أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نايف سلوم - مساهمة في مسألة دور الفرد في التاريخ















المزيد.....


مساهمة في مسألة دور الفرد في التاريخ


نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري

(Nayf Saloom)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 04:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


وفي مقولة اليوم الآخر:
أنّ الهدف من الانضباط
هو الإعلاء من شأن الحرية
تعتقد السوسيولوجيا الحيوانية التطورية (المستندة إلى هربرت سبنسر: 1820-1903) أن العاطفة والاحاسيس تلعب الدور الأساس المهيمن في التقدم الإنساني، بينما لا يلعب الذهن والعقل إلا دوراً ثانوياً تابعاً. والذهن أصل يدل على قوة. هو عقل بالقوة واستعداد أصلي في الدماغ، والفطنة وقوة الذاكرة والحفظ. بينا العقل هو نقيض الجهل، وعقل إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله. وهو مستعار من فعل الربط على قولة تخص الدابة: اعقلها وتوكل.
بهذه السوسيولوجيا الوضعية يجري تقديس العفوية وتهميش التنظيم والقيادة والسيطرة والتوجيه. ودور الافراد الخطير حسب موقعهم في الهرمية الاجتماعية أو التنظيمية
إن الرد على هذه النظرية المبتذلة وفق نظرية العوامل (عامل الحس، وعامل الذهن)، لا يغير من جوهر الامر شيئاً، حيث مرة يقدم عامل الحس والعاطفة، وآخر يقدم عامل الذهن والعقل، في آلية نظر تجريدية تبطل ديالكتيك العقل-العاطفة (الذهن-الحس). وهذا ما نراه عند الذين يفصلون بين البنية التحتية والفوقية فصلاً ميكانيكياً، وكذلك يفعلون في علاقة الذات بالموضوع عبر الحديث عن عوامل ذاتية وعوامل موضوعية.
وبالفعل كما يقول بليخانوف: "فإن نظرية العوامل سطحية في جوهرها لأنها تنتقي بصورة اعتباطية مظاهر مختلفة من الحياة وتؤقنمها، محولة إياها إلى قوى من نوع خصوصي تدفع الانسان الاجتماعي من جوانب مختلفة وبدرجة متفاوتة من النجاح على طول طريق التقدم“
والأقانيم هي علل ومبادئ ظاهرة في كيانات وأشخاص قادرة وفاعلة في التاريخ. في اللغة السريانية: مشتقة من كلمة (قنوما) وتعني الذات، أو الكيان، أو ما يتميز عن سواه دون انفصال. في اللغة اليونانية: (هيبوستاسيس - Hypostasis) وتتكون من مقطعين: "هيبو" (تحت) و"ستاسيس" (قائم)؛ ما تحت القائم، وتعني "ما يقوم عليه الجوهر أو الطبيعة".، أي علة التاريخ والطبيعة. وما يعتمد عليه شخص القائم عند القيامة التاريخية، حيث يحجبه بقيامته ويظهر بالأحدية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: 1]. فقيامة النبي محمد بإعلانه الدعوة حجبت الأقانيم المسيحية الثلاثة بشخصه. وحجبت العلل التاريخية التي حملت دعوته.
