أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - العراق وسياسة “المسافة المتساوية”: توازن دقيق في بيئة لا تعترف بالحياد














المزيد.....

العراق وسياسة “المسافة المتساوية”: توازن دقيق في بيئة لا تعترف بالحياد


سعد عزت السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 09:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ سنوات، يحاول العراق صياغة سياسة خارجية تقوم على مبدأ “المسافة المتساوية” بين القوى المتنافسة في الإقليم، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران. هذا التوجه يُقدَّم رسميًا بوصفه تعبيرًا عن السيادة الوطنية ورغبة في تجنيب البلاد كلفة الانخراط في صراعات المحاور. لكن عند فحص هذه السياسة بعمق، يتضح أنها ليست خيارًا سهلًا ولا مستقراً، بل هي محاولة معقّدة لإدارة التوازن في بيئة سياسية وأمنية شديدة التقلب.
وتعني سياسة “المسافة المتساوية” أن يحتفظ العراق بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، دون الانحياز إلى محور ضد آخر. في الخطاب الرسمي، تُقدَّم هذه المقاربة كترجمة لمبدأ السيادة الوطنية والاستقلال في القرار الخارجي. لكن في الواقع، البيئة الإقليمية لا تسمح بسهولة بهذا التوازن، لأن كل طرف ينظر إلى العراق ليس كدولة محايدة، بل كساحة نفوذ محتملة.
وتقوم هذه السياسة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية دون ميل. وهي سياسة مغرية لدولة مثل العراق، عانى طويلًا من الحروب والتدخلات الخارجية، ويسعى اليوم إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها. غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع جيوسياسي يفرض على الدول مواقف أكثر وضوحًا، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تجعل الحياد أقرب إلى موقف هش منه إلى إستراتيجية راسخة.
اذ تكمن المعضلة الأساسية في موقع العراق الجغرافي وتركيبته السياسية. فهو يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية، كما أن بنيته الداخلية تعكس توازنات معقدة بين قوى سياسية تختلف في توجهاتها الخارجية. هذا الواقع يجعل من الصعب ترجمة مبدأ “المسافة المتساوية” إلى سياسات عملية متماسكة. فالعراق يرتبط بعلاقات أمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات عميقة مع إيران على مستويات متعددة، ما يضعه أمام ضغوط مستمرة من الطرفين.
إلى جانب العوامل الخارجية، يواجه العراق تحديًا داخليًا لا يقل أهمية. فغياب الإجماع الوطني حول توجهات السياسة الخارجية، وتعدد مراكز التأثير داخل الدولة، يضعف القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة. وهنا تظهر مشكلة جوهرية لا يمكن لأي سياسة خارجية أن تنجح إذا لم تكن مدعومة بقاعدة داخلية متماسكة. وبالتالي، فإن “المسافة المتساوية” تتحول أحيانًا إلى مجرد خطاب سياسي، أكثر منها إستراتيجية قابلة للتنفيذ.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية هذه السياسة كخيار تكتيكي. فالعراق، في ظل محدودية قدراته مقارنة بالقوى الكبرى، يحتاج إلى تقليل المخاطر بدلًا من تعظيمها. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم “المسافة المتساوية” كأداة لإدارة الأزمات وليس كحل نهائي لها. بل إن نجاحها النسبي قد يفتح أمام العراق فرصة للعب دور الوسيط الإقليمي، مستفيدًا من علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف.
لكن تحقيق هذا الدور يتطلب شروطًا واضحة، أبرزها تعزيز مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار السياسي، وبناء سياسة خارجية قائمة على المصالح الوطنية لا على ردود الأفعال. كما يتطلب تطوير أدوات دبلوماسية واقتصادية تمنح العراق هامشًا أوسع للمناورة.
وحيث ان العراق ليس دولة هامشية يمكنها المناورة بسهولة. موقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية الداخلية، وارتباطاته الأمنية والاقتصادية، كلها عوامل تقيّد حركته. الوجود العسكري الأمريكي، مقابل النفوذ السياسي والأمني الإيراني، يخلق معادلة معقدة تجعل “المسافة المتساوية” أقرب إلى إدارة توازن هش بدلًا من تحقيق حياد فعلي.
وهل الحياد خيار حقيقي, هنا النقطة التي تحتاج مواجهة صريحة: الحياد ليس مجرد إعلان، بل قدرة. الدول التي تنجح في الحياد تمتلك أدوات قوة—اقتصادية، عسكرية، ودبلوماسية—تمكّنها من فرض هذا الخيار. في الحالة العراقية، ما زالت هذه الأدوات غير مكتملة، ما يجعل الحياد أقرب إلى “تمنٍ سياسي” منه إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ.
مع ذلك، لا يعني هذا أن هذه السياسة فاشلة بالكامل. فهناك فرصة حقيقية للعراق للعب دور “وسيط” بدلًا من مجرد “متوازن”. موقعه وعلاقاته يمكن أن تؤهله ليكون منصة حوار إقليمي، إذا ما تم استثمار ذلك بذكاء. هذا يتطلب , توحيد القرار الداخلي, تقوية المؤسسات الدبلوماسية, تقليل الاعتماد على الخارج في الملفات الأمنية.
في المحصلة، تمثل سياسة “المسافة المتساوية” محاولة واقعية للتعامل مع بيئة إقليمية معقدة، لكنها تبقى محدودة الفاعلية ما لم تُدعّم بإصلاحات داخلية عميقة. فالعراق لا يفتقر إلى الرغبة في الحياد، بل إلى القدرة على فرضه. وبين الرغبة والقدرة، تتحدد ملامح سياسته الخارجية في المرحلة المقبلة.



