سوزان ئاميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 12:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد منافسة انتخابية تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الداخل الأمريكي، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل واشنطن، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران والعراق وإقليم كوردستان.
فقد تمكن الحزب الديمقراطي، وفق النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية، من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يشكل ضربة سياسية مهمة للرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، ويضع الإدارة الأمريكية أمام واقع مختلف خلال العامين الأخيرين من ولايته. وهذه النتيجة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الظروف التي سبقتها، إذ تداخلت فيها عوامل اقتصادية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وحالة الاستياء من أداء الإدارة، فضلاً عن تداعيات الحرب مع إيران وما أثارته من تساؤلات بشأن كلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية على الولايات المتحدة.
إن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن فقط في خسارة الجمهوريين للأغلبية التشريعية، وإنما في طبيعة المرحلة التي جاءت فيها. فترامب الذي دخل ولايته الثانية مستنداً إلى سيطرة حزبه على المؤسسات التشريعية، سيجد نفسه اعتباراً من يناير 2027 أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية، بما يعنيه ذلك من اتساع مساحة الرقابة والمساءلة والتحقيقات السياسية، فضلاً عن تعقيد تمرير التشريعات والميزانيات والقرارات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس. ومع أن خسارة الأغلبية لا تعني تجريد الرئيس من صلاحياته الدستورية في إدارة السياسة الخارجية أو ممارسة دوره قائداً أعلى للقوات المسلحة، فإنها تضع أمامه قيوداً سياسية وتشريعية إضافية، وتجعله أكثر عرضة للمساءلة بشأن القرارات التي يتخذها، ولا سيما تلك المتعلقة بالحرب والإنفاق العسكري.
ومن هنا تبرز إيران بوصفها أحد الأطراف الإقليمية التي قد تراقب هذه التحولات باهتمام بالغ، ليس لأنها كانت طرفاً في صناعة النتائج الانتخابية، إذ لا توجد أدلة تثبت ذلك، وإنما لأن طبيعة الانقسام السياسي الأمريكي قد تتيح لها فرصاً جديدة لإعادة حساباتها. فحين تصبح الحرب موضع خلاف داخلي، وترتفع كلفتها الاقتصادية والسياسية، وتتعاظم الضغوط على الإدارة الأمريكية لتقديم تفسيرات بشأن أهدافها ونتائجها، فإن هامش المناورة أمام الخصم قد يتسع، وتصبح الخيارات الدبلوماسية أكثر حضوراً في النقاش السياسي.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى نتائج الانتخابات باعتبارها مكسباً سياسياً محتملاً لطهران، وليس انتصاراً إيرانياً مباشراً. فإيران قد تحاول استثمار تراجع الغطاء السياسي الذي كان يتمتع به ترامب داخل الكونغرس، وتوظيف الضغوط الداخلية الأمريكية لتحسين موقعها في أي مفاوضات مقبلة، سواء تعلق الأمر بالعقوبات الاقتصادية أو بالبرنامج النووي أو بمستقبل الوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة. غير أن ذلك لا يعني أن الديمقراطيين سيتبنون سياسة متساهلة تجاه إيران، أو أنهم سيعملون بالضرورة على إنهاء العقوبات أو التخلي عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. فداخل الحزب الديمقراطي نفسه توجد اتجاهات متعددة، بعضها يفضل الحلول الدبلوماسية وتجنب المواجهة العسكرية المفتوحة، وبعضها الآخر يتمسك بمواقف متشددة تجاه طهران، فضلاً عن استمرار الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
ولذلك فإن الرهان الإيراني، إن وجد، لن يكون على تغيير الحزب الحاكم في واشنطن، لأن الحزب الديمقراطي لم يصل إلى البيت الأبيض، بل على الاستفادة من تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، وما يمكن أن ينتج عنه من ضغوط على الإدارة الأمريكية. كما أن قدرة الكونغرس على التأثير في السياسة العسكرية ليست مطلقة، فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية مهمة، بينما تخضع الميزانيات والتشريعات والقرارات طويلة الأمد لحسابات دستورية وسياسية معقدة. وهذا التمييز ضروري لفهم ما يمكن أن يتغير فعلاً، بعيداً عن المبالغة في تفسير النتائج الانتخابية.
أما على مستوى العراق، فإن انعكاسات هذا التحول قد تكون أكثر حساسية، نظراً إلى طبيعة العلاقة المتشابكة بين واشنطن وطهران، وما تفرضه من توازنات على المشهد السياسي والأمني العراقي. فالعراق ظل خلال السنوات الماضية إحدى الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية، وأي تصعيد بين الطرفين ينعكس على الاستقرار الداخلي، وعلى أمن المؤسسات والمصالح الأجنبية، وعلى قدرة الحكومة العراقية في إدارة علاقاتها الخارجية بصورة متوازنة. وإذا أسهمت الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة في دفع الإدارة نحو مراجعة خياراتها العسكرية والبحث عن مسارات تفاوضية، فقد تنخفض احتمالات اتساع المواجهة على الأراضي العراقية، وهو ما يمكن أن يوفر فرصة لتخفيف التوترات التي تحمل البلاد أعباءً أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال آخر يتمثل في أن يؤدي الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس إلى إرباك بعض مسارات السياسة الأمريكية الخارجية، أو إلى اختلاف الأولويات بين المؤسسات الأمريكية. وهذا قد ينعكس على طبيعة التعامل مع الملفات العراقية، سواء ما يتعلق بالعقوبات، أو التعاون الأمني، أو الطاقة، أو العلاقات مع القوى السياسية المحلية. فالمشكلة بالنسبة إلى العراق لا تتوقف عند طبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية، وإنما تمتد إلى مدى وضوح الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة وقدرتها على الاستمرار في تنفيذ التزاماتها وسياساتها.
