|
|
قراءة في العقل والثورة-3
نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري
(Nayf Saloom)
الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 15:51
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
مذهب هيغل الأول (مذهب يينا) 1802-1806 إنّ ما يسمى مذهب "يينا" هو أول مذهب كامل لهيغل، حيث يتألف من المنطق، والميتافيزيقا (الأنطولوجيا العامة)، وفلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح. صاغ هيغل هذا المذهب في محاضراته التي ألقاها في جامعة "يينا" في الفترة من 1802-1806 لم تنشر المحاضرات إلا حديثاً في ثلاثة مجلدات. أظهرت عدة مسودات وجود اختلافات يدّعي ماركوز أنها لا تؤثر في بناء الكل. يقول ماركوز: اقتصرنا في معالجتنا على الاتجاه العام وتنظيم الكل، وعلى المبادئ التي توجه تطور المفاهيم. أما مضمون المفاهيم الخاصة فسوف نناقشه عندما نصل إلى الأقسام المختلفة للمذهب النهائي" 1-المنطق يقوم المنطق عند هيغل بمهمة مركّبة، فهو يقوم أولاً بعرض "عيني" لتركيبة الوجود. وهذا العرض يفترض ترتيباً عقلياً لعناصر الوجود بحيث يمكن القبض على الموجود في كليته العينية. إن المشاهدة العينية تعيد ترتيب عناصر الوجود بطريقة معاكسة للنظر الحسي المباشر (الحس العام)، بحيث يغدو ما كان أولاً (المعطى الظاهري المباشر) آخراً، أي يغدو تمظهراً لجوهر الشيء ذاته. أيضاً يغدو ما كان كلياً وهو "المتناهي" أو الشيء بذاته جزءاً من كلية عينية مركّبة (المقولة المركبة)، بحيث يعود الشيء أو المتناهي للظهور بمقولة بسيطة تشكل واحدة من لحظات المقولة المركبة: مثال ذلك مقولة المال، ومقولة رأس المال. وثانياً، يقوم على الحكم والقياس المنطقي الصوري. يعتبر منطق هيغل أنطولوجيا (نظرية وجود أو ميتافيزيقا عامة) بقدر ما يعالج المقولات التي تخص بنية الكون أو الوجود، مثل الجوهر والماهية، الايجاب والسلب، والكم والكيف، والتحديد، المتناهي واللامتناهي، الواحد والوحدة، والكل والجزء، والعام والخاص، والمجرد والعيني، الخ.. لقد كان التراث الفلسفي منذ أرسطو يطلق اسم التصورات على المقولات العامة أو المفاهيم العقلية. وعندما يعتمد (هذا التراث) على الاستنباط الشكلي الصوري في القضايا مثل الفكرة العامة والحكم والقياس، فهو بهذا المعنى يسلك سلوك المنطق الصوري أو الشكلي. هذا الازدواج أو الحشو في منطق يينا هو تركة كانطية، لأن كانط في فلسفته النقدية فصل الجوهر عن المظهر، وكان يعتقد بأن العقل غير قادر على معرفة "الشيء في ذاته" أو "جوهر الشيء"، بالتالي الجوهر لا يظهر لكانت، ولو كان ظهر لقاده هذا الظهور إلى معرفته. يقول ماركوز: "نستطيع أن نفهم سبب هذا اللاتجانس الظاهري إذا تَذكرنا أن كانط بدوره قد عالج الانطولوجيا، إلى جانب المنطق الصوري، في بحثه في المنطق المتعالي الترنسندنتالي" كان يفترض أن تعطي معالجة الانطولوجية صورها، بحيث لا تعود تحتاج إلى صور منفصلة لها وجودها الخاص، لأن المقولات (مقولات الانطولوجيا أو الوجود) تصورات تعّبر كما مر أعلاه، "عن الصور الأكثر تعميماً" وباعتبار كانط لا يقر بقدرة المعرفة والعقل على معرفة جوهر الأشياء، وأن الصور العامة هي صور للفكر فحسب، وليست تعميمات لصور الأشياء، فإنه يغدو من المفارق والمتناقض لديه وجود مثل هذا الازدواج في الصور. يقول ماركوز: "إن التمييز التقليدي بين المنطق الصوري والميتافيزيقا العامة (الانطولوجيا)، هو تمييز خاص بالمثالية المتعالية التي تنظر إلى صور الوجود على أنها نتائج لنشاط الذهن الإنساني، وبذلك تصبح مبادئ الفكر في الآن نفسه مبادئ لموضوعات الفكر(الظواهر) " قسم كانط منطقه المتعالي في "نقد العقل الخالص" حيث يبين شروط امكان المعرفة، إلى: 1-التحليلية المتعالية: تمثل أنطولوجيا جديدة تبحث في المفاهيم الخالصة للفهم القائم على التجربة 2-الديالكتيك المتعالي: يكشف أوهام العقل عندما يتجاوز حدود التجربة الممكنة (حدود الفهم)، حدود العلم الطبيعي. 3-المنطق الصوري: يبحث في صور الفكر الخالية من كل مضمون تجريبي إذاً وحدة الفكر والوجود عند كانط تقتصر على الفكر الفاهم، بينما يرفع هيغل هذه الوحدة لتشمل وحدة العقل والوجود. يفصل كانط جوهر الشيء الذي يدعوه "الشيء في ذاته" عن "ظاهر الشيء"، أي يفصل الجوهر عن المظهر في الشيء، مخلفاً بذلك هوة بين الذات العاقلة وجوهر الموضوع. وقد سعت الهيغلية إلى عبور هذه الهوّة، ووسيلة العبور القول بوحدة الذات والموضوع في تركيب كلي عيني واحد للوجود. بهذا يظهر الوجود على أنه عملية (حركة المحتوى العلمي) يُدرك من خلالها الحالات المختلفة لوجود الشيء. على هذا تكون عبارة ماركوز ملتبسة عند كلمة "يُدرك" والتي يجب أن تصحح وتصبح "تُدْرك"، وتغدو العبارة كالتالي: "أن ينظر إلى الوجود على أنه عملية يُفهم فيها الشيء أو تُدرك الحالات المختلفة لوجوده، ويجذبها إلى وحدة "ذاته"" (82) فالشيء يحافظ على وحدة "ذاته " رغم الحالات المتغيرة التي يمر بها (ومثالها الرأسمالية بأحوالها الثلاثة: تجارية، صناعية، مالية)، أو الماء في حالتي الصعود والنزول. فكل شيء يوجد بوصفه "ذاتاً"، يؤكد بقاءه على ما هو عليه طوال عملية التغير من حال إلى آخر. فوحدة الذات والموضوع عند هيغل جعلت العقل يرفع الفهم إليه، هكذا نفهم سبب التوحيد بين المنطق والميتافيزيقا العامة (الانطولوجيا) في مذهب هيغل. ذلك لأن حركة المفاهيم أو المقولات عنده هي عين حركة المحتوى العلمي للموجود بانتقاله من الوجود المباشر إلى ماهيته، من ثم إلى الوجود العيني المركب الذي يجمع التوسط والمباشرة، أو الذات والموضوع في وحدة. يقول ماركوز: "التفاعل وتبادل الحركة بين المفاهيم إنما هو ترديد للعملية العينية للواقع" (83) فالنبات لا يدرك نفسه في نموه الباطن من البذرة إلى الشجرة. إن المفهوم الذي نكوّنه عن النبات يشتمل على أن وجود النبات عملية نمو باطنية. وهكذا فإن المفهوم في نظر هيغل يمثل الشكل الحقيقي للموضوع. لأن المفهوم يقدم إلينا حقيقة تلك العملية المحجوبة غير المرئية بالنسبة لنا. في النفس النباتية (عالم النبات) والنفس الحيوانية (عالم الحيوان) تختلف الموجودات اختلافاً أساسياً عن مفهوماتها. ولا يتم تجاوز هذا الاختلاف إلا في حالة النفس الناطقة أو عالم الانسان، حيث تستطيع الذات المفكرة العاقلة تحقيق مفهومها عن وجودها، بحيث يكون لدينا لحظتان هما الوجود الإنساني ووعي هذا الوجود وبينهما فترة شكلت أساس ازدهار الفلسفة الوجودية. هكذا يمكن ترتيب مختلف أحوال الوجود وأشكاله، داخل الانسان وخارجه، تبعاً لاختلافها الأساسي عن مفاهيمها: نفس نباتية، نفس حيوانية، نفس ناطقة. يقول ماركس: ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم" لأن وعيهم الفعلي يدخل في نطاق "الحس العام" الذي يأخذ بظواهر الأشياء، بالتالي هو انعكاس أو وعي مقلوب. فالأيديولوجية السائدة تصور لهم أن واقع حياتهم هو تماماً كما يفكرون أويعتقدون. يبدأ المنطق بالتصورات التي تدرك الواقع بوصفه كثرة من الأشياء الموضوعية، أي مجرد "وجود" مبرأ عن أي توسّط للعقل أو أي ذاتية. هذه التصورات الحسية ترتبط فيما بينها (تختلف) كيفياً وكمياً. يقود تحليل هذه الاختلافات للوصول إلى علاقات لا يمكن تفسيرها على أساس الادراك الحسي، بل تقتضي صور ومبادئ للفكر (عقلية تجريدية) تسلب الاشكال الحسية وجودها، فندخل في مرحلة الوساطة العقلية ومقولة الماهية والجوهر، حيث لا نستطيع معرفة جوهر الظاهرة أو الشيء إلا عبر هذه الوساطة للعقل أو للذات العاقلة. مصدر التقسيمات الأساسية "للمنطق" عند هيغل تفتضيها حركة المحتوى العلمي