ينتقد بليخانوف السوسيولوجي الفاضل ونظريته التجريدية الاعتباطية في "العوامل" قائلاً: "لقد وجدت طبيعة ذهنه الانتقائية في وقت لاحق تعبيراً باهراً عنها في الهجمات التي شنها ضد المادية الجدلية التي رأى فيها مذهباً يضحي "للعامل الاقتصادي" بجميع العوامل الأخرى، ويلغي دور الفرد في التاريخ". ومن سخرية التاريخ أن يحول فكر البيروقراطية الستالينية (الماركسية السوفياتية) هذا الاتهام إلى حقيقة تاريخية، حيث جُمِّد الديالكتيك وتحول إلى نظرية دوغمائية أساسها سيطرة العامل الاقتصادي، وإلى جبرية اقتصادية وحتمية تاريخية متماهية مع الجبرية أو القدرية. وشاع أسلوب تقسيم أمور الثورة إلى عوامل موضوعية وعوامل ذاتية في برامج الأحزاب الشيوعية البيروقراطية الستالينية التابعة لأوامر الأممية الشيوعية (الكومون تيرن)
وقبل أن تتبلور نظرية المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، كان يجري الخلط بينها وبين المادية الميكانيكية التي هي ضرب من جبرية مادية. يقول بليخانوف: إن الماديين يلامون لتحيزهم إلى اليقينية (ضرب من الجبرية)، حتى قبل تكوّن مفهومهم الجدلي عن الطبيعة والتاريخ. إننا نستذكر المساجلة التي قامت بين العالم الإنكليزي الشهير بريستلي وبرايس. فقد زعم برايس عند تحليله نظرية بريستلي، بين أشياء أخرى (inter alia)، أن المادية (الجبرية) متنافرة مع مفهوم الحرية، وأنها تحول دون أي نشاط مستقل من جانب الفرد " ويعلق بليخانوف بالقول: "ومما لا يطاله أدنى شك أن المفهوم المادي (الجبري) عن الإرادة الإنسانية يستطيع أن يسير يداً بيد مع الفعاليات العملية الأشد عنفواناً " ولقد أشار غوستاف لانسون إلى "أن جميع المذاهب التي فرضت أعظم المطالب على الإرادة البشرية نادت مبدئياً بأن الإرادة مجبرة. لقد كانت تنكر الحرية وتخضع العالم للجبرية". يعلق بليخانوف على كلام لانسون بالقول: "يخطئ لانسون بالاعتقاد بأن أي إنكار لما يعرف بحرية الإرادة يؤول إلى الجبرية. لكن هذا لم يمنعه من تسجيل حقيقة تاريخية بالغة الأهمية، إن التاريخ يبين بالفعل أن الجبرية بالذات لم تكن بصورة دائمة معيقة للعمل النشيط في الممارسة، بل الامر على النقيض من ذلك، إذ كانت في بعض المراحل قاعدة سيكولوجية أساسية لمثل ذلك العمل (مثال ذلك الطهرانيين في القرن 17 في بريطانيا،) “
نأخذ عبارة بليخانوف التي مفادها: إن الأمور جميعاً في هذا المجال تتوقف على ما إذا كانت نشاطاتي الخاصة تشكل حلقة أساسية في سلسلة الاحداث الضرورية. فإذا كانت تفعل ذلك فإني أتصرف إذاً بمزيد من الحزم بقدر ما يكون ترددي أقل، ليس في ذلك ما يدعو إلى العجب."
إن العجب يكمن في هذا العلم العظيم لدى شخص بعينه، علم يجعله “يتبصر بأن نشاطاته حلقة أساسية في سلسلة الاحداث الضرورية"، بالتالي هو متبصر سلفاً بسلسلة الاحداث الضرورية.
إن بلوغ اليقين الحق أو معرفة عين اليقين وحقه يعني بالنسبة لهذا الفرد- الشخص "أن انعدام حرية الإرادة يضاهي بالنسبة إلى ذلك الفرد-الشخص العجز المطلق عن العطالة، وإن مثل هذا الانعدام لحرية الإرادة ينعكس في ذهنه من حيث هو استحالة التصرف بصورة مغايرة لسلوكه" لقد بات مأموراً كلية بالحق الذي عاينه للتو. إن النبي الرسول الذي بلغ حق اليقين يخاطب اليتيم عثمان بن مظعون بقول القرآن: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحِجر: 94-99] يضيف بليخانوف بالقول: هذه حالة فكرية تنطبق عليها بكل دقة كلمات لوثر الشهيرة: "إني أقف هنا، ولا أستطيع غير ذلك" إن الذي شاهد عين يقين عصره لا يمكنه أن يقف غير موقف الحق، بالتالي صارت الحرية والضرورة بالنسبة له في وحدة وأصبحت المعرفة الحاقة تحت صاحب الحق وأمره. وكما قال فيلون الإسكندري: "الحرية رق تحت الله وأمره" هنا العبودية الخالصة حرية خالصة وإرادة من حديد. (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: 22] وبفضل هذه المعرفة اليقينية وهذا البصر الحديديّ يبدي البشر طاقة هائلة جداً وينجزون المآثر الابعث على الدهشة.