أما إقليم كوردستان، فإنه يقف أمام هذه المتغيرات من موقع جغرافي وسياسي يجعله شديد التأثر بأي تحول في العلاقة بين واشنطن وطهران، فضلاً عن علاقاته مع بغداد وأنقرة وبقية الأطراف الإقليمية. فمن جهة، يمثل استمرار الاستقرار والتفاهم مع الولايات المتحدة عاملاً مهماً في الحسابات الأمنية والسياسية للإقليم، ومن جهة أخرى، فإن أي تصعيد أمريكي إيراني قد يضع الإقليم أمام ضغوط وتحديات لا يرغب في أن يكون جزءاً منها. ولذلك فإن أي اتجاه نحو التهدئة والتفاوض قد ينعكس إيجاباً على البيئة الأمنية المحيطة بكوردستان، ويمنح قيادته السياسية مساحة أوسع لمعالجة الملفات الداخلية والعلاقات مع الحكومة الاتحادية، بعيداً عن تداعيات الصراعات الإقليمية.
لكن ينبغي ألا نبالغ في ربط مستقبل إقليم كوردستان بنتائج الانتخابات الأمريكية وحدها، لأن معادلة الإقليم أكثر تعقيداً من ذلك، وتتداخل فيها عوامل دستورية واقتصادية وسياسية وأمنية، وفي مقدمتها العلاقة مع بغداد، وملفات النفط والموازنة والمنافذ الحدودية، فضلاً عن التوازنات الإقليمية. ومع ذلك، فإن طبيعة الإدارة الأمريكية المقبلة في تعاملها مع المنطقة، ومدى استمرار التزامها بالشراكات القائمة، ستبقى من العوامل المؤثرة في البيئة الاستراتيجية التي يتحرك ضمنها الإقليم.
وعلى المستوى الإقليمي الأوسع، فإن خسارة ترامب للكونغرس تفتح مرحلة من عدم اليقين بشأن مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. فقد تجد الإدارة نفسها مضطرة إلى الموازنة بين طموحاتها الخارجية والضغوط الداخلية، في وقت تواجه فيه ملفات متعددة تتعلق بأمن الخليج، والعلاقة مع إسرائيل، والملف الإيراني، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، فضلاً عن التنافس الدولي على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية. وإذا اتجهت واشنطن إلى مراجعة أولوياتها، فإن ذلك قد يخلق فرصاً أمام بعض القوى الإقليمية لإعادة ترتيب علاقاتها وتحسين مواقعها التفاوضية، لكنه قد يفتح أيضاً المجال أمام تنافس أكبر لملء أي فراغ سياسي أو استراتيجي محتمل.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة تغييراً فورياً في السياسة الأمريكية، ولا أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على فرض رؤيتهم الكاملة على البيت الأبيض. فالرئيس سيظل يمتلك حق النقض، وصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، كما أن طبيعة النظام التشريعي الأمريكي تفرض قيوداً إضافية على تمرير القرارات الكبرى. لكن وجود أغلبية معارضة في المجلسين سيغير بلا شك طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وسيجعل القرارات المتعلقة بالحرب والإنفاق والعقوبات أكثر عرضة للنقاش والمراجعة والمواجهة السياسية.
إن القراءة الأكثر واقعية لما جرى في الثالث من نوفمبر هي أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من الانقسام المؤسسي والسياسي، وأن هذا الانقسام قد يتحول إلى عامل مؤثر في حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء. وقد تكون إيران من بين الأطراف التي تسعى إلى توظيف هذه المعادلة لصالحها، لكن ذلك لا يجعلها بالضرورة الطرف المنتصر، كما أن خسارة ترامب لا تعني أن خصومه الإقليميين قد حققوا مكاسب استراتيجية دائمة.
وبالنسبة إلينا في العراق وإقليم كوردستان، فإن الأهم ليس الاحتفاء بخسارة طرف أمريكي أو التعويل على صعود طرف آخر، وإنما قراءة التحولات بواقعية، والعمل على حماية المصالح الوطنية، وتجنب تحويل أراضينا ومؤسساتنا إلى أدوات في الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية. فالمعادلة التي ينبغي أن تحكم مواقفنا هي أن استقرار العراق وكوردستان لا يمكن أن يكون رهينة لتقلبات السياسة الأمريكية أو حسابات المواجهة بين واشنطن وطهران.
وفي المحصلة، فإن انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 قد لا تكون قد منحت إيران نصراً مباشراً، لكنها أوجدت واقعاً سياسياً أمريكياً جديداً يمكن أن تستفيد منه إذا أحسنت قراءة التحولات واستثمار الفرص. أما السؤال الذي سيحدد الأثر الحقيقي لهذه النتائج، فهو ما إذا كان الكونغرس الديمقراطي سيتمكن من تحويل فوزه الانتخابي إلى ضغط فعلي يغير مسار سياسة ترامب تجاه إيران والمنطقة، أم أن الرئيس سيواصل إدارة الملفات الخارجية بالاستناد إلى صلاحياته التنفيذية، رغم اتساع المعارضة الداخلية.
ففي السياسة الدولية، لا تكفي خسارة الخصم لتحقيق النصر، وإنما تتوقف قيمة التحولات على قدرة الأطراف على تحويلها إلى مصالح ومكاسب مستدامة. وهذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة، ليس في واشنطن وحدها، بل في طهران وبغداد وأربيل وسائر عواصم المنطقة.
#سوزان_ئاميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