للموجود بحيث يبدأ المنطق الديالكتيكي عند هيغل كالتالي: الكتاب الأول مذهب الوجود (الكيف، الكم، المجر أو المقياس) الكتاب الثاني: مذهب الجوهر (الجوهر، الظاهرة، الراهنية) الكتاب الثالث: المنطق الذاتي أو مذهب المفهوم (المفهوم بوجه عام Notion): 1-الذاتية، 2-الموضوعية، 3-الفكرة: 1-فكرة الحياة، 2-فكرة المعرفة، 3-الفكرة المطلقة (عن الديالكتيك-1: تلخيص منطق هيغل 271-272) إن الفكرة التي تقول: إننا لا نستطيع معرفة جوهر الظاهرة أو الشيء إلا عبر وساطة العقل أو الذات، يمكن تقديمها بصياغة أخرى مفادها: "إن إمكانات الشيء معطاة في مفهومه" فالإمكانات الباطنة لا تظهر إلا في مفهوم الشيء، مفهومه الكلي العيني، فالموجود يكون له وجود حقيقي لو أن إمكاناته تحققت، وبالتالي هناك هوية بين وجوده وبين مفهومه. إن الفارق بين الواقع والامكان والتوتر بينهما هو نقطة البداية في العملية الديالكتيكية التي تسري في كل "تصورات" ومفاصل منطق هيغل. يقول ماركوز: فالديالكتيك الهيغلي يتغلغل فيه اقتناع عميق بأن كل الاشكال المباشرة للوجود -في الطبيعة والتاريخ- هي أشكال "رديئة" (ناقصة)، لأنها لا تتيح للأشياء أن تكون ما يمكنها أن تكونه إن قول سلمان رشدي "إن سرد قصة يحجب عنا سرد مئات القصص" تعني أن التركيز على رواية واحدة أو وجهة نظر أحادية يطمس آلاف الأصوات الأخرى، حيث تقود إلى طغيان حكاية البطل أو المسيطر على حكايات المهمشين. إن التركيز على جانب واحد يخلق فهماً ناقصاً للعالم، ويقود إلى تهميش الحقيقة. ففي "أطفال منتصف الليل" نجد هذا الصراع ضد السرديات الأحادية واختزال الحقيقة عبر تفكيك التاريخ الرسمي (المكرّس)، تفكيكه بـقوة "الواقعية السحرية". إن المسافة بين الواقعي القائم وبين الممكن هي التي أوحت أيضاً لسلمان رشدي بفكرة "الأوطان التخيلية". فقد سافر رشدي إلى السلفادور في عام 1986، وكتب عن رحلته هذه كتاباً غير روائي بعنوان "ابتسامة الجاكوار" (The Jaguar Smile). فمن خلال هذه الرحلة وتجاربه على درب المهاجر (هاجرت أسرته من الهند إلى بريطانيا سنة 1848)، تبلورت لديه فكرة "الأوطان التخيلية أو الخيالية " (Imaginary Homelands)، وهي الفكرة التي أشار إليها غسان كنفاني في روايته القصيرة "عائد إلى حيفا"، الوطن حسب قوله قضية ونضال، وليس ذكريات ومنزل متروك، وحديقة ومدينة". نشير أيضاً إلى مفهوم الوعي الممكن عند الناقد والفيلسوف الماركسي لوسيان غولدمان، والذي يعني أقصى حالة توازن وتماسك فكري تسعى طبقة اجتماعية أو جماعة تاريخية للوصول إليها، وهو يمثل رؤيتها الشاملة للعالم وتطلعاتها الكبرى في تجاوز تناقضات الواقع، على عكس الوعي الفعلي القائم الذي ينحصر في حدود الواقع اليومي المباشر. وقد مثل ماركس هذه الامكانية للوعي الطبقي البروليتاري التاريخي. لا يبدأ الوجود الحق إلا حين نقر بأن الحالة المباشرة سلبية، أي تسلب الموجود الكثير من جوانبه الممكنة، وعندما تصبح الموضوعات (الموجودات) ذوات Subjects (معطيات موسّطة بالذات) أي يتطابق وجودها مع مفهومها، تظهر لنا حالتها الخارجية كعلامة على إمكاناتها (تكيف حالتها الخارجية مع امكاناتها). ووفق هذا الديالكتيك يعمل المنهج التأويلي الرمزي الذي اعتمده فيلون الاسكندري، حيث العلامة التي كانت في البداية اعتباطية وتحجب حقيقة الموجود، تغدو الآن بعد الكشف العيني دالة تشف عن المعنى الحقيقي وتشير إليه. إن اللحظة الديالكتيكية الأصيلة تكمن في تأكيدها "أن السلبية عنصر مكوّن لكل الأشياء المتناهية". فهي أعمق مصدر لكل نشاط، وللحركة الذاتية الحية والروحية". إن السلبية التي يمتلكها كل شيء هي المقدمة الضرورية التي تقود إلى حقيقته (هي التي تبدأ حركة المحتوى العلمي)، إنها حالة نقص تدفع الذات (المفكرة) للبحث عن علاج لهذا الحرمان، ومن هنا فإن لها طابع دينامي مُحرّك. يبدأ الديالكتيك منطقياً منذ اللحظة التي يجد فيها الذهن البشري نفسه عاجزاً عن إدراك شيء ما ادراكاً كافياً من خلال أشكاله الكيفية والكمية المعطاة عبر الادراك الحسي. يبدأ هيغل من العالم المحيط كما يراه الانسان في حياته اليومية، من "الحس العام" أو common sense، فيظهر العالم كثرة لا حصر لها من الأشياء يسميها هيغل "أشياء ما" لكل من هذه الأشياء صفاته (كيفياته) النوعية المحددة. هذه الصفات التي للشيء تميزه عن الأشياء الأخرى. ثم يضرب ماركوز مثلاً: "فالمنضدة الموجودة في هذه الحجرة تستخدم مكتباً.. على أن كون الشيء مكتباً بني اللون، خشبي ثقيل لا يعني نفس كونه منضدة" مع أن المنضدة بنية اللون خشبية، ثقيلة. هنا يجب أن نشير إلى دور الشرط في تحديد صورة الشيء: مكتب أم منضدة وهو السجال بين الديالكتيك والاختيارية بين لينين وبوخارين، وهو مثال الماء الذي ضربناه، وكيف يظهر إمكانية صعوده في شروط الحرارة العالية أو في شروط نسغ النبات الناقص والخاصية الشَّعريّة. لكن ماذا لو كانت المنضدة بيضاء اللون دائرية غير مستطيلة، هنا ندخل فيما يسميه هيغل المغايرة، حيث تغدو المنضدة غير ذاتها، منضدة أخرى. وهذا ما سماه هيغل "اللامتناهي الرديء" أو "اللامتناهي الكيفي"، الذي إذا أخذ على الاطلاق من دون شرط يحصره كان "لا نهائيا رديئاً"، مدوّخاً. في التغاير Anderssein "نفس وجود الشيء يبدو على أنه غير ذاته" وقد ضربنا مثالاً على ذلك تغاير الرأسمالية ذاتها إلى تجارية، وصناعية، ومالية. وأطلقنا على هذه الاشكال "ذوات" متغايرة للذات الواحدة أو للشيء بذاته. إن الشيء بذاته يدخل في علاقات لا نهائية مع الأشياء الأخرى حسب كل صفة من صفاته، كالبياض في الطاولة يجمعها مع كل شيء أبيض. من هنا أصل تعمق معرفة ارتباطات الشيء وعلاقاته بالأشياء الأخرى، أي الكشف عن وجوه جديدة للشيء تظهرها الشروط الجديدة. هنا يبدأ الحديث عن علاقات الشيء مع الأشياء الأخرى، وأن الشيء غير موجود بذاته فقط، بل بعلاقاته مع الأشياء الأخرى. ننتقل هنا من عنصرية الشيء إلى العلاقة بين الأشياء (بضاعة مقابل بضاعة، أو جسد مقابل جسد آخر). ما نزال بعيدين عن معرفة ماهية جسد البضاعة. يقول ماركوز: "إن الكيف يرتبط بعلاقة مع ما يستبعده" وهذه العلاقة سلبية، ذلك لأنه لا يوجد بوصفه موجوداً بذاته، بل يوجد بقدر ما يستبعد عن ذاته صفات أخرى. أي بالتقابل مع أشياء أخرى لها مواصفات مختلفة. وهو ما يسمى التحديد بالتقابل (النظام السوفياتي مقابل النظام الأميركي). وعلى ذلك فإن ثبات الشيء ووضوحه يترجرج ويرتد إلى سلسلة لا نهاية لها من "العلاقات" (في المشابهة وفي المغايرة)؛ إنه "التكثّر الكيفي" هكذا يظهر في الفصول الأولى من "منطق" (ديالكتيك) هيغل أن الذهن البشري عندما يغامر في متابعة مفهوماته، يجد نفسه إزاء تفكك وتحلل لموضوعاته المحددة تحديداً واضحاً. يجد عندها من المستحيل عليه تماماً أن يحدد هوية أي شيء على أساس الحالة التي يوجد عليها الشيء بالفعل. ويؤدي الجهد الذي يبذل من أجل الكشف عن تصور يحدد بحق هوية الشيء على ما هو عليه، إلى إغراق الذهن في خضم من العلاقات اللانهائية. على أن لا نهائية العلاقات هذه مع الأشياء الاخرى، التي تبدو كما لو أنها علامة على إخفاق أي محاولة للوصول إلى طابع الشيء، تصبح في نظر هيغل، على العكس تماماً من ذلك، أول خطوة في سبيل المعرفة الحقة للشيء، أي يتنبه الذهن إلى خطأ مقاربة الشيء وضرورة الانتقال إلى مقاربة مغايرة وإلى مستوى آخر. وأود هنا ذكر شيء يسير عن الفرق بين "الذهن" و"العقل": "عقل، تفيد القدرة على التصور والفهم، وذهن ويعرّفه القدماء بأنه قوة تنطبع فيها صور الأشياء. فهو يفيد محض الاستعداد الأصلي للدماغ البشري والقدرة على التذكر. والذهن أصيل في القاموس العربي، والعقل مولّد (مستعار) لأن أصله التقييد والربط. يقال: عقلت البعير أي ربطته بحبل أو نحوه. ثم استعمل (استعير) لوصف سيرورة التفكير بقرينة تقييد الفكرة (حصرها) والتمكن منها في الذهن" (هادي العلوي: الفكر العربي - الإسلامي وضرورة التجديد المنهجي، دار بدايات، ص 59) يقول ماركوز: والذات (الشيء بالذات) بوصفها مقولة أنطولوجية، هي قدرة كيان معين على أن "يكون ذاته في تغايره" لكن، من أين تأتي هذه القدرة؟ السلبي المتغاير والايجابي لا يعودان متضادين عندما تؤدي القوة الدافعة للذات إلى جعل السلبية جزءاً من وحدة الذات نفسها، عبر التوسط والرفع. هذه الثروة الإضافية من المتغايرات أو التوسطات السالبة تعيد إنتاج الذات بشكل موسّع، لأنها أصلاً إمكانية كامنة في الشيء ذاته جاءت شروط جديدة وأخرجته للعيان كالتغاير الصناعي للرأسمالية وتقدم التفكير العلمي أو علوم الطبيعة، هي قوى كامنة في الرأسمالية وجدت تطبيقاتها عندما بلغ تراكم رأس المال وتركزه إلى حدود كبيرة فكثرة من اكتشافات القرن الثامن عشر العلمية لم تجد تطبيقاتها التقنية إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يقول هيغل: إن الذات تضفي على السلبية "توسطاً " وترفعها. إن تكشف جوانب إضافية في الشيء مغايرة عما كان عليه هي عملية توسيع وتحديث للشيء. في هذه العملية لا يتفكك الموضوع بل يبقى متماسكاً طوال علاقاته بالموضوعات الأخرى، لأن الإمكانات الجديدة زادت من غنى وجوانب الشيء وعززته. هذا التغاير الذي هو تجلّي إمكانات الشيء حسب الشروط الجديدة يوجب هنا طرح مسألة الفهم الخاطئ لما يسمى بـ "الحتمية التاريخية" والدواعي التي خفضت هذه الحتمية التاريخية التي تتوسل الشرط إلى حتمية ميكانيكية تتجاهل مسألة توسط الشروط التاريخية الحاسمة محولة المادية التاريخية إلى قياس منطقي صوري كما فعلت أيديولوجيا البيروقراطية السوفياتية. كل إنسان فان-سقراط إنسان-سقراط فان. وفهمت الحتمية على أنها مجردة عن كل نشاط عملي إنساني، بالتالي جرى تحويلها إلى مذهب في الجبرية. إن القياس المنطقي الارسطي أكثر حكمة من المادية الميكانيكية ومن أيديولوجيا البيروقراطية السوفياتية حين جعل سقراط أو فاعلية البشر تتوسط بين المقدمة الكبرى والنتيجة في تلميح ذكي إلى دور فعالية البشر المنظمة في تحقق الإمكانيات التي يقدمها التاريخ. والتكثر الكمي يكون للشيء عندما نجرّده من علاقة التقابل الكيفية. مثال ذلك التعدد المتكثر لدرجة تطور القوى المنتجة في البلدان الرأسمالية. هذا التكثر في الشيء الذي يبقي على الذات نفسها في مقابلة الذوات الأخرى، وهذا التغاير الذي يزيد من ثراء وغنى الشيء أكثر مما يفككه إلى عناصره، حيث يبقى التغاير والتكثر ضمن حدود الشيء المتناهي هو ما يسميه هيغل ب "اللانهائية الحاقة". فاللانهائية هنا ليست شيئاً يتعدى حدود الأشياء المتناهية، أو يتجاوزها أو يفككها، وإنما يشكل حقيقتها بالفعل. واللانهائي هنا هو طريقة الوجود التي تتحقق فيها كل الإمكانات (إمكانات الشيء)، ويصل فيها كل وجود إلى صورته النهائية. إن المعرفة المتقدمة لهذه التوسطات الجديدة أو التغايرات في الشيء هي التي أشاد بها لينين وهو يلخص منطق هيغل، وأشار إليها بعبارة "التعمق اللانهائي" في معرفة الظاهرة أو الشيء. هكذا يكون هدف "المنطق" (الديالكتيك) الكشف عن جميع توسطات الشيء أي جميع إمكاناته أو وجوهه الممكنة، وهذه عملية تاريخية حيث جرت مقاربة الظاهرة الامبريالية في الرأسمالية بالتزامن مع نضج تجليها بداية القرن العشرين، حيث بدأت في الربع الأخير للقرن التاسع عشر بعد أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة 1876، أي يكون الهدف هو الكشف عن الصورة الحقيقية لمثل هذا الواقع النهائي في أعلى تحديثاته التاريخية. وهذا واحد من الأسس المادية في الماركسية وهي نزعتها التاريخية وإشادتها بعلم التاريخ والتوسطات والتأكيد على معرفة الظواهر الجديدة والتجليات الجديد في الظاهرة نفسها وفق الشروط التاريخية الجديدة والتطورات الحاصلة. وثانياً، بيان الطريقة التي نصل بها إلى معرفة الحقيقة المطلقة أو الكلية العينية بكل إمكاناتها وتجلياتها، أو متغايراتها الجديدة. ويظهر المطلق هنا نسبي وتاريخي مشروط. وهذه هي وجهة نظر الماركسية. المطلق ضمن الشرط في وصفه النقدي للفلسفة الكانطية أعلن هيغل أن مهمة "المنطق الديالكتيكي" هي "تطوير " المقولات، لا مجرد جمعها. مثل هذه المحاولة لا يمكن أن تثمر إلا إذا كان لموضوعات الفكر ترتيب منظم. هذا الترتيب كما يقول هيغل يرجع إلى أن كل أحوال الوجود تصل إلى حقيقتها من خلال الذات المتأملة التي تفهمها بمعقوليتها (الضمير عائد لأحوال الوجود) الخاصة. وعندما سُئل فيلون الفيلسوف اليهودي الإسكندري عن مغزى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أجاب أن العدد هنا إشارة إلى الترتيب في عملية الخلق والايجاد. يقول ماركوز: يعكس ترتيب (مقولات) "المنطق" الديالكتيكي هذا الفهم المنهجي" يبدأ "المنطق" بمقولات التجربة المباشرة، أو المعطيات المباشرة، التي لا تُدرك إلا أكثر صور الوجود تجريداً (الأشياء الحسية)، وهي في "المنطق" مقولات الكيف والكم والقَدْر (المقدار). هذه المقولات تنظر إلى كل موضوع (شيء) على أنه يتحدد خارجياً بموضوعات أخرى (جسد بضاعة مقابل الأجساد الأخرى للبضائع في التشابه والاختلاف)، حيث يظهر الارتباط الخارجي البسيط بين الموضوعات أو الأشياء، ولا يدرك أي موجود على أن له علاقة باطنية بذاته أو بالأشياء الأخرى التي يتبادل التأثير معها (جذب وتنافر). لقد لاحظنا المرئي الظاهر ولم نلاحظ غير المرئي الباطني في هذه المقولات. هنا يتوجب التأكيد على تشدد لينين المادي: أن البدء يكون بالموضوع المعطى مباشرة لا بالفكرة المسبقة أو الانا. ينقل لينين ملاحظة هيغل المادية التي تقول: "لا يمكن بدء الفلسفة (المنطق) بـ "الأنا" (Ego). إذ لا يكون عندئذٍ ثمة حركة موضوعية" (عن الديالكتيك: 142). يقول ماركوز: إن مقولات الارتباط البسيط أبعد ما تكون عن أي اعتراف بالجوهر على أنه "ذات الشيء". أي الاعتراف بأن الماء هو ذاته في الصعود والهبوط، وكذلك الرأسمالية، في أحوالها الثلاثة. في القسم الثاني من "المنطق" يتناول هيغل تحت عنوان عامّ "إضافة "، مقولة الجوهر، العلّية، التأثير المتبادل. هي لا تدل على كيانات مجردة ناقصة، بل على علاقات حقيقية موسطة بالعقل. فالجوهر لا يكون ما هو عليه إلا في علاقته بأعراضه (تمظهراته)، بالمثل، لا توجد العلّة إلا بمعلولاتها. فالارتباط هنا داخلي باطني، احتجنا فيه إلى توسط العقل حتى نتعرف عليه ونصل. يظهر الجوهر وهو المقولة الشاملة والمهيمنة في هذه المجموعة أقرب إلى الباطن من تلك القوة العمياء الظاهرية في التجاذب والتنافر، وفي الاختلاف والتشابه الظاهري. فلدى الجوهر قدرة معينة بالنسبة إلى أعراضه ومعلولاته. وعن طريق قدرته الخاصة يقيم علاقة بينه وبين الأشياء الأخرى، وبذلك تكون لديه القدرة على الكشف عن إمكاناته وإظهارها. على أن الجوهر ليست لديه معرفة بهذه الإمكانات، ومن ثم فهو لا يملك إمكانية التحقق الذاتي، فالجوهرية تظل تعبر عن علاقات بين الموضوعات، أو علاقة وجود كما يقول هيغل. وهنا تكون حدود الوعي البورجوازي بحقيقة وجوده، حيث لا يمكنه أن يحيط بالكلية العينية البورجوازية وامكاناتها التاريخية الكاملة، التي تشمل إمكانية النفي والتجاوز إلى نظام نقيض. لذلك لا يمكننا أن ندرك العالم في وجوده الحق إلا بمقولة الحرية والتجاوز لا بمقولة الضرورة والجوهر. هذا يعني إدراك الكلية العينية وإدراك