، ومن محاولة الفهم إلى الاعتراف بالعجز.
ويؤدي التكرار الدلالي المرتبط بالوقت والضيق والانفلات دورًا في توحيد التجربة، بينما تمنح الجمل القصيرة نسبيًا والوقفات المتتابعة النص نبرة أقرب إلى الاعتراف الداخلي المتقطع. فالشاعر لا يتحدث من موقع الراوي الذي امتلك حقيقة تجربته كاملة، بل من موقع الذات التي تحاول فهم ما يحدث لها في أثناء حدوثه.
ومن حيث البناء، يبدو النص قائمًا على حركة تأملية تتصاعد تدريجيًا: يبدأ بالمفارقة بين الصبح والمساء، ثم ينتقل إلى سرعة الزمن، فإلى ضيق المكان والرؤية، ثم إلى طلب الخلاص، لينتهي بمواجهة الذات. وهذا التدرج يمنح القصيدة وحدة نفسية، على الرغم من انتقالها بين صور الزمن والمكان والسماء والطريق.
ويمكن قراءة هذا البناء بوصفه انتقالًا من سؤال العالم إلى سؤال الذات؛ فمن البداية يسأل الشاعر عن الزمن الذي مر دون انتباه، وفي النهاية يسأل عن إمكان اللقاء بالنفس. وبين السؤالين تتشكل رحلة كاملة من الاغتراب إلى محاولة المصالحة الداخلية.

بين الرغبة في الرحيل والخوف من النهاية
لا تخلو القصيدة من توتر بين رغبتين متعارضتين: الرغبة في الإفلات من قيود الزمن، والرغبة في البقاء والاستقرار. فالذات تضيق بما تعيشه، لكنها لا تتعامل مع الرحيل باعتباره حلًا محسومًا؛ إنها تتطلع إلى فضاء آخر، ثم تعود لتتساءل عن إمكان الاستقرار، وتختم رحلتها بالسؤال عن لقاء النفس.
وهذا التوتر هو ما يمنح التجربة صدقها الإنساني. فالإنسان لا يرغب دائمًا في الفناء حين يضيق بالحياة، كما أنه لا يجد الطمأنينة بمجرد استمرارها. إنه يبحث عن صيغة أكثر احتمالًا للوجود، عن زمن لا يبتلعه، وعن فضاء لا يختنق فيه، وعن ذات يستطيع مواجهتها دون خوف.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي اختزال «العراء» في دلالة التشاؤم أو اليأس وحدهما؛ فالقصيدة، رغم نبرتها القلقة، تحمل في أسئلتها رغبة في الفهم. والوعي بالأزمة قد يكون بداية تجاوزها، حتى إن لم يصل النص إلى إجابة نهائية.
إن السؤال الأخير يظل علامة على أن الذات لم تستسلم تمامًا؛ فهي لا تزال تفكر في اللقاء، وتختبر إمكانه، وتبحث عن الطريق إليه. ولعل هذه الرغبة في السؤال هي آخر ما يحمي الإنسان من السقوط الكامل في العدم.

خاتمة: العراء بوصفه امتحانًا للوعي
تقدم قصيدة «عراء» للدكتور محمد خيري الإمام تجربة شعرية تتخذ من قلق الزمن مدخلًا إلى مساءلة الوجود الإنساني. فالزمن فيها ليس مجرد أيام تنقضي، بل قوة تكشف هشاشة الإنسان، والمكان ليس مجرد فضاء واسع، بل مرآة لضيق الرؤية، والطيور ليست مجرد كائنات تحلق في السماء، بل رمز للحلم بالتحرر من القيود.
وتتجلى القيمة الأبرز في القصيدة في قدرتها على جمع هذه العناصر داخل مسار نفسي واحد، ينتهي عند مواجهة الذات. فبعد أن يتساءل الشاعر عن الصبح والمساء، وعن العمر الذي مر سريعًا، وعن النوافذ التي تضيق، وعن الطيور التي يمكن أن تحمله بعيدًا، يصل إلى السؤال الأصعب: هل يستطيع لقاء نفسه؟
وهنا تكمن المفارقة التي تمنح القصيدة عنوانها معناها الأعمق؛ فالإنسان قد يظل محاطًا بالعالم، لكنه يشعر بالعراء حين يفقد صلته بذاته، وقد يمتلك فضاءً واسعًا للحركة، لكنه يظل أسيرًا إذا عجز عن تجاوز خوفه الداخلي.
إن «عراء» ليست قصيدة عن نهاية الطريق بقدر ما هي قصيدة عن الوعي بالطريق، وليست مجرد شكوى من الزمن، بل محاولة لفهم ما يفعله الزمن بالروح حين تنشغل عن نفسها. وبين الرغبة في الانفلات والحاجة إلى الاستقرار، يظل الإنسان واقفًا في المسافة الفاصلة بين الخوف والأمل، باحثًا عن لحظة صادقة يستطيع فيها أن يلتقي بنفسه، وأن يرى العالم من جديد.
وبذلك ينجح الشاعر في تحويل العراء من حالة انكشاف مؤلمة إلى سؤال شعري مفتوح عن الحرية والوعي والمصير؛ سؤال لا ينتهي بانتهاء القصيدة، بل يبدأ من اللحظة التي يضع فيها القارئ نفسه أمام المرآة ذاتها.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخوف حين يرتدي قناع الكذب.. قراءة نقدية في قصيدة «يا كدابة» ...
- عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة ...
- مين اللي بينبح؟ || أغنية
- حين يتحوّل الخوف إلى نباح.. قراءة نقدية في قصة «نباح» لمحمد ...
- رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الوا ...
- سينما أونطة .. والجدعنة بجد|| أغنية
- سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة ...
- رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة ...
- خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست ...
- جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل ...
- نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة « ...
- دروب الصمت.. حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح وملاذًا من ضجيج ال ...
- دروب الصمت| أغنية
- بطل من ورق.. جاع فأكل الورق! في قصة «ورق» ل أحمد عوض
- انفصام الشخصية بسبب الصدمة العاطفية في قصة «نار خلف النافذة» ...
- بين الأمل والخذلان: قراءة في قصة -حدث ذات يوم- لعبد الحميد ا ...
- ومضات ساخرة من الحياة اليومية
- الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤا ...
- بين الوجدان والجسد: قراءة نقدية في قصة «روح خفية» للكاتب ولي ...
- «تفاحة الذاكرة» دراسة نقدية مفصّلة عن قصة «صندوق الذاكرة» لل ...


المزيد.....




- مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار ...
- -قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص ...
- أحمد سعد يفقد صوته قبل إطلاق ألبومه -الموسيقى العربية-
- الإنتاج السينمائي التونسي:-بكمة- و-ويك إند-.. فيلما رعب ينال ...
- فرنسا: شخصيات من عالم الثقافة والرياضة توقع عريضة مناهضة للع ...
- ماكلمور يطلق جولة -الحرية لفلسطين- بعد استبعاده من حفلات إد ...
- موسكو تكشف تفاصيل مشروع المبنى الجديد للسيرك الكبير
- مركز -عدالة- في إسرائيل: نقص في أوراق الاقتراع باللغة العربي ...
- -حين تنطق أخشاب البيوت القديمة-.. متاحف قطر تحول ذكريات الأج ...
- -الحرية لفلسطين-... جولة جديدة لمغني الراب الأمريكي ماكلمور ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - عراء الروح في زحام الزمن.. جدل البقاء والفناء في قصيدة محمد خيري الإمام