أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة نقدية في قصيدة «عُطيل» للشاعرة شيماء الغيطي















المزيد.....

عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة نقدية في قصيدة «عُطيل» للشاعرة شيماء الغيطي


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 10:18
المحور: الادب والفن
    


ليست كل قصائد الحب حديثًا عن العاشقين، وليست كل قصائد الفراق رثاءً لعلاقة انتهت؛ فبعض النصوص الشعرية تنفذ إلى المناطق المعتمة في النفس الإنسانية، حيث تتصارع الرغبة مع الخوف، والحنين مع الكبرياء، والحاجة إلى الآخر مع العجز عن الوصول إليه. ومن هذه المنطقة النفسية الملتبسة تنطلق قصيدة «عُطيل» للشاعرة شيماء الغيطي، المنشورة بجريدة صوت الوفد، العدد 1001، سبتمبر 2026، ص 13، لتقدم خطابًا شعريًا بالعامية المصرية، تتشابك فيه ظلال الحب والخذلان والاحتراق الداخلي، ويتحول فيه العاشق من صاحب حلم إلى أسير انتظار، ومن طالب للوصال إلى روح تتآكل تحت وطأة الغياب.

العنوان.. استدعاء المأساة من الذاكرة الإنسانية
يأتي عنوان القصيدة «عُطيل» محمّلًا بدلالات تتجاوز حدود الاسم، فهو يستدعي إلى الذاكرة شخصية عُطيل في مأساة شكسبير الشهيرة، تلك الشخصية التي ارتبطت بالغيرة والشك وانهيار الثقة، وانتهت مأساتها إلى تدمير الحب والحياة معًا. غير أن الشاعرة لا تستدعي الشخصية بالضرورة لتعيد إنتاج الحكاية الشكسبيرية في تفاصيلها، بل توظف الاسم بوصفه مدخلًا رمزيًا إلى مأساة عاطفية أوسع، تتصل بما يحدث للحب حين يفقد أمانه، وللإنسان حين يصبح أسيرًا لتأويلات موجعة وأسئلة لا تجد إجابات.
ومن هنا تكتسب القصيدة عنوانها قوته؛ إذ يضع القارئ منذ البداية أمام أفق مأساوي، ويجعله يتساءل: هل نحن أمام عُطيل الذي يقتل الحب بغيرته، أم أمام ضحية أخرى من ضحايا الشك والغياب؟ وهل المأساة فيمن يرحل، أم فيمن يظل متعلقًا بما لم يعد موجودًا؟
إن هذا التوتر بين الاسم التراثي والحالة الوجدانية المعاصرة يمنح النص فرصة للانتقال من التجربة الفردية إلى الدلالة الإنسانية العامة، ويجعل العنوان مفتاحًا لتأويل القصيدة، لا مجرد تسمية لها.

من »العطيل « إلى الطائر المخنوق.. صورة الحب حين يفقد حريته
تقول الشاعرة:
»زي طير مخنوق ف طوقه«
في هذا التعبير الشعبي المكثف تتجلى واحدة من أبرز صور القصيدة؛ فالطائر، في الوعي الإنساني، رمز للحرية والانطلاق، لكن الشاعرة تقدمه مخنوقًا داخل طوقه. وهنا تنشأ المفارقة: ما يفترض أن يحيط بالطائر ويحفظه يتحول إلى أداة تخنقه، وما قد يبدو في البداية إطارًا للحماية أو الانتماء يصبح قيدًا يسلبه القدرة على التحليق.
ويمكن قراءة هذه الصورة بوصفها تمثيلًا لعلاقة عاطفية فقدت توازنها؛ فالحب الذي يفترض أن يمنح الروح أجنحة قد يتحول، حين تختلط به السيطرة والشك والخوف، إلى علاقة تستنزف أطرافها. كما أن الطوق يوحي باستمرار الأسر، فلا يكفي أن يرغب الطائر في الطيران ما دام القيد قائمًا حول عنقه.
وتزداد دلالة الصورة وضوحًا حين نربطها بعنوان القصيدة؛ فالمأساة هنا لا تتعلق بالحب وحده، بل بالتحول الذي يصيب الحب حين يفقد قدرته على منح الحرية والطمأنينة. ومع ذلك، تظل الصورة قابلة لقراءة أخرى: فقد يكون القيد هو التعلق ذاته، حين يتحول الانتظار إلى سجن يصنعه المحب لنفسه، حتى بعد أن يغيب الطرف الآخر.