ضرورة سلبها وتجاوزها التاريخي. فمقولة الحرية لا توجد إلا في عالم الذات المفكرة الواعية لذاتها ووجودها الموضوعي، إذا لا بد من الانتقال من الوجود القائم إلى وعي هذه الوجود، ووعي ضرورة تجاوزه وتغييره، بكلام آخر الانتقال من الوعي القائم المحدود والمقلوب إلى الوعي الممكن بكل رحابته وعظمته. توصلنا مقولة الجوهر إلى حقيقة الموجود في كليته العينية، بينما توصلنا الفكرة المطلقة أو الوعي الممكن إلى الحكم على هذه الكلية بالبطلان وإلى ضرورة تجاوزها. وهنا يحضر قول ماركس في الاطروحة الحادية عشر: لم يفعل الفلاسفة حتى اليوم سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن الامر الهام هو تغييره" (الاطروحة 11)، وقول ماركوز: الحقيقة هي الكل، والكل باطل! إن الغاية من المعرفة هي الوصول إلى الكلي في التاريخ، لأن الكلي هو جوهر كل تطور. ولا يمكن معرفة الأجزاء حقيقة إلا من خلال معرفة الكلي. ولا يمكن الحكم بعدل على الموجود بالموت، إلّم نعرفه معرفة كلية تاريخية شاملة. فجوهر الطبيعة فضلاً عن التاريخ، هو كلي يتكشف من خلال الجزئي. يقول ماركوز موضحاً كيف تكون معرفتنا بالجزئي حقيقية من خلال معرفتنا بالكليات العينية التاريخية: فدولة المدينة اليونانية (Polis)، والصناعة الحديثة، والطبقات الاجتماعية، كل هذه الكليات هي قوى تاريخية فعلية لا يمكن ردها إلى مكوناتها. بل إن الوقائع والعوامل الفردية لا تكتسب معناها كاملاً إلا من خلال الكلي الذي تنتمي إليه، مثل كون الانسان مواطناً يونانياً، أو عاملاً في مصنع حديث، أو مواطن بورجوازي. لا يمكن أن تفهم الكلية إلا بوصفها "علاقة للفكر" أي موسطة بالذات الفاهمة العاقلة. أي لا يمكن مقاربتها إلا كنمو للمفهوم، نمو مفهومي شامل لذات فاهمة عاقلة. خاصة وأن الموجودات الفعلية تظهر لنا كموجودات حسية متعددة وبوجوه محدودة. إن المفهوم هو المخوّل منطقياً بالقبض على الكليات العينية. مع احتفاظ الواقع بطبيعته العينية (أي أنه لم يزل) كانت مقولة الكلية في الفلسفة التقليدية تعامل كتصورات تجريدية فارغة من المحتوى العلمي التاريخي، أي شكلانية بحتة، تعتمد على الاستنتاج المنطقي الصوري بعيداً عن أي واقعة أو تجربة. إنها أشكال فارغة من المحتوى العلمي. أما عند هيغل، فإن هذه الصور والعمليات المنطقية (هذه المفاهيم الكلية) تعكس الصور والعمليات الفعلية للواقع وتشتمل عليها. لأنه كما سبق القول إنه لا يمكن القبض على كلية الواقع العينية إلا بوساطة المفاهيم أو المقولات الكلية. إن المنطق الديالكتيكي بهذا المعنى الجديد هو حركة المحتوى العلمي للواقع في تمفهمه ووعيه لذاته وإمكاناته. يكتب لينين في خلاصة منطق هيغل" عندئذٍ يعطي المنطق جوهر هذه الثروة (ثروة تمثيل العالم)، طبيعة الروح والكون الداخلية". المنطق الديالكتيكي" ليس فقط الكلي المجرّد، بل الكلي الذي يتضمن في ذاته ثروة الخاص والمفرد " يقول ماركوز: من الأمور التي لها أهمية قصوى في هذا الصدد، معالجة هيغل للتعريف أو تحديد الشيء. في التراث المنطقي، التعريف هو العلاقة (الصياغة) الفكرية التي تدرك الطبيعة الكلية لموضوع ما في تميزه الأساسي عن الموضوعات الأخرى. أما عند هيغل فإن التعريف لا يستطيع أو يقوم بذلك إلا لأنه يردد أو يعكس العملية الفعلية التي يتميز بها الموضوع عن الموضوعات الأخرى التي يرتبط بها" وطالما توجد عملية ورصد لهذه العملية، فالأمر يتعلق بالموضوع في سيره التاريخي. وهذا ينطبق على العلم نفسه، فالعلم لا يكتمل إلا بمعرفة تاريخه (مثال الرأسمال لماركس). فالتعريف إذن لا بد أن يعبر عن الحركة التي يحتفظ فيها الموجود بهويته (ذاتيته) عن طريق سلب الشروط (أو الاوضاع) التي يوجد فيها. بكلام آخر احتفاظ الشيء بذاتيته رغم انتقاله من ظرف إلى آخر؛ كالماء في شرط الصعود وشرط الهبوط، يبقى ماء ولا يغير هويته وذاته. بهذا المعنى لا يمكن إعطاء تعريف حقيقي للشيء في قضية منعزلة واحدة، بل يتوجب أن يرصد التعريف الشيء في ظروف مختلفة، أي أن يعرض هذا التعريف بالتفصيل التاريخ الحقيقي للموضوع، لأن تاريخه مساهم في فهم حقيقته. ولهذا الامر تطبيق عند جان هيبوليت، في تعريفه للثورة، حيث ميز بين التجرّبية التي تعرف الثورة عبر دراسة تجربة ثورية واحدة فقط، وبين التجريبية التي تدرس تاريخ الثورات الاشتراكية. فحتى نصل إلى تعريف حقيقي للثورة الاشتراكية لا بد من دراسة سلسلة الثورات الاشتراكية في القرن العشرين وتاريخ كل ثورة بعينها. يطلق هيغل على التعريف اسم "حفظ الذات". وهذا ما يقوم به هاري ماجدوف الباحث الماركسي الأميركي في كتابه الهام "الامبريالية من عصر الاستعمار حتى اليوم"، حيث يستعرض تاريخ الرأسمالية في أحوالها المختلفة، من طورها التجاري إلى الطور الاحتكاري الامبريالي مروراً بالطور الصناعي. الفكر هو الخاصية الوجودية لموجود "يشتمل" على الموضوعات كلها و "يفهمها" أو يحولها إلى مفاهيم في الرأس الإنساني. فالعالم الموضوعي يصل إلى صورته الحاقة في عالم الذات الحرة (النفس الناطقة للإنسان)، والمنطق الموضوعي ينتهي إلى المنطق الذاتي والشخص والممارسة التاريخية. في مذهب "يينا" يعالج المنطق الذاتي في القسم الخاص بالميتافيزيقا (ما وراء الفيزيائي الحسي). هنا يعرض هذا المنطق (الديالكتيك) المقولات والمبادئ التي تفهم كل موضوع وتشتمل عليه بوصفه ميدان الذات في نموها الموضوعي، أي ميدان العقل. 2-فلسفة الروح ما دام الفرد أو الفردية نتاج متأخر في التاريخ البشري، فإن الشمول أو الاشتراك بين الانسان والطبيعة يأتي أولاً. "في البداية يكون المفهوم مغموراً بلا تمييز في الطبيعة اللاوعية، إنه مختلط بالوجود المباشر" (كورنو: أصول الفكر الماركسي: 51) يسمي هيغل هذه الوحدة الاصلية في العالم التاريخي باسم "الوعي"، عالم تهيمن عليه الذاتية ولم تدخله الموضوعية بعد. أول وعي يتخذه التاريخ ليس شكل وعي فردي، بل شكل وعي معتمد على الجماعة تندمج فيها كل فردية، بحيث أن ما يتحكم في الوعي هو المشترك في الجماعة لا الخاص بالفرد. هنا التضاد يكون بالتقابل: وعي الجماعة المشترك مقابل الجماعة الأخرى المماثلة ومقابل الطبيعة، لكن هذا التقابل والتضاد خادع لأن موضوعات الوعي "موضوعات متصورة" موضوعات لا يمكن فصلها عن الذات وخبرتها المباشرة، حيث الجماعة "البدائية" تسقط وعيها على الطبيعة. إن كلا طرفي التضاد، الوعي وموضوعاته المتوهمة له صورة الذاتية، تضاد ذهني لا أثر للموضوعية فيه. هذا الوعي الجمعي وعي سحري بفعل هيمنة الذاتية الأولية "الفارغة"، ذاتية تأمر الطبيعة بالتعزيمات والطقوس. في هذا الوضع كما لو أنه أول مقابلة للذاتية مع الموجود، كما لو أنه بداوة "المنطق" الديالكتيكي. في بداية هذه الفقرة ينتابنا إحساس أن هيغل يأخذنا إلى فجر الوعي البشري وهبوط آدم على الأرض وحسرته تجاه موضوعات الطبيعة، يقول ماركوز: أول شكل يتخذه الوعي في التاريخ، ليس شكل وعي فردي بل وعي جماعي، وعي جماعة "بدائية". " لكن هيغل يريد قولاً آخر مفاده أن الصنمية الفردية البورجوازية ليست سمة ملازمة للكائن البشري، إنما هي سمة تاريخية لها طابع الإمكان تأتي بشروط وتغيب بشروط أخرى مختلفة. لم يكن الوعي الاقطاعي وعياً فردياً، كانت العائلة ما تزال تمثل هذا الوعي وتتوسطه. يكتب ماركس: فلنغادر جزيرة روبنسون المضيئة وننتقل إلى العصور الوسطى المظلمة في أوروبا. فبدلاً من صاحبنا المستقل نجد أناس تابعين جميعهم. وأن التبعية الشخصية تميز هنا العلاقات الاجتماعية للإنتاج المادي وكذلك مجالات الحياة القائمة على أساسه. (رأس المال-1 ص 114) قد يشبه هذا الوعي وعي الفرد في جماعة تكفيرية