وسأخالف بليخانوف بخصوص هاملت وأقول: هذه الحالة الفكرية لم تكن مجهولة من قبل هاملت، وأن عجزه عن الاقدام وتنفيذ فعل الانتقام لم يكن بفعل ذلك وسببه، بل لسبب آخر أبينه باقتباسات من كتابنا "مقالات في نقد الادب- مقالة هاملت أو الوليمة المسمومة" مفادها أن موضوع الانتقام يشمل أمه إضافة لعمه قاتل أبيه الملك.
إن موضوع قتل الأم الذي أرّق القدماء تأريقاً عميقاً كان فيما يبدو مرفوضاً رفضاً باتاً عند شكسبير. وقد اعتمد على هذا التحريف للميثولوجيا الأسخيلية (نسبة لأسخيلوس) على يوريبيديس أكثر مما اعتمد على سِنيكا
نقرأ في هاملت على لسان الطيف:
الطيف: إن كانت الطبيعة سوية فيك انتفض!
ولا تدع سرير ملك الدانمرك يتحول
إلى فراش للفجور والزنى اللعين بذوي القربى
ولكن كيفما فعلت لتنفيذ هذا العمل
لا تلوث دماغك، ولا تدبر أي مكيدة
لأمك. اتركها للسماء،
وللشوك المقيم في صدرها
ليْعمل فيها وخزه ولسعه."
ونقرأ بالمقابل في أوريستس يوريبيديس:
أوريستس: إنما ألوم لوكسياس لأنه دفعني إلى عمل لعين غاية في
البشاعة، معيناً إياي بالكلام وليس بأي عون فعلي. فإني على يقين
من أني لو سألت ابي وجهاً لوجه إن كان عليّ أن اقتل أمي لرجاني
وكرر الرجاء بحار العبارة واستحلفني بلحيته ألا أغمد سيف القاتل
في صدر أمي" (مقالات في نقد الادب: 58)
هذا إذا كان الشخص يشاهد عين اليقين، فماذا لو كان جاهلاً جهلاً مطبقاً بحقيقة العصر ولا يعرف شيئاً وهو معبأ عقائدياً ومغسول الدماغ؟ نعم ستكون لديه "إرادة من حديد" لكنها اندفاعة عمياء غير مبصرة كطوفان جارف، وهو دين غاضب جرى توظيفه كقوة مضادة لحركة التاريخ، ومثاله "داعش"، ومن شابههم من السلفية الجهادية التكفيرية. حيث قوة اليأس من عدم صلاحية الإسلام للحكم والهيمنة مع ظهور ما يسمى الحداثة البورجوازية.
إن قتل الام كقتل النفس والانتحار ينسف قاعدة الكون وحامله الأساس، فما الانسان مع قتل نفسه؟! من هنا سأحور في عبارة بليخانوف قائلاً: "وهذا هو السبب في أن هاملت، ما كان يمكن قط أن يقبل بفلسفة تنص على حرية قتل الام وقتل النفس. لأن هذا ليس مجرد الضرورة وقد رفعت إلى مستوى الوعي الحاق، بل هو نسف لكل ضرورة. فما معنى الطبيعة والضرورة والمجتمع والحرية إذا ما انتحر الانسان!؟
إن الجمع بين الحرية والضرورة بفعل معرفة عين يقين العصر، يعني الجمع بينهما، ليس في نقطة الحضيض كالداعشي الجاهل المعبأ بشكل مضاد لحركة التاريخ، بل في نقطة الاوج. فإدراك الضرورة يتفق تماماً مع العمل الأشد عنفواناً في الممارسة. وهذا على الأقل ما جرى في التاريخ حتى الوقت الراهن، حيث أولئك الذين أنكروا وجود حرية الإرادة، أو بتعبير أدق، وضعوا كامل إرادتهم تحت الله وأمره (تحت أمر التقدم التاريخي)، تفوقوا في الاغلب على جميع معاصريهم في قوة إرادتهم وفرضوا عليها المطالب القصوى.
إن شخصاً مثل محمد يعمل بأمر الله الذي هو الحق من الرب سوف يبرهن على قوة إرادة أشبه بقوة العناصر الطبيعية (الحديد). (أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون) [السجدة: 3]
هنا تتوحد الحرية والضرورة في ذهني، ولا أستطيع أن أشعر بإكراه الضرورة، بيد أن هذا الانعدام للحرية هو التظاهر الاكمل لها في الوقت نفسه، حيث تنقلب إلى ضدها.