رحلة القلب.. من الحلم إلى التيه
تقول الشاعرة:
»زي رحلة قلب حب ف يوم ما طالش
عارف أنت يعني إيه
حب وما طالش«
تقوم هذه المقاطع على لغة قريبة من المحادثة اليومية، لكنها تحمل خلف بساطتها سؤالًا وجوديًا عن معنى الحب الذي لا يبلغ غايته. فالحب هنا ليس علاقة مكتملة تستقر في الذاكرة، بل رحلة توقفت قبل الوصول، ومشروع عاطفي ظل معلقًا بين التمني والتحقق.
والتعبير »حب وما طالش« يحمل قدرًا من المرارة؛ إذ لا يتحدث عن حب انتهى بعد أن استنفد فرصه، بل عن حب لم يُمنح الوقت الكافي كي يصبح حياة مشتركة. إنه وجع الإمكان الذي لم يتحقق، والحلم الذي ظل محتفظًا بصورته المثالية لأنه لم يدخل اختبار الواقع طويلًا.
وتنجح الشاعرة في تحويل هذا المعنى إلى سؤال مباشر: »عارف أنت يعني إيه؟«. فالسؤال لا يطلب معلومة بقدر ما يستدعي المشاركة الوجدانية؛ إنه محاولة لإجبار المخاطب على الاقتراب من تجربة لا يستطيع فهمها إلا إذا اختبر ألمها. وهكذا يتحول الخطاب الشعري من وصف الحزن إلى مساءلة الآخر عن مسؤوليته، أو على الأقل عن قدرته على إدراك حجم ما خلّفه.

الروح المصلوبة.. الحب بوصفه امتحانًا للوجود
ومن أكثر صور القصيدة كثافة قول الشاعرة:
»يعني روح مصلوبه فوق كهل المفنيش
يعني نفسك تخنقه علشان تعيش«
تنتقل الصورة هنا من مجال الطائر والقيد إلى المجال الديني والوجودي، عبر مفردة »مصلوبة«، التي تستحضر الألم والانتظار والعجز عن الخلاص. فالروح ليست حزينة فحسب، وإنما معلقة في وضع قاسٍ، كأنها تدفع ثمنًا لا تستطيع التخلص منه.
وتبلغ المفارقة ذروتها في الرغبة في خنق الآخر »علشان تعيش«. فالحياة، التي يفترض أن تكون غاية الحب، تتحول إلى صراع بين البقاء والاختناق، ويصبح التخلص من مصدر الألم شرطًا متخيّلًا لاستعادة الذات. لكن هذه الرغبة تكشف في الوقت نفسه عمق التناقض الداخلي؛ فالمحب لا يريد بالضرورة تدمير الآخر بقدر ما يريد إيقاف النزيف الذي يسببه حضوره الغائب أو حضوره المؤلم.
ومن المهم هنا ألا نقرأ التعبير بوصفه دعوة حرفية إلى العنف، بل بوصفه صورة انفعالية تكشف بلوغ الأزمة النفسية حدًّا شديدًا من الاحتقان. فالشاعرة ترسم لحظة يتشابك فيها الحب بالغضب، وتتجاور فيها الرغبة في النجاة مع الرغبة في معاقبة من تسبب في الألم.
ومع ذلك، فإن قوة هذه الصورة تضع النص أمام مسؤولية فنية؛ إذ تحتاج مثل هذه التعبيرات الصادمة إلى سياق يضمن ألا تتحول المبالغة الانفعالية إلى بديل عن التدرج النفسي. وهي نقطة تتصل بالبناء العام للقصيدة ومدى نجاحها في تنظيم تصاعد مشاعرها.