متشددة تستولي عليه وتستحوذ عقائد فاشية دينية ناكصة. يقيس هيغل مسيرة الوعي البشري على العتبة البورجوازية (الماجورة البورجوازية) التي تظهر خلالها الفردية والتفكير الاناني الفردي. لقد قسمت البورجوازية الانسان إلى إنسان سياسي عام (مواطن) وإلى إنسان خاص أو فرد أناني له مصالح خاصة في المجتمع المدني، وفي أصل هذا الانقسام تمايز الفضاء الخاص أو المجتمع المدني البورجوازي عن الفضاء السياسي العام أو فضاء الدولة السياسية الحديثة. مرة أخرى، يعتقد القارئ بأن هيغل يتحدث عن فجر الوعي الإنساني الغابر، بينما هو في واقع الامر يطرح مشاكل عصره ويعاينها. يقول هيغل حسب ماركوز: إن عالم الانسان ينمو في سلسلة من عمليات الاندماج بين الاضداد. ففي المرحلة الأولى (العشيرة والعائلة الكبيرة) تتخذ موضوعات الذات شكل الوعي الجمعي وتصوراته، وفي المرحلة الثانية، يظهر الفرد الإنساني بوصفه الفرد الذي يدخل في نزاع مع الأفراد الاخرين، في المرحلة الأخيرة يظهر الفرد والمجتمع (كوحدة أضداد) بوصفهما الامة (العاميّة) Volk (وحدة المصالح الخاصة والعامة) هي المسيرة ذاتها من الاقطاع إلى البورجوازية، من ثم إلى الامّة (العاميّة). مسيرة من الإنتاج الاسري أو العائلي إلى النمط البورجوازي للإنتاج، وصولاً إلى "العاميّة". يكتب ماركس: "من أجل دراسة العمل العام، أي العمل المعمم مباشرة، ليست بنا حاجة للرجوع إلى شكله البدائي الذي نجده على عتبة تاريخ جميع الشعوب المتمدنة. ويقدم لنا مثالاً أكثر قرباً الإنتاج الابوي الريفي في العائلة الفلاحية (العصر الوسيط) التي تنتج من أجل استهلاكها الذاتي (والكفاية الذاتية)" (رأس المال-1 ص 115) في الاقطاع وفي المدينة يكون الفرد في النقابة الحرفية هو جزء من كل وليس له إرادة فردية بل مندمج في النقابة في تبعية شخصية، كذلك الامر في الريف في العائلة الاقطاعية التي تتصرف كشيء جمعي، حتى الاقتصاد الفلاحي الاسري المكتفي ذاتياً تشكل فيه العائلة وحدة إنتاجية جمعية. ثم ننتقل إلى ظهور الفردية الانانية البورجوازية عبر تخلص الدولة البورجوازية من الامتيازات العائلية والعسكرية والدينية، محولة المجتمع المدني إلى فضاء خاص من المصالح الانانية الفردية المتضادة والمتزاحمة، حتى الدين بات هنا شأناً قومياً خاصاً. هذا المجتمع المدني البورجوازي الذي ميز نفسه عن الدولة السياسية يظهر في الخارج تجاه الدول الأخرى على شكل "وطنية" (قومية) وينظم نفسه في الداخل على شكل دولة. وهنا يظهر الخداع أو الوهم في هذا التمظهر للمجتمع المدني على أنه متعاون متعاضد. لقد بين ماركس في "المسألة اليهودية" أن الذي يهيمن على هذا المجتمع المدني ويحركه هي المصالح الانانية الخاصة، إنه مجتمع منقسم متصارع بين مالكي وسائل الإنتاج من الطبقة البورجوازية، وغيرهم من العمال المأجورين المحرومين من هذه الملكية. فالدولة "العمومية" على هذا النحو تمثيل لكيان طبقي خاص، وليست تنظيماً اقتصادياً جديداً ثالثاً، والبيروقراطية (ومنها السوفياتية) ليست طبقة جديدة، فالدولة تجري باستمرار تسويات بين الطبقات المتصارعة تحت هيمنة الطبقة المسيطرة. هنا يظهر لدينا حقيقة المرحلة الثالثة الأخيرة عند هيغل، عندما يتم فيها بلوغ اندماج دائم بين الذات والموضوع (بين الذاتي والموضوعي)، وتغدو الامّة (العاميّة؛ أو عامة الشعب) ذات موضوعية. تناظر هذه المراحل الثلاث "وسائط" ثلاث للاندماج. هي اللغة، والعمل، والملكية اللغة هي الوسيط الذي يتم فيه أول اندماج بين الذات والموضوع، وهي أول عمومية فعلية" فكلمة "شجرة" تشمل جميع الأشجار، أي الشجرة على العموم. كل كلمة ننطقها هي تعميم؛ أو موضوعية يشارك فيها الافراد جميعاً بفعل مواضعة اللغة القومية. "اللغة هي الوسيط الأول للفردانية، إذ من خلالها يكتسب الفرد سيطرة على الموضوعات التي يعرفها ويسميها. اللغة هي أول أداة لتملك المعرفة ونقلها إلى الاخرين. يكتب ماركس: اللغة قديمة قدم الوعي، فاللغة هي الوعي الفعلي، العملي، الموجود أيضاً من أجل البشر الآخرين، بالتالي موجود إذن، كذلك بصورة فعلية من أجلي فقط. فاللغة إنما تنشأ، مثلها مثل الوعي، من الحاجة، من الضرورة الملحة، للتعامل مع البشر الآخرين" (الأيديولوجية: 49) إن اللغة هي الشكل الاصلي للوعي، فاللغة تتيح للفرد أن يتخذ موقفاً واعياً مقابل أقرانه، وأن يؤكد حاجاته مقابل حاجات ورغبات الافراد الاخرين، فإذا ما أدى ذلك إلى تعارضات أمكن تكاملها واستيعابها عن طريق العمل. هذه الكلام الغامض لدى هيغل يشير إلى تقسيم العمل في الجماعة الأولى التي هي الأسرة أو العائلة كوحدة عمل إنتاجية من أجل الاعالة والاكتفاء الذاتي. فعملية العمل (الإنتاج وتقسيم العمل) هي سبب الأنواع المختلفة للتكامل، وهي التي تتحكم في كل الاشكال التالية للجماعة، المناظرة لهذه الأنماط: الاسرة، والمجتمع المدني البورجوازي، ثم العاميّة. إن المناظرة المقصودة هنا تعني أن الاسرة هي الجماعية الأولى التي يندغم الفرد في كيانها، لكنها لا تلبث أن تخضع لنوع من "الجندر"؛ أي تقسيم للعمل بين المرأة والرجل. والمجتمع المدني البورجوازي يقابل ظهور الفردية البورجوازية والمصالح الانانية المتزاحمة، أما الأمّة أو العامية فتقابل تعميم الملكية فعلياً على الجميع عبر تحريم التملك الخاص لوسائل الإنتاج من قبل العائلات أو الافراد. وكان هيغل قد سبق وأن قال في كتابات الشباب: "إن نظام العمل (الإنتاج) الكمي المجرّد ذو النزعة الفردية سلبي في أساسه، إذ أن نفس طبيعة البناء الاقتصادي (التنظيم الاقتصادي للمجتمع) تحول دون قيام صالح مشترك حقيقي. ومهمة الدولة أو أي تنظيم سياسي سليم، هي أن تعمل على ما من شأنه ألا تؤدي المتناقضات الكامنة في التنظيم الاقتصادي إلى تحطيم النظام كله" 79 إننا نتحدث عن استبصار هيغل بالمتناقضات التي لا يمكن التوفيق بينها في المجتمع الحديث ذو النزعة الفردية (المجتمع البورجوازي). إن الحلقة الثالثة عند هيغل هي بشكل غامض (المجتمع اللاطبقي)، أي التنظيم الشيوعي للمجتمع. يقول ماركس: "ثمة في المشاعة الهندية القديمة تقسيم اجتماعي للعمل، بيد أن منتجاته لا تغدو بضائع" (الرأسمال: 64) الملكية العائلية التي توحّد الاسرة، مع وجود تقسيم أولي للعمل، تجعل هناك عائلات أخرى مقابلة. في البداية يكون التضاد في العائلة خارجياً، ويكون الصراع ليس بين الفرد والجماعة العائلية، بل بين الجماعة وجماعة أخرى. الملكية القائمة هنا هي ملكية الجماعة العائلية، هنا لا صراع بين الفرد وموضوع رغبته لأنه مندغم بالجماعة العائلية معتمد عليها. يقول الشاعر العربي دريد بن الصمة الهزلي: وَهَل أَنا إِلّا مِن غَزِيَّةَ إِن غَوَت غَوَيتُ وَإِن تَرشُد غَزيَّةُ أَرشَدِ يقول ماركس: "إن المراحل المختلفة لتطور تقسيم العمل تمثل بالضبط أشكالاً مختلفة للملكية " (الأيديولوجية: 34) إن جعل الملكية الخاصة نظاماً اجتماعياً، يسمح بالتملك الخاص لوسائل الإنتاج يعني في نظر هيغل، أن الموضوعات قد أدمجت أخيراً في العالم الذاتي (بات العالم الذاتي موضوعياً)، فالموضوعات لا تعود "أشياء ميتة"، بل تنتمي في كليتها إلى مجال التحقق الذاتي للذات. لقد كدح الانسان من أجل تنظيمها، وبذلك جعلها جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. على هذا النحو تأخذ الطبيعة مكانها في تاريخ الانسان، ويصبح التاريخ في أساسه تاريخ إنساني. وتغدو كل الصراعات التاريخية صراعات بين جماعات من الافراد ذوي الملكية الخاصة. وتلك فكرة ذات نتائج بعيدة المدى، تؤثر تأثيراً كاملاً في البناء التالي لعالم الذهن البشري. يكتب ماركس في "الأيديولوجية الالمانية": "إننا