أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - حين تصبح مقاومة الاحتلال هي المشكلة















المزيد.....

حين تصبح مقاومة الاحتلال هي المشكلة


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 02:54
المحور: القضية الفلسطينية
    


شهد الخطاب الفلسطيني خلال العقود الماضية تغيراً واضحاً في المفردات التي يستخدمها لوصف الواقع السياسي والاجتماعي. فدخلت إلى هذا الخطاب كلمات مثل التمكين، وبناء السلام، وتعزيز الصمود، والاستدامة، وإدارة النزاع، وبناء القدرات، وغيرها. لا مشكلة في هذه المفردات من حيث معناها المباشر، وبعضها يرتبط بحاجات فعلية داخل المجتمع الفلسطيني. المشكلة تظهر حين تحل هذه اللغة محل السؤال السياسي الأساسي: كيف ينتهي الاحتلال، وكيف تتغير علاقة القوة التي أبقته قائماً؟
عندما تُطرح القضية بهذه الطريقة، يتحول مركز الاهتمام تدريجياً من الاحتلال إلى المجتمع الواقع تحت الاحتلال. يصبح المطلوب تحسين قدرة الفلسطينيين على التكيف مع الظروف القائمة، بدلاً من البحث في الوسائل التي يمكن أن تغير هذه الظروف. وتتحول القضية من مسألة تحرر سياسي إلى مجموعة من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية التي تحتاج إلى برامج ومشاريع. لا تجيب عن السؤال السياسي. وعما ينتجه الاحتلال من وقائع على الأرض، بما يؤدي إلى نزع البعد السياسي عن القضية المركزية حين يجري التعامل مع الفلسطيني بوصفه "مستفيداً" من مشروع، أو "فئة مستهدفة" ببرنامج، تتراجع صفته كصاحب قضية سياسية. ويصبح الاحتلال خلفية ثابتة للمشكلة، بينما تتجه الجهود إلى معالجة آثار وجوده. وقد يستمر الاحتلال سنوات طويلة من دون أن يدخل في صلب المشروع الذي يفترض أنه يعالج الواقع الفلسطيني.
تعمل لغة التمويل أحياناً على تعزيز هذا الاتجاه. فالمؤسسات التي تعتمد على جهات مانحة تحتاج إلى تحديد أهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء، ومخرجات، وتقارير دورية. وهي متطلبات مفهومة في العمل المؤسسي، لكنها تضيق المجال أمام القضايا التي لا يمكن تحويلها بسهولة إلى مؤشرات. إذ لا يمكن -مثلاً- قياس استعادة الحقوق الوطنية بالطريقة التي يقاس بها عدد المستفيدين من برنامج تدريبي، ولا يمكن اختزال أثر الاحتلال في مجموعة من الأرقام. وتبدأ المشكلة عندما تتكيف القضية مع الأداة التي تمول العمل عليها، بدلاً من تصميم هذه الأداة وفقاً لطبيعة القضية.
ومن هنا نشأ نوع من الخطاب يمكن وصفه بـ "اليسار التقني". والمقصود ليس تياراً منظماً بالضرورة، وإنما نمط من التفكير يجمع بين مفردات العدالة الاجتماعية والمساواة من جهة، ولغة الإدارة والمشاريع من جهة أخرى. يتحدث عن الضحايا وحقوق الإنسان، لكنه يتجنب غالباً السؤال عن البنية السياسية التي تنتج الضحية، لأن هذا سيقود مباشرة إلى الاحتلال وعلاقة القوة. ويمكن، في هذه البيئة، أن يصبح المثقف خبيراً في إدارة الملفات أكثر منه منتجاً للأفكار السياسية. فيكتب توصيات قابلة للتمويل، ويصوغ أهدافاً يمكن قياسها، ويستخدم لغة تصلح للتقارير الدولية. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين لغة العمل الإداري ولغة التحليل السياسي. فتنتفي عنه صفة الاستقلال الفكري، وقدرته (وقدرة المؤسسة التي ينتمي إليها) على طرح أسئلة قد لا تنسجم مع أولويات الجهة الممولة. فإذا كان الاحتلال نفسه موضوعاً يصعب إدخاله في إطار المشروع، يصبح من الأسهل معالجة آثاره بدلاً من مساءلة بنيته.