الدموع والأسئلة.. حين يصبح الغياب لغة
تقول الشاعرة:
»لما تغرق دنيتك طيف ف المحال
دمع عينك تنزفه من غير سؤال
هوه إيه جواك يا حضرة؟
خير؟ فيه إيه؟«
هنا يتجسد الحزن في صورة عالم يغرق في المستحيل. والتعبير »طيف ف المحال« يضع القارئ أمام حضور مراوغ؛ فثمة طيف لا يمكن الإمساك به، وذكرى تستمر في إثارة المشاعر، لكنها لا تمنح صاحبها فرصة حقيقية لاستعادة ما فقده.
أما الدموع التي تنهمر »من غير سؤال«، فتشير إلى بلوغ الألم درجة يستغني فيها الجسد عن اللغة. فالدمع يسبق التفسير، ويكشف ما يعجز صاحبه عن الاعتراف به. ثم يأتي السؤال: »هوه إيه جواك يا حضرة؟« ليكسر المسافة بين المتكلم والمخاطب، وينقل القصيدة من التأمل في الألم إلى المواجهة المباشرة.
ولفظة »يا حضرة« ذات نبرة عامية لافتة؛ فهي تحمل شيئًا من التهكم أو العتاب الممزوج بالمرارة، وكأن المتكلمة تحاول أن تحاصر صمت الآخر بأسئلة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها رغبة عميقة في معرفة ما جرى.
إنها مفارقة إنسانية مؤلمة: قد يكون السؤال عن الحال وسيلة للاطمئنان، لكنه يتحول هنا إلى محاولة لكشف ما لا يقال. فالصمت نفسه يصبح خطابًا، والدموع تتحول إلى اعتراف غير مكتمل، بينما يظل الطرفان عالقين بين الرغبة في الفهم والخوف من الحقيقة.

»دمعتين سخنين«.. الجسد يكتب ما تعجز عنه الكلمات
تواصل الشاعرة:
»دمعتين سخنين يهدوا ألف مارد
زلزلوا الأشواق«
في هذين السطرين تتحول الدموع إلى قوة فاعلة، لا إلى علامة سلبية على الانكسار. فالدمعتان، رغم ضآلة حجمهما، قادرتان على إسكات »ألف مارد«، وهي مبالغة شعرية تمنح الانفعال الداخلي قدرة على قهر ما يبدو هائلًا ومستعصيًا.
والمارد هنا صورة للقوى التي تستبد بالنفس: الغضب، والحنين، والغيرة، والخوف، وربما الذكريات التي لا تهدأ. وتبدو الدموع كأنها لحظة انفراج مؤقتة، تستعيد فيها الذات قدرتها على التعبير بعد طول احتباس.
غير أن العبارة »زلزلوا الأشواق« تفتح مجالًا لتأويل أكثر تعقيدًا؛ فالدموع لا تهدئ الألم بالضرورة، وإنما قد تزيد الشوق اضطرابًا، وتعيد تحريك المشاعر التي حاول صاحبها إسكاتها. وهكذا تتأرجح القصيدة بين التنفيس عن الوجع وإعادة إشعاله، وهي حركة تتناسب مع طبيعة التجربة العاطفية التي لا تسير في خط مستقيم من الحزن إلى التعافي.