نعرف علماً واحداً فقط ألا وهو علم التاريخ. ويستطيع المرء أن ينظر إلى التاريخ من طرفين وأن يقسمه إلى تاريخ الطبيعة وتاريخ البشر. وعلى كل حال فالطرفان غير منفصلين: فتاريخ الطبيعة وتاريخ البشر يشرطان بعضهما بعضاً ما وجد البشر. وإن تاريخ الطبيعة المسمى العلوم الطبيعية، لا يعنينا هنا" (طبعة الفارابي: 29) يقول هيغل إن صراع الموت والحياة الذي يترتب على وجود الملكية الخاصة، لا يمكن أن يقف عند حد إلا إذا اندمج الافراد المتنازعون في مجتمع أعم هو الامّة أو "العامية" Volk ص 93 بخصوص فكرة العمل التي تظهر في فلسفة الروح لدى هيغل، يلاحظ وجود غموض في الفكرة ناجم عن عدم التفريق بين العمل كقوة انتاج، والعمل كعلاقات انتاج، بالتالي أفترض أن هيغل يستخدم مفهوم العمل كمماثل لمفهوم الإنتاج عند ماركس. ولذلك لا يصل إلى النتيجة الصحيحة وهي أن "الامة" أو الجماعة العمومية التي يستبشر بها هيغل لا تكون من دون تجاوز علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة على التملك الخاص لوسائل الإنتاج الاجتماعية، بالتالي تجاوز التنظيم الاقتصادي للمجتمع البورجوازي. يقول ماركوز: لم يكن مفهوم العمل ثانوياً في مذهب هيغل، بل هو الفكرة الرئيسية التي يتصور عن طريقها تطور المجتمع" يهاجم هيغل في "فلسفة الواقع في فترة يينا" العمل الكمي المجرد، ويصفه بالشيطان لأنه مُبرّح وسريع الإيقاع عجول. وأيضاً لأن "المكننة" وهي نفس الوسيلة التي كان ينبغي أن تحرر الانسان من عناء العمل، تجعله عبداً لعمله" وقد استخدم ماركوز نفس الحجة في نقده للتقنية وفي نقده لوجهة نظر يورغن هابرماس بهذا الشأن. إن عبارات هيغل في "فلسفة الواقع" كالعبارة "كلما أصبح العمل أكثر "مكننة" قلت قيمته (قيمة الفرد)، وازداد بالضرورة عناء الفرد"" 95 تتماثل بشكل مدهش مع عبارات ماركس في "مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية"، وفي فصل "العمل المغترب". يقول ماركس: "إن العامل يزداد فقراً كلما زادت الثروة التي ينتجها" (المخطوطات: 68)، "وكما يخلق ناتجه كضياع (فقد)، كناتج لا ينتمي له، فإنه يخلق كذلك سيطرة الشخص الذي لا ينتج (الرأسمالي)، على الإنتاج وعلى الناتج" (مخطوطات: 77) يؤكد ماركوز هذا القول حيث يكتب: "والواقع أن لهجة هذه الاوصاف وروحها تشير بطريقة ملحوظة واضحة إلى كتاب "رأس المال" لكارل ماركس. وليس من المستغرب أن نجد مخطوط هيغل يتوقف عند هذه الصورة، وكأنه أحس بالرعب مما كشف عند تحليله للمجتمع المنتج للبضائع. على أننا نجده في الجملة الأخيرة يضع لنفسه صيغة مخرج ممكن، وهو يعرض ذلك تفصيلاً في "فلسفة الواقع" للأعوام (1804-1805). فالحيوان المفترس ينبغي كبحه، ومثل هذه العملية تقتضي تنظيم دولة قوية". إن مفهوم "فلسفة العمل في فترة يينا" ومفهوم العمل يقود إلى "مخطوطات 1844"، أو مخطوطات باريس وإلى مفهوم "العمل المغترب" عند "ماركس الشاب". يقول ماركوز: إن كتابات هيغل السياسية المبكرة تذكرنا بأصول النظرية السياسية في المجتمع الحديث. ذلك لأن "هوبز" (1588-1679) بدوره قد شيد الدولة التي دعا إليها في كتاب "الليفياثان" (1651) على أساس من تلك الفوضى التي لا يمكن قهرها على أي نحو آخر، أي "حرب الجميع ضد الجميع"، التي تسود المجتمع الفردي النزعة (البورجوازي). ويضيف ماركوز: "على أن الفترة الواقعة بين هوبز وهيغل هي الفترة عينها التي أطلقت فيها الدولة (المستبدة) ذات النزعة المطلقة قوى الرأسمالية الاقتصادية من عقالها، وكشف فيها الاقتصاد السياسي عن بعض آليات عملية العمل (الانتاج) الرأسمالي“. وكان آدم سميث (1723-1790) الاقتصادي الأسكتلندي قد نشر كتابه المعروف باسم "ثروة الأمم"؛ "بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم" في نفس الفترة، في سنة 1776 في بداية الثورة الصناعية، ويعتبر الحلقة الأولى الأكبر في تاريخ الاقتصاد السياسي الإنكليزي الكلاسيكي. لقد عكف هيغل على دراسة الاقتصاد السياسي، واستطاع عبر تحليل المجتمع أن ينفذ إلى صميم المجتمع المدني البورجوازي الحديث، وكان عمله يمثل تحليلاً نقدياً مفصلاً، في حين أن "هوبز" كان قد لجأ إلى البصيرة الحدسية. والاهم من ذلك أن هيغل قد اكتشف في قيام الثورة الفرنسية مبادئ تشير إلى ما وراء الإطار القائم للمجتمع الفردي النزعة" وهذه إشارة إلى المبادئ الاشتراكية والعقل الاشتراكي. فأفكار العقل والحرية، ووحدة المصلحة العامة والخاصة، تشير في نظره إلى قيم لا يمكن التضحية بها من أجل الدولة. ومع ذلك لم يتقدم نحو فكرة الاشتراكية الشيوعية، بل بقي رهانه في حل تناقضات المجتمع البورجوازي على الدولة "العاقلة" التي يسودها حكم القانون" في الكتاب الثاني من "فلسفة الواقع في فترة يينا" ينتقل هيغل إلى مناقشة ديالكتيك الدولة-المجتمع المدني، حيث يناقش الشكل السياسي لهذا المجتمع تحت عنوان "الدستور". فالقانون يحول الكل المتخبط لعلاقات التبادل إلى ذلك الجهاز المنظم بوعي، الذي هو الدولة. ومع ذلك فهو ها هنا يرسم -كما يقول ماركوز- صورة الفوضى والاضطراب السائدتين في المجتمع المدني البورجوازي بألوان أشد قتامة حتى من تلك التي رسمها من قبل. [يتحاشى هيغل كلمة "انتاج"، لأن البورجوازية الصغيرة تركز على مسألة التوزيع والتبادل، وعلى ضرب من دولة رعاية اجتماعية] يقول المسرحي الألماني بريخت على لسان أحد أبطال مسرحياته عن هيغل "أنه امتلك كل ما يؤهله ليكون واحداً من أعظم الظرفاء بين الفلاسفة، مثل سقراط الذي اتبع اسلوباً مشابهاً. لكن حظه السيء كما يبدو، جعله موظفاً حكومياً في بروسيا فباع نفسه إلى الدولة " (الغروندريسّه؛ مقدمة مارتن نيكولاس: 34) إن التركيز على التوزيع والتبادل يجعل نظام الإنتاج الرأسمالي لدى هيغل يعمل جزئياً بالصدفة، يقول ماركوز مقتبساً هيغل: تزداد حدة التعارض بين الثروة الهائلة والفقر الشديد، وتصبح الثروة قوة مسيطرة، ويحدث تراكمها بالصدفة جزئياً، كما يحدث بفضل الطريقة العامة في التوزيع. تفضي هذه اللامساواة بين الثروة والفقر، وهذه الحاجة والضرورة، إلى التفكك التام للإرادة، والتمرد الداخلي (الثورة) والكراهية" يكتب ماركس: "أما في التوزيع، فيحصل العكس لما يحصل في الإنتاج. إذ يجري الزعم أن البشرية أجازت لنفسها أن تكون أكثر اعتباطاً بكثير" أقول وبالتالي أكثر خضوعاً للصدفة. (في النقود: 108) يضيف: يحدد التوزيع العلاقة التي تؤول بموجبها (كمية أو حصة) الانتاج إلى الافراد، ويحدد التبادل المنتجات التي يطالب به الفرد مقابل الحصة المخصصة له في التوزيع" (في النقود: 111). في التبادل يبيع الفرد حصته الكمية من الإنتاج التي يحصل عليها عبر التوزيع. "إن المساواة والحرية بصفتها "مجرد أفكار" ليست إلا "تعابير مثالية" للعلاقات السائدة في دائرة التداول.. مجرد بنى فوقية لما يجري في السوق" (الغروندريسه: 24) فالتداول- السطح – هو ظاهر عملية تجري من ورائه" (الدفتر الثاني) والاحاطة بالكل تتطلب التغلغل في جوهره، من النقود إلى رأس المال" (الغروند ريسّه: 30) يكتب ماركس أيضاً: "إن الصناعة والتجارة والإنتاج وتبادل الحاجات الضرورية، تشترط من جانبها التوزيع، وبنية الطبقات المختلفة" (الأيديولوجية: 44) يقول نيكولوس: أعاد ماركس كتابة محتويات (فصل في النقود) في الغروندريسّه مرتين خلال 1858. ومع كل مراجعة كان المزيد من المحتوى السجالي يختفي منه.. ومن المثير للاهتمام أن معظم المفردات الهيغلية بقيت." (غروند: 70) يستطيع المرء أن يمضي أكثر من ذلك. فنظرية ماركس عن دائرة التداول مع نظريته في الإنتاج تقدم ضمنياً الأساس لنظرية عن أشكال الدولة. بشكل أولي