سوزان ئاميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 19:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تُعدّ مسألة الهوية التاريخية للمسيحيين الذين عاشوا في مناطق هكاري وأربيل والموصل من الموضوعات التي تتطلب قراءة تاريخية متأنية، ولا سيما عند البحث في العلاقة بين انتماءاتهم الدينية واللغوية والمحلية والهويات القومية التي تبلورت في العصر الحديث. فهذه القضية لا تتعلق بالتسميات وحدها، بل تتطلب النظر في تاريخ السكان، وتحولات اللغة، وأنماط الانتماء، والشواهد التي تركتها المصادر عبر العصور.
ومن الضروري، عند تناول هذا الموضوع، تجنّب إسقاط مفاهيم القومية الحديثة على المجتمعات القديمة بصورة مباشرة، كما ينبغي عدم اعتبار ظهور تسمية قومية في فترة تاريخية محددة دليلاً كافياً، بحد ذاته، على انقطاع الصلة بالماضي أو إثباتها. فالتاريخ لا يُحسم بالتسميات وحدها، بل بمجموع الأدلة ومدى ترابطها وقدرتها على تفسير التحولات التي شهدتها المجتمعات.
وانطلاقاً من ذلك، يحاول هذا المقال مناقشة المسألة من منظور تاريخي نقدي، مع التمييز بين ما يمكن توثيقه في المصادر وما لا يزال بحاجة إلى أدلة إضافية. ولا يهدف إلى إصدار حكم مسبق بشأن الهوية التاريخية لهذه الجماعات، بل إلى طرح الأسئلة الأساسية وتقييم الفرضيات المتداولة وفق ما تسمح به المعطيات التاريخية المتاحة.
1- هل القومية أقدم من الديانة المسيحية؟
كانت الشعوب والمجموعات الإثنية موجودة قبل ظهور المسيحية بقرون طويلة، وكانت لها لغات وأسماء وتقاليد وانتماءات محلية. غير أن مفهوم القومية بصورته الحديثة، المرتبط بالوعي القومي وفكرة الأمة والحقوق السياسية والسيادة، يختلف عن أشكال الانتماء التي عرفتها المجتمعات القديمة والوسيطة.
فوجود جماعة سكانية قبل ظهور المسيحية لا يعني بالضرورة أنها كانت تحمل هوية قومية بالمعنى الحديث، كما أن اعتناق جماعة ما المسيحية لا يعني بالضرورة أنها غيّرت أصلها السكاني أو لغتها أو انتماءها الإثني.
وعليه، ينبغي التمييز بين الأصل السكاني، واللغة، والهوية الدينية، والهوية القومية، مع إدراك الترابط الوثيق بينها. فاللغة من أهم المؤشرات التي تساعد على فهم الانتماء القومي والامتداد الثقافي والتاريخي للجماعات، ولا يجوز التقليل من قيمتها عند دراسة هويتها. غير أن تحديد الهوية القومية في الأزمنة التاريخية يتطلب أيضاً دراسة السياق التاريخي، والتسميات التي استخدمتها الجماعة لنفسها، ومدى استمرارية لغتها وثقافتها، وكيف تطوّر وعيها الجماعي عبر الزمن. لذلك، لا يكفي الدين وحده لتحديد الأصل أو القومية، كما لا ينبغي الاستناد إلى اللغة بمعزل عن بقية الأدلة التاريخية.
2- ماذا كانت هوية مسيحيي هكاري وأربيل والموصل؟
كانت مناطق هكاري وأربيل والموصل موطناً لجماعات مسيحية شرقية ذات تاريخ طويل، ارتبط كثير منها بكنيسة المشرق، التي عُرفت في بعض الكتابات الغربية القديمة باسم ((الكنيسة النسطورية )) .ويُستخدم هذا الوصف في الدراسات التاريخية، لكنه لا ينبغي أن يُعامل بوصفه تسمية محايدة أو شاملة لجميع الجماعات المسيحية في المنطقة.
وقد تشكلت هويات هذه الجماعات عبر عوامل متعددة، شملت الانتماء الكنسي، واللغة، والقرية أو المنطقة، والروابط العائلية والعشائرية، والعلاقات مع الجماعات المجاورة. ولم تكن هذه العوامل متطابقة بالضرورة، كما لم تكن متشابهة في جميع المناطق والفترات التاريخية.
كذلك، استُخدمت تسميات مثل ( السريان ) و ( الكلدان ) و( الآشوريين )في سياقات مختلفة. فقد ارتبط بعضها بالتقاليد الكنسية أو اللغوية، بينما اكتسب بعضها الآخر دلالات قومية حديثة. ولهذا، فإن فهم هذه الأسماء يتطلب دراسة زمن استخدامها، والجهة التي استخدمتها، والمعنى الذي حملته في سياقها التاريخي.