ذات الأمر ينطبق الأمر على بعض الاستخدامات الواسعة لمفهوم "بناء السلام". فالسلام يمكن أن يكون هدفاً سياسياً مشروعاً، لكن معناه يتغير بحسب نقطة البداية التي ينطلق منها الخطاب. إذا عومل الاحتلال بوصفه أحد أطراف "نزاع" متكافئ، اختفت العلاقة غير المتكافئة بين المحتل والخاضع للاحتلال. وإذا أصبح المطلوب من الطرفين خفض التوتر وإدارة الخلاف، فقد يجري التعامل مع الاحتلال باعتباره مجرد عامل من عوامل النزاع، لا بنية سياسية وعسكرية لها السيطرة على الأرض، والحدود، والحركة، والموارد. يعني باختصار، يمكن أن تتحول لغة السلام من أداة لإنهاء الاحتلال إلى أداة لإدارة نتائجه.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تدخل المقاومة إلى هذا الإطار. فيعاد تعريفها بوصفها "تصعيداً" أو "عنفاً" أو حتى عائقاً أمام السلام، بينما لا يحظى السياق الذي أنتجها بالاهتمام عينه. وحين يجري التركيز على نتائج المقاومة المباشرة من دون دراسة الظروف التي نشأت فيها، يبدو وجودها وكأنه خلل في النظام السياسي، وليس رد فعل على وضع قائم. علماً أن ثمة فروق واضحة بين الاعتراف بالأسباب السياسية التي أنتجت المقاومة وبين إعفاء كل ممارسة من النقد. لكن النقد يفقد توازنه حين يبدأ من افتراض أن المقاومة هي المشكلة الأصلية. إلى درجة أنه سوف يبدل من ترتيب الأسئلة.
لا ينحصر هذا التحول في المؤسسات أو المنظمات غير الحكومية. إذ يمكن العثور عليه أيضاً في بعض الكتابات السياسية والثقافية التي تبنت مفهوم "الواقعية" بوصفه بديلاً عن المقاومة. والواقعية هنا تعني في كثير من الأحيان الاعتراف بميزان القوة ثم بناء السياسة عليه. وإذا ما أصبح ميزان القوة هو الحد الأعلى لما يمكن التفكير فيه، فلن تكون السياسة قادرة على تغييره. بل ستقتصر مهمتها على البحث عن أفضل صيغة للتعايش معه. ويشكل هذا أحد الفروق المهمة بين إدارة النزاع وإنهائه، أي التخلص من الاحتلال، فإدارة النزاع تفترض أن الصراع سيستمر، وأن المطلوب هو تقليل آثاره وتنظيمه. أما التحرر فيفترض أن الوضع القائم يحتاج إلى تغيير. وقد تتقاطع الأداتان في بعض المراحل، لكنهما لا تنطلقان من ذات السؤال.
في الحالة الفلسطينية، يؤدي تجاهل هذا الفرق إلى مشكلة أكبر. فالمجتمع الفلسطيني لا يواجه فقط أزمات داخلية يمكن علاجها بالإصلاح الإداري والمؤسساتي، وإنما يعيش منذ عقود تحت نظام من السيطرة العسكرية والسياسية والجغرافية. لذلك لا يمكن أن يصبح بناء المؤسسات بديلاً عن معالجة أصل المشكلة. كما لا يمكن اختزال العمل السياسي أيضاً في التفاوض.
صحيح أن السياسة الفلسطينية تحتاج إلى مؤسسات، وعلاقات دولية، وقانون، ودبلوماسية، وتنظيم شعبي، وقدرة على مخاطبة المجتمعات المختلفة. لكنها تحتاج كذلك إلى قوة اجتماعية وسياسية تمنح هذه الأدوات وزناً. والسياسة التي لا تستند إلى قدرة على الضغط قد تجد نفسها تفاوض على شروط يحددها الطرف الأقوى. وهنا تكمن معضلة العلاقة بين السياسة والمقاومة، ونزع الأخيرة من الأولى، أو من معادلة الصراع مسبقاً يترك السياسة أمام ميزان قوة لم تصنعه هي، ولا تملك بالضرورة وسائل تغييره.
يمكن للمقاومة أن تكون شعبية، أو سياسية، أو قانونية، أو ثقافية، أو إعلامية، ويمكنها أن تتخذ في ظروف معينة شكلاً مسلحاً. لكن الأهم ألا يُفترض مسبقاً أن شكلاً واحداً منها هو المقبول، وأن الأشكال الأخرى غير شرعية لمجرد أنها تتجاوز الحدود التي تحددها القوى الأقوى.