تقدم الأولى الأساس لتفسير القشرة الديمقراطية، وتقدم الثانية الأساس لتفسير الديكتاتورية الرأسمالية." (غروند: 65) ثم يعود هيغل ليقدم عبارة معاكسة لعبارته الأولى، حين يستحضر قوة الدولة في ضبط الفوضى، حيث يقول: فالخطر الذي يسود المجتمع ليس مجرد صدفة واتفاق، بل هو نفس العملية التي يردد بها الكل وجوده ووجود كل من أفراده". ثم يعود لفكرة العقد في المجتمع المدني وفي الدولة الواحدة بعد أن هاجم فكرة العقد الاجتماعي عند روسو "حيث يجري تصور المجتمع على أنه جهاز عضوي متولد من الاتفاق التلقائي بين أناس أحرار ومتكافئين" (كورنو: أصول الفكر الماركسي: 21)، ويشيد بالمجتمع المدني البورجوازي، حيث يبقى من وجهة نظره أقل وحشية من المجتمعات السابقة، نظراً لوجود العقد. يقول ماركوز: ينظر هيغل إلى العقد على أنه واحد من أسس المجتمع الحديث، والواقع أن المجتمع عنده هو إطار من التعاقدات بين الافراد". والمدهش حقاً أن كل مقرّظي المجتمع البورجوازي الذين نكصوا عن نقده وإدانته، يعودون نادمين إلى روسو والعقد الاجتماعي، وكأنه "الحجة" الوحيدة الباقية لهذا المجتمع حتى ينال القبول. تحوّل هذه "الحجة" العداء من الداخل إلى الخارج، من الصراع داخل المجتمع المدني للأمة إلى العداء والصراع بين الأمم. يقول ماركوز: إننا نراه يبذل فيما بعد جهداً كبيراً لكي يقصر صحة العقود على مجال المجتمع المدني، أي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ويستبعد ما تؤديه من دور بين الدول" وهذا نكوص وتراجع وانحطاط لفكرة هيغل النقدية الجذرية، كما سبق أن رأينا نفس الشيء في حديثه عن "حق القوة" مع أن ماركوز يعود للدفاع عنه مرة أخرى بالقول: "يستطيع أن يقبل "دولة قوة" ولكن لا يكون ذلك إلا بقدر ما تسودها حرية الافراد وتؤدي قوة الدولة إلى قوة الافراد الخاصة" 100 مع أن هيغل يعترف بأن العقد ينطوي على إمكانية خرق العقد، وأن الالتزام بالعقد لا يكون بالإرادة الفردية بل بالتهديد بالقوة (القانون والدولة)، ويعرف أن الثروة قوة يمكنها تسخير الدولة والقانون لصالحها. ولذلك يستنتج شكلية المساواة القانونية، ويقول أخيراً: والحق إن التصور الصحيح للقانون هو الافراد الأحرار والمستقلون تماماً، الذين مع ذلك تجمعهم مصلحة مشتركة، ويكون الفرد واثقاً أنه يجد "ذاته وماهيته" في القانون، ومن أن القانون يحفظ إمكاناته الأساسية ويدعمها" 99 وهذه الفكرة هي نفسها التي يقولها ماركس في الأيديولوجية الألمانية والتي يتحدث بها عن الافراد المتحدين الذين لا تعود علاقات الإنتاج فوقهم بل بينهم وتحت نظرهم و وعيهم، ولا يعود تقسيم العمل الزامي، بل اختيار كامل من الفرد: فـ "في المجتمع الشيوعي ، حيث لكل فرد نشاط محصور به وحده، بإمكانه أن يتطور في الميدان الذي يروق له، فالمجتمع (لا الدولة الطبقية) ينظم الإنتاج العام، وبذلك يتيح لي أن أفعل هذا الشيء اليوم، وذلك الشيء الآخر في الغد " (الأيديولوجية: 53) متخلصاً بذلك من التقسيم الالزامي للعمل في المجتمعات الطبقية. يقول ماركوز مؤكداً هذا القول: مثل هذه النظرة تفترض مقدماً دولة تعبر قوانينها فعلاً عن الإرادة الحرة للأفراد المجتمعين (المتحدين). فإذا وجد مثل هذا القرار المشترك كان القانون هوية حقيقية بين الفرد والكل. وهكذا فإن نظرة هيغل إلى القانون تشترط مقدماً مثل هذا المجتمع. فهو يصف الهدف الذي يتعين بلوغه، لا حالة قائمة بالفعل" 99 أي ما يجب أن يكون لا ما هو كائن. في رسالة ماركس إلى ج. وديماير في 5 آذار 1852 كتب يقول: "والآن فيما يتعلق بي، فلا يعود لي الفضل في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع الحديث أو الصراع فيما بينها. إن مؤرخين بورجوازيين قد عرضوا قبلي بوقت طويل التطور التاريخي لهذا الصراع الطبقي. إن ما جلبته من جديد هو البرهان: 1-على أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بأطوار تاريخية معينة من تطور الإنتاج 2-على أن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا 3-على أن هذه الدكتاتورية نفسها لا تمثل سوى (مرحلة) انتقال نحو الغاء جميع الطبقات ونحو مجتمع لا طبقي" (مراسلات ماركس-انجلس: 73) في حديث هيغل عن الدولة لا يوجد أي ذكر للطبقات الاجتماعية، وصراع الطبقات، بالتالي لم يعد بمقدور هيغل تفسير الدولة والعداوات الاجتماعية إلا بعدوات بين الافراد في المجتمع المدني القائم على العمل الكمي المجرد والنزعة الفردية، ولا تفسير وجود الدولة إلا "كقوة خارجية " تقسر الافراد رغماً عن إرادتهم. إن "الإرادة العامة" التي تتحدث عنها نظرية العقد الاجتماعي هي (في نظر هيغل) نتيجة الدولة وليست أصلها". ولكن من أين تستمد الدولة هذه "القوة الخارجية"؟ ويجيب هيغل: كل الدول مبنية بفضل القوة المجيدة لرجال عظام" وهذه القوة "ليست بالقوة المادية. فقد كان في شخصية المؤسسين العظام للدولة شيء من تلك القوة التاريخية التي ترغم البشرية على السير في طريقها الخاص وإحراز التقدم نتيجة لذلك. هذه الشخصية تعبر عن المعرفة الارفع والأخلاق الأسمى للتاريخ. وتحمل في داخلها هذه المعرفة وتلك الاخلاق، ولو لم تكن واعية بذلك، أو حتى لو كانوا مدفوعين بدوافع مختلفة كل الاختلاف. وهنا سيأتي هيغل بفكرة هي التي ستظهر فيما بعد باسم روح العالم Weltgeist" أو الروح في التاريخ. لم تعد الدولة هي التنظيم الداخلي للمجتمع الطبقي البورجوازي، بل قوة خارجية، مفروضة على الافراد يتمتع بها أشخاص عظام يحملون روح العالم. لنرى كيف يعلق ماركس على هذه الفكرة "اللاهوتية": “إن هيغل ليعترف نفسه في نهاية فلسفة التاريخ إنه إنما "أخذ بعين الاعتبار تقدم المفهوم وحده، ومثّل (هذا التقدم للمفهوم) في التاريخ "الثيوديسيا " الحقيقية (علم وجود الله وصفاته). وإن المرء ليستطيع الان أن يرجع القهقرى لمنتجي "المفهوم"، إلى المنظرين والايديولوجيين والفلاسفة، وعندئذ ينتهي إلى النتيجة التالية، ألا وهو أن الفلاسفة من حيث هم فلاسفة قد هيمنوا على التاريخ في جميع الأزمنة، وهي النتيجة التي سبق لهيغل وعبر عنها" وهكذا وبالتضاد مع المقولة الماركسية التي تقول: إن أفكار الطبقة السائدة هي أيضاً الأفكار السائدة في كل حقبة تاريخية. أي إن الطبقة التي تتصرف بوسائل الإنتاج المادي تملك في الوقت نفسه الاشراف على وسائل الإنتاج الفكري" (الأيديولوجية: 68) وكل الحيلة الهادفة إلى البرهان على هيمنة الروح في التاريخ (الروح التاريخي للعالم) والتي يسميها شترنر "التراتب" تقتصر على الجهود الثلاثة التالية: 1-ينبغي فصل أفكار هؤلاء الذين يحكمون باعتبارهم أفراداً ماديين، عن هؤلاء البشر. وبذلك الاعتراف بأن الأفكار أو الأوهام هي التي تسود في التاريخ. 2-ينبغي تنظيم هذه السيادة للأفكار، وإقامة رابطة صوفية بين الأفكار السائدة المتعاقبة. 