»ف نبضي.. وأنت بارد«.. ذروة المفارقة العاطفية
تقول الشاعرة:
»ف نبضي
وأنت بارد
يا ابن روحي«
هنا تصل القصيدة إلى واحدة من أكثر لحظاتها وضوحًا من الناحية الدرامية. فالمتكلمة تعلن حضور الآخر داخل نبضها، بينما تصفه بالبرود. وبين الكلمتين تتسع الهوة: حضور داخلي شديد، يقابله غياب وجداني أو عجز عن الاستجابة.
ويكشف هذا التضاد عن اختلال ميزان العلاقة؛ فثمة طرف يمنح المشاعر أقصى درجات الحضور، وطرف يبدو عاجزًا عن مبادلتها بالقدر نفسه. ولا يقتصر الألم على احتمال الفراق، بل يمتد إلى الشعور بأن الإنسان يحمل الآخر في داخله، في حين لا يجد لنفسه المكان ذاته في قلبه.
أما نداء "يا ابن روحي"، فيحمل حميمية لافتة، ويمنح العلاقة عمقًا يتجاوز حدود الإعجاب العابر. فالآخر ليس شخصًا خارجيًا فحسب، وإنما جزء من التكوين الوجداني للمتكلمة. ولهذا يصبح بروده أكثر إيلامًا؛ لأن ما يصدر عنه لا يُستقبل باعتباره موقفًا من شخص غريب، بل جرحًا يصيب الذات من داخلها.
وهنا تكمن المفارقة المركزية في القصيدة: كلما ازداد الآخر حضورًا في الوجدان، ازداد وجع المسافة بينهما.

العمر الذي يتسرب.. استعارة الفناء في تجربة الحب
تتابع الشاعرة:
»ليه تنفض عمري منك
وأنت لضمة روحي فيك«
تطرح هذه العبارة سؤالًا يتجاوز العتاب المباشر، ليصل إلى معنى الزمن الذي يُستهلك في علاقة غير متوازنة. فالعمر لا يُقاس هنا بالسنوات، وإنما بما يتسرب من طاقة النفس في الانتظار والتعلق ومحاولة استعادة ما يتعذر استعادته.
والفعل »تنفض« يحمل إيحاءً بالحركة التي تُلقي شيئًا عالقًا أو تتخلص منه، وكأن العمر مادة يمكن أن تتساقط من اليد أو تُبعثر بفعل علاقة لا تمنح صاحبها ما يرجوه منها. وفي المقابل، تستحضر »ضمة روحي« صورة الاحتواء الكامل، حيث لا تطلب المتكلمة مجرد لقاء عابر، بل تبحث عن حضن معنوي يضم شتات الذات.
غير أن السؤال يكشف مأزقًا آخر: هل يستطيع الحب أن يستمر إذا أصبح استنزافًا لأحد طرفيه؟ وهل تكفي شدة التعلق لتأسيس علاقة قابلة للحياة؟ لا تقدم القصيدة إجابة مباشرة، لكنها تضع القارئ أمام التناقض بين الحاجة إلى الآخر وضرورة حماية الذات من الذوبان فيه.
ومن هنا يمكن فهم النص بوصفه محاولة لاستعادة الصوت الشخصي بعد فترة من الصمت، وإن كانت هذه الاستعادة لا تزال محاطة بقدر كبير من الألم والارتباك.

لغة القصيدة.. العامية المصرية بين العفوية والتكثيف
تعتمد شيماء الغيطي على العامية المصرية، مستفيدة من طاقتها التعبيرية وقدرتها على نقل الانفعالات اليومية دون حواجز لغوية. وتظهر هذه السمة في الأسئلة المباشرة، والتراكيب المألوفة، والنداءات الحميمة، مثل: »عارف أنت يعني إيه؟«، و«خير؟ فيه إيه؟«، و«يا ابن روحي«.
ولا تأتي العامية هنا مجرد اختيار لغوي يناسب جمهورًا معينًا، بل تشارك في تشكيل التجربة نفسها؛ فالمتكلمة تبدو وكأنها تتحدث إلى شخص تعرفه جيدًا، وتعاتبه بلغتهما المشتركة، وتستدعيه إلى مواجهة حقيقة لا تريد أن تظل حبيسة داخلها.
كما تستفيد القصيدة من التكرار والتوازي، ومن التنقل بين الجمل القصيرة والتعبيرات المشحونة. ويمنح هذا التنوع الخطاب نبرة أقرب إلى البوح والانفعال المباشر، بدلًا من الالتزام ببناء غنائي منتظم ذي وزن وقافية ثابتين في جميع المقاطع.
لكن هذه العفوية تفرض تحديًا فنيًا أيضًا؛ فالقرب من لغة الحياة اليومية لا يكفي وحده لصناعة الشعر، ما لم تتحول العبارة المألوفة إلى صورة ذات خصوصية، أو تكتسب داخل السياق دلالة جديدة. وتنجح القصيدة في ذلك بوضوح في صور الطائر المخنوق، والروح المصلوبة، والنبض الذي يقابله البرود، بينما تبدو بعض الأسئلة والعبارات أقرب إلى التعبير الانفعالي المباشر، وكان من الممكن أن تزداد كثافتها الشعرية بمزيد من الاختزال والانتقاء.