علينا أن نميز بين الحرية التي هي وعي الضرورة وادراكها ومعرفة عين يقين العصر، وبين التحرر الذي يفترض ممارسة عملية وإرادة صلبة وميزان قوى تاريخي لتجاوز الضرورة وتغيير الشرط القائم الذي يعيق التقدم التاريخي بما في ذلك تطور القوى المنتجة.
لكن متى يصبح خصوم ظاهرة معينة على يقين من حتميتها؟ ذلك حين تكون الظروف المواتية لها عديدة جداً وبالغة القوة (تضافر الظروف حسب عبارة ألتوسير). إن وعي الخصوم لضرورتها وتناقص طاقتهم مجرد تظاهرة لقوة الظروف المواتية. بيد أن عنفوان المقاومة البادية لن يتناقص لدى جميع خصومها، بل سوف ينمو عند بعضهم لإدراكهم حتميتها، إنه يتحول إذاً إلى قوة اليأس، وهذا حال الدواعش كدين "حَرْفي" غاضب محبط في موقفهم من الحداثة والعلمانية كتحديث للبنى الاجتماعية الإدارية والقضائية والتعليمية والعسكرية.
إن الازدواجيين (الثنويين) اللاجدليين الذين يطيب لهم الحديث عن العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية بعيدون عن استيعاب وحدة الحرية والضرورة وتجاوز الهوة بين الذات والموضوع.
يشير بليخانوف إلى أثر "قوانين" التطور الاجتماعي التاريخي في فعاليات الافراد (وانفعالاتهم) أصحاب التفكير النقدي" والمناهضين للوضع القائم. وكان الافراد أصحاب التفكير النقدي أحد عوامل هذا التطور، فيما قوانينه الخاصة هي العامل الاخر (إذا ما تكلمنا بكلمات نظرية العوامل). إن الرأي المناهض للذاتيين والقائل بخضوع التطور البشري لقوانين اجتماعية تاريخية قد بالغ أحياناً في الاندفاع وكان على استعداد لنسيان أن التاريخ يصنعه البشر، وأن نشاطات الافراد لا يمكن إلا أن تكون ذات أهمية في التاريخ، بشرطين: توفر الوعي بالشرط التاريخي والتنظيم والاشتراك مع الافراد المماثلين. إن الافراد حتى المنظمين المشتركين في عمل تاريخي لا يمكنهم أن يخلقوا الاحداث التاريخية الكبرى، لكن يمكنهم وعيها والاستفادة قدر الإمكان من طاقة موجتها التاريخية. وبالنسبة للرجل العظيم، فطبيعة عصره هي ضرورة معطاة تجريبياً. إن الرجل العظيم هو أداة مناسبة للتطور التاريخي. إن الافراد أو جماعات الافراد النشطين في التاريخ لم يكونوا ولن يكونوا قط أصحاب جبروت مطلق. "إن الازمان المتغيرة والشروط المتغيرة تتطلب عبقرية جديدة وسياسة جديدة" كما قال لساندروس لأهل أسبارطة
لا تظهر الضرورة خارجية إلا عند الجهلة. والمصادفة لا تظهر إلا في نقطة تقاطع العمليات الضرورية.