المشكلة في بعض الخطابات التي ترفع شعار "السلام" أنها تتعامل مع المقاومة كأنها انحراف عن المسار الطبيعي، مع أن التاريخ الفلسطيني يبين أن المقاومة لم تكن ظاهرة منفصلة عن السياسة، وأن التحولات السياسية كثيراً ما ارتبطت بوجود ضغط شعبي وميداني جعل القضية غير قابلة للتجاهل.
عندما يصبح أقصى ما يمكن التفكير فيه هو تحسين الحياة تحت الاحتلال، يصبح الاحتلال جزءً ثابتاً من المعادلة. وعندما يصبح الهدف هو تخفيف العنف بدلاً من تغيير مصدره، يمكن أن يستمر النظام الذي ينتج العنف مع انخفاض مؤقت في حدته. وعندما تُقاس السياسة بعدد المشاريع والبرامج والمؤتمرات، تصبح قدرة المجتمع على تغيير موازين القوة مسألة ثانوية. وهنا تتصل هذه الظاهرة بمشكلة أوسع في الوعي السياسي الفلسطيني، أي الانتقال من فكرة التحرر إلى فكرة إدارة الواقع.
إذا بقيت هذه الأسئلة خارج النقاش، يمكن أن تنجح عشرات البرامج في تحسين جانب من حياة الفلسطينيين، بينما يبقى السبب السياسي الذي يجعلهم بحاجة إلى هذه البرامج قائماً.
وعندها تصبح مقاومة الاحتلال مشكلة، ليس لأن المقاومة هي التي صنعت الوضع القائم، وإنما لأنها ترفض التعامل معه بوصفه وضعاً نهائياً.
وهذا هو الحد الفاصل بين خطاب يريد إدارة الصراع وخطاب يريد إنهاءه.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسألة فلسطين في المخيال السياسي الأرجنتيني: الفكر المناهض لل ...
- العصر الفارسي وأصول إسرءيل
- حول مشكلات إعادة بناء تاريخ إسرءيل (الفلسطيني) قبل العصر اله ...
- إسرءيل القديمة والاستعمار الاستيطاني
- علم الآثار الإسرائيلي والمشروع الصهيوني
- العنف حين يصادر التعريف والتصنيف
- عن الطوفان وأشياء أخرى (71)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (70)
- ومع ذلك نحبها: كيف ظلت السويد حليفة لإسرائيل رغم الإبادة؟
- هندسة التواطؤ: كيف ساعدت الهند إسرائيل على ارتكاب إبادة جماع ...
- صناعة أرباح خيالية: كيف يتربح الغرب من المذابح في غزة واليمن
- بنيامين موزر و:-معاداة الصهيونية-، حين تصبح الحيوات تاريخاً
- نتنياهو: خطاب العرش الأخير
- وردة بأي اسم آخر.. أمبرتو إيكو والترجمة حين تغادر الأدب
- الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع
- أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، و ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
- التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي


المزيد.....




- ترامب: الأسهم الأمريكية تشهد -واحدة من أسوأ أيامها- بسبب الد ...
- واشنطن: ضغوط متزايدة على وزير الدفاع بيت هيغسيث بعد فوز الدي ...
- إسرائيل: آيزنكوت يتقدم على نتانياهو وهرتسوغ يحسم الأحد التكل ...
- ساندرز خسر معركة 2016 وأفكاره تنتصر في انتخابات 2026
- كـ-بطة عرجاء-.. كيف يُتوقع أن يتعامل ترامب مع كونغرس -ديمقرا ...
- ترامب يراجع حظر تفريغ ناقلات الديزل الروسي
- إسرائيل تستحضر -خطر حزب الله- وسط أزمة تكليف وتشكيل حكومة وص ...
- النائب الجمهوري ماسي يسعى لتمرير تصويت جديد في الكونغرس الأم ...
- عمدة كييف يحذر سكان العاصمة من سيناريوهات صعبة في الشتاء
- ثقة الفرنسيين بماكرون تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي لها


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - حين تصبح مقاومة الاحتلال هي المشكلة