أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - متى يصبح الاقتراض المالي عبئاً ..؟














المزيد.....

متى يصبح الاقتراض المالي عبئاً ..؟


سعد عزت السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من حيث المبدأ لا يمكن القول الاقتراض الحكومي يعتبر عيباً بحد ذاته. فالحكومة تحتاجه أحياناً لتؤدي مهامها، والامتناع عنه مهما كانت الظروف لا يثبت أن إدارتها المالية سليمة. الدول تقترض لتمويل مشاريع كبيرة، أو لتجتاز أزمة، أو لتخفف عن اقتصادها ضغطاً طارئاً. غير أن القرض الذي ينفع يختلف عن القرض الذي يزيد الأزمة سوءاً، والفرق يظهر في أمور أربعة: ما الغاية منه، وكم يكلف، وهل تقدر الدولة على سداده، وماذا سيتحمل بعدها من يأتي من أجيال.
والعراق حالة خاصة. فموارده المالية تقوم في معظمها على النفط، بينما تتسع النفقات الجارية عاماً بعد عام، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد والتحويلات الاجتماعية. فتصير الموازنة رهينة لسعر البرميل. وهنا يواجه صانع القرار سؤالاً أبعد من تأمين السيولة هذا الشهر: هل نستعمل هذه الموارد لنبني اقتصاداً يقف على قدميه،
تبدأ المشكلة حين يفقد الاقتراض صفته الاستثنائية أو الاستثمارية، ويصير عادة تسد بها الحكومة الفجوة بين إيراداتها ونفقاتها دون أن تسأل عن سبب هذه الفجوة. الأزمة في هذه الحالة لا تزول، بل تنتقل إلى المستقبل ومعها فوائد الدين وخدمته وما تراكم من التزامات.
وقد نبّه صندوق النقد الدولي، في تقييمه للاقتصاد العراقي المنشور في تموز 2025، إلى تزايد مواطن الضعف المالية بسبب التوسع في الإنفاق وانخفاض أسعار النفط. وذكر أن سعر النفط اللازم لتوازن الموازنة بلغ نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، بعد أن كان نحو 54 دولاراً في عام 2020. ودعا كذلك إلى مراجعة الإنفاق غير الضروري، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإجراء إصلاحات مالية متوسطة الأجل.
هذه الأرقام تشير إلى خلل في البنية، والاقتراض وحده لا يعالجه. فإذا استمرت النفقات بالارتفاع وبقيت الإيرادات غير النفطية محدودة، صارت الدولة أشد تأثراً بأي هبوط في أسعار النفط أو تعثر في الصادرات. ويغدو الاقتراض حينها ضرورة تفرضها بنية الإنفاق نفسها، لا خياراً تختاره الحكومة.
وإدارة المال العام ليست شأناً فنياً خالصاً، فهي محكومة بمبادئ دستورية وقانونية أبرزها المشروعية والشفافية والرقابة وحماية المال العام. والدستور العراقي ينظم إعداد الموازنة العامة وإقرارها ويحدد اختصاصات السلطات المعنية بالمال، أما قواعد الاقتراض والصرف وإدارة الموارد العامة فتحددها التشريعات النافذة.
لذلك يجب أن تقوم أي سياسة اقتراض على أساس قانوني واضح، وأن تمر بالإجراءات الدستورية والتشريعية المقررة، وأن تكون أغراضه وكلفته وشروطه معروفة وقابلة للمراجعة. وكون الاقتراض جائزاً قانوناً لا يكفي، فلا بد أن نسأل أيضاً: هل هو ضروري؟ وهل ينسجم مع أولويات الدولة؟ وما أثره في الاستدامة المالية؟
وأخطر نتائج الاختلال المالي لا تظهر عادة في سنة القرار، بل بعد سنوات، حين تضطر الحكومة إلى تقليص الاستثمار، أو تأخير المستحقات، أو رفع الضرائب والرسوم، أو إعادة ترتيب الإنفاق على حساب الخدمات العامة.
وفي اقتصاد نفطي لا تكفي وفرة الإيرادات في سنة واحدة لتبرير توسع دائم في الالتزامات. فالإيراد النفطي متقلب بطبعه، أما الرواتب والمعاشات والتكاليف الإدارية فمن الصعب خفضها بسرعة. وإذا أغفلت السياسة المالية هذا التباين، وجدت الدولة نفسها أمام التزامات ثابتة وإيرادات تتذبذب.
ولهذا لا يكفي أن نسأل كم من الدين يتحمل العراق اليوم. السؤال الأصح يتعلق بنوع الإنفاق الذي سيموله هذا الدين، والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منه، وقدرة إيرادات الغد على تغطية كلفته.
لا يتم الدعوة إلى وقف الاقتراض نهائياً، ولا إلى تقشف عشوائي يصيب أكثر المواطنين هشاشة. ما نحتاجه سياسة مالية تربط كل قرض بهدف محدد، وتقدّم المشروعات القادرة على رفع الإنتاج والإيرادات، وتضبط النفقات غير الضرورية، وتراجع الالتزامات التي لا تتناسب مع موارد البلد.
ويتطلب ذلك زيادة الإيرادات غير النفطية بطريقة عادلة، وتطوير الإدارة الضريبية والكمركية، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة المشروعات المتلكئة وجدواها، وتشديد الرقابة على العقود الحكومية. ويتطلب أيضاً نشر بيانات واضحة عن حجم الدين وكلفته وآجال استحقاقه، وإتاحة ما يلزم من معلومات للبرلمان والرأي العام ليقيّموا السياسة المالية.
والأهم أن تقترن الموازنة بخطة متوسطة الأجل تبين مسار العجز والدين العام، وتشرح كيف ستتعامل الدولة مع هبوط أسعار النفط، بدل الاكتفاء بتقديرات متفائلة قد لا تصمد إذا تغيرت الظروف.
والحكومة حين تقترض لا تتخذ قراراً يخصها وحدها، فهي ترتب التزامات قد تتحملها حكومات ومواطنون بعدها. ولا يصح أن نقيس نجاح السياسة المالية بقدرتها على تمويل إنفاق اليوم فقط، بل بقدرتها على حماية الاستقرار المالي وتوسيع فرص التنمية.
العراق لا يحتاج إلى خطاب يجرّم الاقتراض، وإنما إلى سياسة مالية جادة تمنع أن يصير بديلاً عن الإصلاح. قد تبرر الضرورة الاستدانة في ظروف معينة، لكنها لا تبرر بقاء الاختلالات دون خطة واضحة لمعالجتها.