البناء الفني.. تصاعد الوجع من الصورة إلى المواجهة
يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها مسارًا وجدانيًا يبدأ بصورة العطيل وما تحمله من إيحاء مأساوي، ثم ينتقل إلى اختناق الطائر، وفشل رحلة الحب، وصلب الروح، وانهمار الدموع، وصولًا إلى مواجهة الآخر ببروده وما يسببه من استنزاف للعمر.
هذا التدرج يمنح النص حركة داخلية؛ فالمتكلمة لا تكتفي بوصف حالتها، بل تنتقل بين صور الألم وأسئلته، وتتحول تدريجيًا من استحضار التجربة إلى محاسبة الطرف الآخر. ويتوافق هذا البناء مع طبيعة القصيدة الغنائية التي تستمد وحدتها من تصاعد الشعور وتكرار محوره الأساسي، أكثر مما تستمدها من الحكاية المتسلسلة.
ومع ذلك، فإن كثافة الصور وتواليها يثيران سؤالًا نقديًا مشروعًا: هل تتساند الصور جميعًا لتكوين رؤية واحدة، أم أن بعضها يتزاحم داخل المساحة الانفعالية نفسها؟ فبين الطائر المخنوق والروح المصلوبة والدموع التي تهدئ المارد والنبض الذي يصطدم بالبرود، تمتلك القصيدة ثروة تصويرية واضحة، لكنها تحتاج في بعض المواضع إلى مزيد من الربط العضوي بين الصورة وما يليها، حتى لا تبدو الصور متجاورة أكثر من كونها حلقات متكاملة في بناء واحد.
وهذه الملاحظة لا تنتقص من صدق التجربة، بل تشير إلى المسافة التي تفصل بين قوة الشعور واكتمال الصياغة الفنية؛ وهي مسافة يظل عبورها أحد أهم تحديات الكتابة الشعرية.

بين الشكسبيرية والتجربة الشخصية.. ماذا تضيف »عُطيل»؟
تنبع قيمة استدعاء عُطيل من أن الشخصية ليست مجرد رمز للغيرة، بل نموذج للمأساة التي تتشكل عندما تتصدع الثقة ويصبح الشك قوة مدمرة. لكن قصيدة شيماء الغيطي، كما تكشف مقاطعها، لا تنشغل بتفاصيل المأساة الأصلية بقدر ما توظف ظلالها للاقتراب من أزمة وجدانية معاصرة.
وهنا تظهر نقطة جديرة بالتأمل: العنوان يوحي بصراع يرتبط بالغيرة والشك، بينما تتجه المقاطع بوضوح إلى الاختناق العاطفي، وعدم التكافؤ في المشاعر، والخذلان، واستنزاف العمر. وهذه المسافة بين العنوان والمتن يمكن أن تكون مصدرًا للثراء التأويلي، إذا قرأناها باعتبارها انتقالًا من مأساة الشك إلى مأساة الحب الذي يفقد الأمان؛ لكنها تظل بحاجة إلى مزيد من القرائن النصية إذا أردنا الجزم بأن الشاعرة تقصد إعادة بناء المأساة الشكسبيرية تحديدًا.
وبذلك يظل العنوان مدخلًا خصبًا للقراءة، لكنه لا يغني عن الانطلاق من ألفاظ القصيدة وصورها، ولا يبرر تحميلها تفاصيل لا يثبتها النص.