3-يحوّل هذا "المفهوم الذي يقرر ذاته"، من أجل التخلص من مظهره الصوفي، إلى شخص "الوعي الذاتي"، من أجل الظهور بمظهر مادي تماماً (تشخيص هذا الوعي)، أو إلى مجموعة من الأشخاص الذين يمثلون "المفهوم" (الروح) في التاريخ" (الأيديولوجية الألمانية: 72) ثم يستعرض هيغل بعدها أشكال الدول، معتمداً في ذلك على المعيار الأساسي لنجاح الدولة وهو "تحقيق اندماج حقيقي للأفراد في الكل " الاجتماعي. بالطبع أولى الدول ستكون تلك التي تحقق هذا الاندماج بالقوة والقهر للأفراد، وهي دولة الطغيان؛ "فالطغيان يدمج الافراد عن طريق إنكارهم". وأعلى الدول في قائمة هيغل هي الدولة الديمقراطية التي تمثل هوية حقيقية بين الفرد والكل" وبهذا الشكل يكون المثل الأعلى لهيغل دولة بورجوازية ديمقراطية، يشارك فيها "البورجوازي" الفرد في المجتمع المدني وفقاً لمصلحته الخاصة، ولكنه يشغل نفسه بحاجات الكل ومهامه، وبهذا الوصف يكون هو المواطن". إن أفق هيغل السياسي حول الدولة هو أفق دستور الثورة الفرنسية 1789 الذي تحدث عن حقوق الانسان (البورجوازي) وحقوق المواطن، أي حقوق التملك الخاص والحقوق السياسية. من الصعب أن يتصور هيغل أن البورجوازي يسعى لمنصب بيروقراطي في الدولة البورجوازية، لا من أجل رعاية الصالح العام، بل لكي يوسّع من أملاكه ويحميها من وضع اليد والمصادرة من قبل النافذين في الدولة العتيدة. لكن الغريب أن يتحدث هيغل عن شكل أعلى للدولة هي أشبه بحكومة ديمقراطية حقيقة؛ كمونة شيوعية يتحد فيها الفرد اتحاداً حراً واعياً مع الآخرين في جماعة مشتركة، يقول هيغل نقلاً عن ماركوز: "كان على البشرية أن تتقدم نحو شكل أعلى للدولة، أعني شكلاً يتحد فيه الفرد اتحاداً حراً واعياً مع الآخرين في جماعة مشتركة تعمل بدورها على حفظ ماهيته الحقة (الماهية الحقة لهذا الشكل)”. أقول: وهذه الإعادة لشكل حكم الجماعة المشتركة هو ما دعاه ماركس بإعادة انتاج شكل التعامل نفسه "وخضوع الشروط الاجتماعية للحياة لسلطة الافراد المتحدين" (أيديولوجية: 89) يقول ماركس: "تختلف الشيوعية عن جميع الحركات التي سبقتها حتى الآن في أنها تقلب أساس جميع علاقات الإنتاج والتعامل السابقة، وتعالج بكل وعي للمرة الأولى، جميع الشروط السابقة الطبيعية على أنها من صنع الأجيال السابقة من البشر، وتجردها من طابعها الطبيعي وتخضعها لسلطان الافراد المتحدين. ولذا فقد كان تنظيمها اقتصادياً بصورة جوهرية، ألا وهو الإنتاج المادي لشروط هذه الوحدة؛ إنها تحول الشروط القائمة إلى شروط الوحدة" (الأيديولوجية: 96) يحلم هيغل بعدها بدولة ديمقراطية حقاً تعتمد اللامركزية الإدارية في الأقاليم والقطاعات المختلفة؛ بحيث أن "كل مجال (مدينة، طائفة، حرفة) يدير شؤونه الخاصة بنفسه" يقول ماركوز: والواقع أن هناك متناقضات واضحة في عبارات هيغل المتعلقة بهذه المسألة حتى في داخل الفترة الفلسفية الواحدة. والمسألة هنا هو موقع الدولة في فلسفة الروح. ففي الجزء الثاني من "فلسفة الواقع في فترة يينا" يعلن أن الروح المطلقة "هي في البداية روح أمة بوجه عام"، ومع ذلك فعلى الروح أن تحرر نفسها من هذه الحياة. وهو يقول فضلاً عن ذلك أن الفن والدين والفلسفة يجعلون "الروح المطلقة الحرة تنتج عالماً مختلفاً، عالماً تتخذ فيه شكلها الحقيقي، ويتحقق فيه عملها، وتصل فيه الروح إلى معاينة ما ينتمي إليها على أنه ينتمي إليها " وعلى عكس هذه العبارات يقول هيغل، في مناقشة للعلاقة بين الدين والدولة، إن "الحكومة تقف فوق كل شيء، فهي الروح التي تعرف ذاتها بوصفها الماهية والحقيقة الكلية" وفضلاً عن ذلك، فهو يسمي اللادولة "حقيقة مملكة السماء". إن الدولة هي روح الواقع الحقيقي، وكل ما يظهر في إطار الدولة ينبغي أن يكون متمشياً معها" يبقى سؤال أخير تتوجب الإجابة عليه وهو: ما الصفات التي تتسم بها المَلَكية الوراثية، والتي تبرر مكانتها العليا في فلسفة الروح؟ يجيب ماركوز بالقول: لقد كان هيغل ينظر إلى المَلكية الوراثية على أنها هي الدولة المسيحية بالمعنى الصحيح، أو بتعبير أدق، هي الدولة المسيحية التي ظهرت إلى الوجود مع حركة الإصلاح الديني الألمانية. هذه الدولة في نظره هي تجسيد لمبدأ الحرية المسيحية، التي تنادي بحرية الضمير الباطن للإنسان، ومساواته أمام الله. ولقد كان هيغل يعتقد أن الحرية الخارجية (المادية)، التي يفترض أن الديمقراطية تقيمها وتحميها، لا يكون لها جدوى بدون هذه الحرية الباطنة. 102 ولقد بينت في كتابي "رسالة في الغنوصية" في مقالة "دور الفرد في التاريخ" الدور الحاسم الذي تلعبه هذه الحرية الباطنة في حياة الافراد المنشقين والذين يسعون لتغيير الوضع القائم. يكتب إميل بريهييه: إذا نظرنا إلى الأفكار العامة التي يقوم عليها مذهب فيلون الاسكندري، نجد أن الفيلسوف كان في وضع عسير، بسبب آرائه الخاصة بالدار الآخرة. حقاً إن كل الهناء أو السعادة المادية التي يضعها اليهود، مثلهم في هذا مثل مؤلفي "سيبيل" (قصائد عن ربّة القمح) ويرونها نهاية التقدم، ليست شيئاً في رأي فيلون، إذا ما قورنت بالتقوى والمعرفة الحقة بالله. هذه السعادة لا تتعلق إلا بالجسم والاشياء الظاهرية أو الخارجية، بينما خيرات النفس أو الروح هي الخيرات الحقيقية. ولكن حينئذٍ على ما يرى فيلون، يكون على التقدم الخارجي والتاريخي للشعب أن يترك مكانه للتقدم الداخلي (الباطني) والمعنوي أو الادبي. وهذا النوع من التقدم لا يمكن أن يتم تصوره، كتقدم لشعب بأسره ولكن، فقط كتقدم لشخص أو أشخاص" (رسالة في الغنوصية: 24) إن مشكلة هيغل الكبرى وتناقضاته السالفة الذكر تكمن في تصوّفه الذي يخلط بين النظرية والممارسة العملية في فلسفته التأملية، أي يخلط بين التقدم الباطني المعنوي والتقدم الظاهري المادي، بين عمل الأشخاص المناضلين ضد الوضع القائم وبين عمل الدولة القائمة. إن هيغل (كما قال ماركس) ليعترف نفسه في نهاية فلسفة التاريخ إنه إنما "أخذ بعين الاعتبار تقدم المفهوم وحده، ومثل (هذا التقدم للمفهوم) في التاريخ هو "الثيوديسيا " الحقيقية (علم وجود الله وصفاته)" ومع ذلك كان عليه أن يعالج التقدم العملي أو واقع الدولة في نفس السياق في تصوف غامض يخلط بينهما. وهكذا كان تعامله مع المنطق (الديالكتيك)؛ " الذي عانى على يد هيغل من الصوفية" على حد قول ماركس في الرأسمال (رأس المال: 38) كتب ماركس إلى روج في سبتمبر 1843 رسالة يقول: فيها: "ومثلما أن الدين هو السجل النظري للبشرية، فإن الدولة السياسية هي السجل العملي للبشرية" وهيغل يخلط بين السجلين في سجل تأملي تصوّفي واحد. ونحن نعرّف العلاقة بين السجلين بطريقة سلبية على طريقة بعض الباطنيين فنقول: السجل النظري، غير منفصل وغير متصل بالسجل العملي في ذات الوقت.
#نايف_سلوم (هاشتاغ)
Nayf_Saloom#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عرض كتاب -فكر غرامشي السياسي- +
-
إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة
-
رأس المال-م1-ف1 : ملاحظات أساسية
-
عرض كتاب -العُنْف الرمزيّ-
-
قراءة في كتاب -ثورة 1936 – 1939 -*
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
-
عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
-
الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
-
قراءة في -العقل والثورة- 1
-
استهلال كتاب -العقل والثورة-
-
-العَلْمانيّة- من منظور جديد
-
قراءة في رواية -سيدهارتا-*
-
محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
المزيد.....
-
لست بحاجة إلى الصراخ..ما المقصود تحديدًا بحانة الاستماع عالي
...
-
مبعوث ترامب يلتقي بوتين في روسيا.. هذا ما كل ما نعرفه عما يج
...
-
كيف يساعد الماء على تحويل بروتين تاو إلى مدمر للدماغ في ألزه
...
-
الأمن الروسي يعتقل مرتزقا ألمانيا قاتل إلى جانب قوات كييف
-
كوريا الشمالية: شقيقة كيم تتفقد أعمال تحصين الحدود مع الجنوب
...
-
استدعاء نتنياهو ومسؤولين سابقين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة
...
-
مصر.. الداخلية تنشر مقطعا من الفديو -الخادش- لسائحتين بعد ال
...
-
احتجاجات فرنسا: انقسام حول المسؤولية عن أعمال الشغب والدروس
...
-
بعد أعمال الشغب في ميلانو.. الحكومة الإيطالية تستعين بالجيش
...
-
استطلاعات متقاربة وغموض سياسي.. من يشكل الحكومة المقبلة في إ
...
المزيد.....
-
قراءة في العقل والثورة-3
/ نايف سلوم
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|