يقول بليخانوف: إن الهوة التي يفترض الازدواجيون (الثنويون) قيامها بين الذات والموضوع لا وجود لها". إن القول إن الحرية هي إدراك الضرورة، لا يعني أن الضرورة قد تلاشت، بل هي لا تصبح كذلك إلا لأن هويتها الكامنة أو ماهيتها قد ظهرت. إن إدراك حقيقة الشروط لا يعني تلاشيه، مثلما لا يعني إدراك حقيقة الدين أن التدين قد تلاشى. لكن الشخص العارف بالضرورة يكون وقتها التعبير الواعي الحر عن الضرورة. بالتالي كما قال هيغل: ليست الحرية شيئاً آخر سوى تأكيد الذات" تأكيدا ناجماً عن اكتناز معرفي
قلنا في كتابنا "رسالة في الغنوصية" بخصوص دور الفرد في التاريخ: ""إن الماديين الماركسيين يُلامون لتحّيزهم إلى "اليقينية" بعد بلورة مفهومهم الديالكتيكّي عن التاريخ والطبيعة. "إن التاريخ يبين بالفعل أن "اليقينية" بالذات لم تكن بصورة دائمة معوقة للعمل النشيط في الممارسة العملية الاجتماعية -التاريخية، بل الأمر على النقيض من ذلك، إذ كانت في بعض المراحل قاعدة روحية أساسية لمثل ذلك العمل. وكدليل على ذلك نستشهد بالمتطهرين (الطهرانيين) الذين تفّوقوا طاقة على جميع الأحزاب الأخرى في إنكلترا في القرن السابع عشر، ومن قبل ذلك بأتباع محمد (القرن السابع) الذين أخضعوا خلال فترة قصيرة من الزمن، مساحة شاسعة تمتد من الهند حتى أسبانيا"
فالتوحيد الحق الذي ظهر لدى محمد النبي هو عينه وحدة الحرية والضرورة بعد أن تبين له عين يقين العصر. وكذلك كانت الإرادة الاجتماعية-التاريخية الصارمة لدى لينين، بعد أن تبين له عين يقين عصره. إنها الضرورة التي تحولت إلى حرية، الحرية وقد أضحت في وحدة مع الضرورة. عند هذه النقطة يصبح الفرد-الشخص المنّظم في حلقات، قّوة اجتماعية-تاريخية عظيمة، ولن يستطيع أن يمنعه شيء عندئذ من أ ْن يتقّدم؛ و "يصب جميَع صواعق الغضب الإلهي على الكذِب الشّرير والُمراءات الفاضحة" (رسالة: 22) على قولة شكسبير في هاملت
إن الشخصيات صاحبة النفوذ تستطيع من جراء الصفات الخاصة التي تتحلى بها أذهانها وطبائعها أن تؤثر في الصفات الفردية للأحداث وفي بعض عواقبها الخصوصية، لكنها لا تستطيع أن تغير اتجاهها الشامل الذي تقرره قوى أخرى هي قوى الإنتاج وعلاقات الانتاج. وهم أنفسهم لا يوجدون إلا بفضل هذا الاتجاه الشامل. وحتى يكسب شخص ذو موهبة خاصة نفوذاً كبيراً على مجرى الاحداث لا بد من توفر شرطين: أن يكون ملائماً للحاجات الاجتماعية لعصر بعينه، وثانياً، طبيعة النظام الاجتماعي القائم، وألا يسد هذا النظام الطريق أمامه. إن اتجاهاً خصوصياً في الفكر أو الفن قد يبقى دون أي تعبير بارز عنه إذا ما أودى تضافر بعض الظروف المناوئة على التعاقب بحياة عدد من الموهوبين الممثلين له. (مثال ذلك موت جيل كامل لدارسي التراث العربي أواخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين: الجابري، التيزيني، خليل عبد الكريم، حسن حنفي، بندلي جوزي، حسين مروة، نصر حامد أبو زيد). إن عمق أي اتجاه في الفكر أو الادب أو الفن رهن بأهميته بالنسبة إلى الطبقة أو الشريحة الاجتماعية التي يعبر عنها، وبالدور الاجتماعي الذي تلعبه هذه الطبقة. إن جميع الأشياء تتوقف في آخر الامر على سياق التطور الاجتماعي التاريخي وعلى ترتيب القوى والطبقات الاجتماعية. لقد بينت الثورة الفرنسية أن الاحداث التاريخية غير مرهونة بأعمال البشر الشعورية وحدها. يقول ماركس في الثامن عشر من برومير: ""إنَّ الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم؛ ولا يصنعونه في ظروفٍ اختاروها بأنفسهم، بل في ظروفٍ يجدونها ماثلةً أمامهم، مُعطاةً لهم، وموروثةً عن الماضي"" (الفصل الأول من 18 برومير 1852) من هنا تكون الحجة ضد الجبرية: إذا كانت جميع الأشياء مقررة سلفاً، عندها لا حاجة لجهودي الخاصة. وإذا كانت الرأسمالية سوف تنهار بشكل أوتوماتيكي اقتصادي وبأسلوب قيامي، عندها يغدو النضال الطبقي وفكرة الحزب السياسي التاريخي