خاتمة.. حين يصبح الحب سؤالًا عن النجاة
في قصيدة »عُطيل«، تقدم شيماء الغيطي تجربة وجدانية تقوم على التوتر بين التعلق والخذلان، وبين الرغبة في الاحتواء والإحساس بالاختناق. وتستمد القصيدة جانبًا مهمًا من قوتها من لغتها العامية القريبة، ومن صورها التي تجسد الألم في هيئة طائر مخنوق، وروح مصلوبة، ودموع تتصارع مع الأشواق، ونبض يجد أمامه برودًا لا يفهمه.
أما أبرز ما يلفت في النص فهو قدرته على تحويل العتاب الشخصي إلى سؤال إنساني أوسع: ماذا يحدث للإنسان حين يمنح قلبه علاقة لا تمنحه الطمأنينة؟ ومتى يصبح التعلق شكلًا من أشكال فقدان الذات؟ وهل يكون النجاة في استعادة الآخر، أم في استعادة النفس التي أرهقها الانتظار؟
لا تحسم القصيدة هذه الأسئلة، وربما تكمن دلالتها في أنها تتركها مفتوحة، معلقة بين نداء »يا ابن روحي« ومرارة »وأنت بارد« . ففي هذه المسافة تحديدًا تتكشف مأساة المتكلمة: أن تحمل الآخر في أعمق مواضعها، بينما تشعر بأنها لا تجد عنده ما يوازي هذا الحضور.
وهكذا لا تكون «عُطيل» مجرد قصيدة عن الحب الذي لم يكتمل، بل محاولة لالتقاط اللحظة التي يتحول فيها الحب من وعد بالحياة إلى سؤال موجع عن القدرة على مواصلة الحياة. وهي، بما تحمله من صدق وجداني وصور لافتة، تقدم مادة صالحة للتأمل النقدي، وتكشف عن طاقة تعبيرية يمكن أن تزداد نضجًا كلما أحكمت الشاعرة بناء صورها، وعمّقت الصلة بين الرمز والتجربة، ومنحت الصمت أحيانًا ما تمنحه الكلمات من مساحة.
فالمأساة الحقيقية ليست دائمًا أن يرحل من نحب، بل أن نظل نحمله في نبضنا، فيما لا نجد في بروده ما يعيد إلى أرواحنا دفأها.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مين اللي بينبح؟ || أغنية
- حين يتحوّل الخوف إلى نباح.. قراءة نقدية في قصة «نباح» لمحمد ...
- رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الوا ...
- سينما أونطة .. والجدعنة بجد|| أغنية
- سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة ...
- رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة ...
- خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست ...
- جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل ...
- نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة « ...
- دروب الصمت.. حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح وملاذًا من ضجيج ال ...
- دروب الصمت| أغنية
- بطل من ورق.. جاع فأكل الورق! في قصة «ورق» ل أحمد عوض
- انفصام الشخصية بسبب الصدمة العاطفية في قصة «نار خلف النافذة» ...
- بين الأمل والخذلان: قراءة في قصة -حدث ذات يوم- لعبد الحميد ا ...
- ومضات ساخرة من الحياة اليومية
- الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤا ...
- بين الوجدان والجسد: قراءة نقدية في قصة «روح خفية» للكاتب ولي ...
- «تفاحة الذاكرة» دراسة نقدية مفصّلة عن قصة «صندوق الذاكرة» لل ...
- دراسة نقدية متكاملة عن قصة -معادلة راجعة- للكاتب غسان حداد
- أدوات الحلم: تأويل وظلال الطموح في «مشاهد حلم»


المزيد.....




- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...
- آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - عُطيل.. حين يموت الحب تحت وطأة الشك، وتظل الروح تنزف|| قراءة نقدية في قصيدة «عُطيل» للشاعرة شيماء الغيطي