#سعد_عزت_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة
- أهمية دمج أمن الخليج بالعراق: نحو مقاربة إستراتيجية لإعادة ب ...
- العراق بين الحياد السيادي والواقع الجيوسياسي
- الفراغ الدستوري في تشكيل الحكومة
- هل تهدد اللامركزية وحدة القرار السيادي ؟
- حدود السلطة في زمن الأزمات
- الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية كضمان لحسن الإدارة
- غياب قانون مجلس الأمن القومي وأثره على صناعة القرار الاسترات ...
- الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في القانون الدولي الإنسا ...
- الأمن الحدودي عنوان السيادة ومفتاح للاقتصاد الوطني
- تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع
- الامن القومي والتوازنات الاقليمية
- الضرورة العسكرية كذريعة لانتهاك القانون الدولي الإنساني
- تفعيل أدوات الاستجواب والسؤال البرلماني في مجلس النواب
- الأقاليم في العراق بين النص الدستوري والتطبيق العملي
- مسيرة بعثة الأمم المتحدة في العراق : دعم الدولة وبناء الاستق ...
- دور العراق في الاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب
- مجلس الاتحاد : التحديات الدستورية وأفاق التفعيل
- القانون الدولي البيئي والتحديات العالمية للتغير المناخي
- حيازة السلاح خارج القانون في العراق


المزيد.....




- حاول إحراق متجر فاشتعلت النيران به.. شاهد ما حدث لمشتبه به أ ...
- رصد ناقلة نفط صينية عملاقة تبحر في مضيق هرمز.. ففي أي ميناء ...
- ترامب يبحث عن -اتفاق جيد- مع إيران.. وتصعيد متواصل في جنوب ل ...
- تقارير أميركية صادمة: الترسانة الإيرانية لم تُدمّر وهذا هو ع ...
- الصين: شركة يوني تري تكشف روبوتا -ميكا- بشري الشكل قابل للتح ...
- -علامة سامة للمواطنين-: كيف أطاحت السياسة بمشروع -برج ترامب- ...
- تهدد سيادة البلد.. مطالب في العراق بمصارحة رسمية حول القاعدة ...
- ثوانٍ تمحو مدينة وسنوات تسمم الحياة.. ماذا يحدث بعد الانفجار ...
- بدلة مادورو الرياضية تعود مع روبيو على متن طائرة الرئاسة في ...
- لماذا كثر موت الشباب فجأة؟.. تحقيق في القاتل الصامت


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - العراق وسياسة “المسافة المتساوية”: توازن دقيق في بيئة لا تعترف بالحياد