ولا يصح افتراض أن جميع هذه التسميات كانت مترادفة في كل العصور، كما لا يصح اعتبار ظهور تسمية قومية حديثة دليلاً كافياً على أن الجماعة المعنية لم تكن لها روابط تاريخية أو ثقافية أقدم.
3 - متى ظهرت القومية الآشورية الحديثة؟
تبلورت القومية الآشورية الحديثة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في سياق التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها المنطقة، وازدياد الاهتمام باللغات والتاريخ والهوية الجماعية. وأسهمت عوامل متعددة في هذا التطور، منها التعليم والطباعة والبعثات التبشيرية الغربية، إلى جانب إعادة اكتشاف تاريخ بلاد آشور القديمة وتداوله في الكتابات الحديثة.
وقد تناول المؤرخ آدم هـ. بيكر هذه المسألة في كتابه Revival and Awakening: American Evangelical Missionaries in Iran and the Origins of Assyrian Nationalism، الصادر عام 2015 عن مطبعة جامعة شيكاغو. ويدرس الكتاب دور البعثات الإنجيلية الأمريكية في إيران في التحولات الدينية والثقافية والفكرية التي أسهمت في تشكل القومية الآشورية الحديثة.
لكن تحديد الفترة التي تبلورت فيها القومية الحديثة لا يحسم وحده مسألة الأصول القديمة. فظهور هوية قومية بصياغة حديثة لا يثبت تلقائياً انقطاع الصلة التاريخية بسكان العصور القديمة، كما لا يثبت أن أفراد الجماعة كانوا ينتمون إلى قومية أخرى قبل ظهور المسيحية.
وبعبارة أخرى، هناك فرق بين دراسة نشأة القومية الآشورية الحديثة بوصفها حركة قومية ذات سياق تاريخي محدد، ودراسة مدى وجود استمرارية سكانية أو لغوية أو ثقافية بين المجتمعات المسيحية اللاحقة وسكان بلاد آشور القديمة. فالسؤال الثاني يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن حسمه بمجرد تحديد تاريخ نشوء الحركة القومية.
4 - هل كان هؤلاء المسيحيون كورداً قبل اعتناق المسيحية؟
يمثل هذا السؤال إحدى أكثر المسائل حساسية في النقاش حول تاريخ الهوية في كوردستان وشمال بلاد الرافدين. ولا يمكن الإجابة عنه بصورة علمية اعتماداً على الموقع الجغرافي وحده، أو على كون القومية الآشورية الحديثة قد تبلورت في فترة متأخرة نسبياً.
فوجود جماعات مسيحية في مناطق أصبحت جزءاً من المجال الجغرافي لكوردستان لا يكفي، بمفرده، لإثبات أنها كانت كوردية الهوية قبل المسيحية. وفي المقابل، فإن وجود تقاليد كنسية أو لغوية خاصة بها لا يحسم وحده جميع الأسئلة المتعلقة بأصولها السكانية أو علاقاتها التاريخية بسكان المنطقة الأقدم.
يتطلب فحص هذه الفرضية الاستناد إلى مجموعة من الأدلة المتنوعة، من بينها:
* النقوش القديمة وأسماء الأشخاص والأماكن: لدراسة الأسماء التي ظهرت في المصادر، ومدى إمكان ربطها بجماعات سكانية أو لغوية محددة.
* الأدلة اللغوية: لمقارنة تطور اللغات التي تحدثت بها الجماعات المسيحية، ومنها الآرامية الحديثة ولهجاتها، باللغة الكوردية، مع مراعاة التحولات اللغوية والاتصال بين المجتمعات.
* المخطوطات الكنسية والسجلات التاريخية: لفهم التسميات التي استخدمتها الجماعات عن نفسها، والتسميات التي أطلقها عليها الآخرون.
* السجلات العثمانية والتقارير التاريخية: لدراسة الانتماءات المحلية والعشائرية والدينية في الفترات التي تغطيها هذه الوثائق.
* دراسة الهجرات والتفاعلات الاجتماعية: لفهم التحولات السكانية واللغوية والدينية التي شهدتها المنطقة عبر القرون.
ومن المهم ألا تُقرأ هذه الأدلة بصورة منفصلة عن سياقاتها. فالتشابه في أسماء الأماكن، أو التعايش الطويل بين جماعتين، أو تأثر جماعة بلغة جيرانها، لا يكفي وحده لإثبات انحدارها من الجماعة الأخرى. كما أن غياب تسمية معينة من وثيقة تاريخية لا يثبت بالضرورة أن الهوية التي تعبّر عنها لم تكن موجودة.