#سعد_عزت_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوانين المعطلة في العراق: هل تتحمل السلطة التشريعية مسؤولي ...
- المعارضة البرلمانية في العراق ودورها في الرقابة على السلطة ا ...
- هل يحتاج العراق إلى عقد سياسي جديد؟
- دمج الاقتصاد العراقي بدول الخليج: بوابة التعافي والتنمية
- التسوية المالية مع الفاسدين: بين استرداد المال العام وتحقيق ...
- الفرق بين الدولة المركزية والنظام الدكتاتوري
- ازدواج الجنسية للمسؤولين في العراق: بين الحق الدستوري ومتطلب ...
- الهروب من الفوضى: إستراتيجية العراق الجديدة في عالم ما بعد ا ...
- العراق وسياسة “المسافة المتساوية”: توازن دقيق في بيئة لا تعت ...
- من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة
- أهمية دمج أمن الخليج بالعراق: نحو مقاربة إستراتيجية لإعادة ب ...
- العراق بين الحياد السيادي والواقع الجيوسياسي
- الفراغ الدستوري في تشكيل الحكومة
- هل تهدد اللامركزية وحدة القرار السيادي ؟
- حدود السلطة في زمن الأزمات
- الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية كضمان لحسن الإدارة
- غياب قانون مجلس الأمن القومي وأثره على صناعة القرار الاسترات ...
- الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في القانون الدولي الإنسا ...
- الأمن الحدودي عنوان السيادة ومفتاح للاقتصاد الوطني
- تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع


المزيد.....




- -توقف الآن!-.. مشادة بين النائبين راسكين وكرينشو على الهواء ...
- حول عبدالرحمن السيد.. ساويرس يرد على مقال -لا علاقة له بمصر- ...
- بين موقفي -الشاباك- و-النائب العام-.. ما الذي يجري في إسرائي ...
- الحرس الثوري يستولي على مسيرتين أمريكيتين في هرمز
- حين يصاب القادة بالنسيان: من رونالد ريغان إلى جاك شيراك
- الدفاع الروسية: تدمير مركز لوجستي ومحطة كهرباء شرق أوكرانيا ...
- اتهام عشرة أشخاص بالاحتيال الانتخابي في كاليفورنيا
- شهيد وجرحى في قصف على غزة وإسرائيل تواصل خروقها
- الحرس الثوري: حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز
- من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - متى يصبح الاقتراض المالي عبئاً ..؟