نافلة. إن تغيرات الطبيعة البشرية هي نفسها رهن بالتطور التاريخي. لهذا لا تعتبر هذه الطبيعة حجة. لدينا سبب عام (حالة القوى المنتجة أو درجة تطور القوى المنتجة ودرجة تناقضها مع علاقات الإنتاج القائمة) وأوضاع تاريخية خاصة بكل شعب، والصفات الفردية والصدف. إن الرجل العظيم يعني أن نشاطاته هي التعبير الشعوري والحر (يبقى دائماً جانب لا شعوري يسميه هيغل مكر التاريخ) عن ذلك المجرى الضروري. وكأننا نستحضر في شخصه العظيم وحدة الحرية والضرورة. "إن مفهوم العظمة هو مفهوم نسبي. وبالمعنى الأخلاقي، فإن كل إنسان هو عظيم إذا هو، حسب تعبير العهد الجديد، وهب حياته في سبيل أخوته"
لقد كان هيغل ينظر إلى المَلكية الوراثية على أنها هي الدولة المسيحية بالمعنى الصحيح، أو بتعبير أدق، هي الدولة المسيحية التي ظهرت إلى الوجود مع حركة الإصلاح الديني الألمانية. هذه الدولة في نظره هي تجسيد لمبدأ الحرية المسيحية، التي تنادي بحرية الضمير الباطن للإنسان، ومساواته أمام الله. ولقد كان هيغل يعتقد أن الحرية الخارجية (المادية)، التي يفترض أن الديمقراطية (الدولة) تقيمها وتحميها، لا يكون لها جدوى بدون هذه الحرية الباطنة. 102
ولقد بينت في كتابي "رسالة في الغنوصية" في مقالة "دور الفرد في التاريخ" الدور الحاسم الذي تلعبه هذه الحرية الباطنة في حياة الافراد المنشقين والذين يسعون لتغيير الوضع القائم عبر تنظيم تحركهم في حلقات سرية. فإذا نظرنا إلى الأفكار العامة التي يقوم عليها مذهب فيلون الاسكندري، نجد أن الفيلسوف كان في وضع عسير، بسبب آرائه الخاصة بالدار الآخرة. حقاً إن كل الهناء أو السعادة المادية التي يضعها اليهود، مثلهم في هذا مثل مؤلفي "سيبيل" (قصائد عن ربّة القمح) ويرونها نهاية التقدم، ليست شيئاً في رأي فيلون، إذا ما قورنت بالتقوى والمعرفة الحقة بالله. هذه السعادة لا تتعلق إلا بالجسم والاشياء الظاهرية أو الخارجية، بينما خيرات النفس أو الروح هي الخيرات الحقيقية. ولكن حينئذٍ على ما يرى فيلون، يكون على التقدم الخارجي والتاريخي للشعب أن يترك مكانه للتقدم الداخلي (الباطني) والمعنوي أو الادبي. وهذا النوع من التقدم لا يمكن أن يتم تصوره، كتقدم لشعب بأسره ولكن، فقط كتقدم لشخص أو أشخاص" (رسالة في الغنوصية: 24) (ن. سلوم: قراءة في العقل والثورة-3)



#نايف_سلوم (هاشتاغ)       Nayf_Saloom#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في العقل والثورة-3
- عرض كتاب -فكر غرامشي السياسي- +
- إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة
- رأس المال-م1-ف1 : ملاحظات أساسية
- عرض كتاب -العُنْف الرمزيّ-
- قراءة في كتاب -ثورة 1936 – 1939 -*
- قراءة في -العقل والثورة- -2
- عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
- الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
- قراءة في -العقل والثورة- 1
- استهلال كتاب -العقل والثورة-
- -العَلْمانيّة- من منظور جديد
- قراءة في رواية -سيدهارتا-*
- محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
- -الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-


المزيد.....




- السعودية تعلق على مزاعم -وول ستريت جورنال- بشأن الحوثيين
- أفضل أنواع الحليب للصحة
- اكتشاف عامل مساهم في انهيار حضارة المايا
- جراحون روس يزيلون كتلة ناتجة عن -داء الفيل- تزن 27.5 كيلوغرا ...
- عواقب هزيمة ترامب على العالم
- الأحزاب العربية في إسرائيل -صانعة الملوك-
- بحّارة أمريكا يذرفون الدموع
- أوروبا تستعد لتدريب قواتها على دخول أوكرانيا
- -زيلينسكي إلى منصة الإعدام-: ماذا سيحدث بعد كشف غرف التعذيب؟ ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن اندلاع حرائق في خمس ناقلات نفط بم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نايف سلوم - مساهمة في مسألة دور الفرد في التاريخ