وفي حدود المصادر والدراسات التي يستند إليها هذا المقال، لا تتوافر أدلة كافية لإثبات أن مسيحيي هكاري وأربيل والموصل جميعاً كانوا كورداً قبل المسيحية. وهذا لا يعني استبعاد كل احتمال لوجود أصول محلية متعددة أو تحولات لغوية أو تداخلات سكانية عبر التاريخ ، بل يعني أن هذه الاحتمالات تحتاج إلى أدلة محددة لكل منطقة وفترة تاريخية.
وبالمثل، فإن نشوء القومية الآشورية الحديثة لا يكفي وحده لنفي أي استمرارية سكانية أو ثقافية بين المجتمعات المسيحية اللاحقة وسكان بلاد آشور القديمة. فكل فرضية من هذه الفرضيات ينبغي تقييمها على أساس الأدلة الخاصة بها، لا باعتبارها نتيجة تلقائية لفرضية أخرى.
5 - لماذا ينبغي التمييز بين هكاري وأربيل والموصل؟
لا ينبغي التعامل مع مسيحيي هكاري وأربيل والموصل باعتبارهم جماعة متطابقة في تاريخها وأصولها وانتماءاتها. فلكل منطقة ظروفها السياسية والاجتماعية والدينية، كما تختلف طبيعة المصادر المتاحة عنها والفترات التي تغطيها.
فقد عرفت المناطق الجبلية، ومنها هكاري، أنماطاً من التنظيم الاجتماعي والعلاقات المحلية تختلف عن تلك التي شهدتها المدن الكبرى مثل الموصل وأربيل. كما أن طرق الاتصال بالسلطات السياسية والكنسية، والهجرات، والعلاقات مع الجماعات الكردية والعربية وغيرها، لم تكن واحدة في جميع هذه المناطق.
ولهذا، فإن أي دراسة جادة لأصول هذه الجماعات ينبغي أن تتجنب إصدار حكم شامل يستند إلى شواهد محلية محدودة. فمن الممكن أن تختلف المسارات التاريخية بين منطقة وأخرى، وأن تتداخل فيها عناصر سكانية ولغوية وثقافية متعددة.
كذلك، فإن التعايش بين الجماعات لا يعني بالضرورة تطابق أصولها، كما أن الاختلاف الديني لا يمنع وجود روابط سكانية أو ثقافية بينها. والتاريخ الاجتماعي للمنطقة لا يُفهم على نحو دقيق إلا من خلال دراسة هذه العلاقات والتحولات على مدى زمني طويل.
الخلاصة
تُظهر دراسة تاريخ مسيحيي كوردستان وشمال بلاد الرافدين ضرورة التمييز بين الهوية الدينية واللغوية والمحلية والقومية. فقد سبقت المجتمعات المسيحية في المنطقة ظهور القومية الآشورية الحديثة بصورتها المعروفة اليوم، وكانت هوياتها تتشكل من مجموعة من الروابط الدينية والاجتماعية واللغوية والمحلية التي لا يمكن اختزالها في بُعد واحد.
أما تحديد الأصول القومية لهذه الجماعات قبل المسيحية، وما إذا كانت بعض مكوناتها مرتبطة بسكان بلاد آشور القديمة، أو بجماعات محلية أخرى، أو بمزيج من الأصول والتفاعلات السكانية، فهو سؤال تاريخي يحتاج إلى دراسة مستقلة وأدلة متضافرة. ولا يمكن حسمه من خلال أسماء الطوائف أو الجغرافيا وحدها، ولا من خلال تاريخ ظهور القوميات الحديثة فقط.
والنتيجة الأكثر انضباطاً تاريخياً هي أن تبلور القومية الآشورية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين موضوع يمكن دراسته وتوثيقه من خلال المصادر التاريخية. أما فرضية أن مسيحيي هكاري وأربيل والموصل كانوا كورداً قبل المسيحية، أو الفرضيات المتعلقة باستمراريتهم مع سكان بلاد آشور القديمة، فتحتاج جميعها إلى أدلة مستقلة ومحددة، مع مراعاة الاختلافات بين المناطق والفترات التاريخية.
إن البحث في هذه المسائل لا ينبغي أن يكون وسيلة لفرض هوية معاصرة على الماضي، بل محاولة لفهم الماضي في سياقه، واحترام تعقيد التاريخ وتعدد روافده، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما يبقى فرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.
ملاحظة: يتناول هذا المقال المسألة من منظور تاريخي نقدي، بالاستناد إلى قراءات ودراسات تاريخية ذات صلة، مع التمييز بين الوقائع التي تدعمها الأدلة والفرضيات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
#سوزان_ئاميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