أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - علاء مهدي - بلاغ فصل لموظف ميت














المزيد.....

بلاغ فصل لموظف ميت


علاء مهدي
(Ala Mahdi)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 04:47
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


تعرفت إليه خلال عملي في شركة المخازن العراقية (أوروزدي باك) في سبعينيات القرن الماضي، حين كنت مديراً لحسابات الشركة ثم مديراً لفروعها. كان المرحوم الأستاذ هاشم كرجية (أبو علي) يتولى إدارة فرع الشركة في مركز مدينة الموصل وعدد من الفروع الأخرى في الأقضية والمصايف. وما زلت ، رغم مرور كل هذه السنين ، أستذكره بملامحه الهادئة وأناقته اللافتة ودماثة خلقه. كان ذلك النوع النادر من الرجال الذين يفرضون احترامهم من غير أن يرفعوا صوتاً أو يلوحوا بمنصب. كريماً في تعامله، حكيماً في إدارته، استطاع أن يقود مؤسسات كبيرة تتعامل يومياً مع آلاف السلع والعاملين من دون أن يترك وراءه سوى سمعة طيبة وذكريات حسنة.
طوال سنوات عديدة كنت أبحث عنه بين حين وآخر، كأنني أفتش عن صفحة ضاعت من كتاب العمر. جربت وسائل التواصل الاجتماعي، وسألت عنه معارف وأصدقاء من أبناء الموصل، لكن أخباره كانت تتوارى في الضباب كلما ظننت أنني اقتربت منها. حتى جاءني البارحة، على نحو لم أتوقعه، خبر وفاته. شعرت يومها بأن باباً آخر من أبواب الذاكرة قد أُغلق إلى الأبد.
في زيارة روتينية لفرع الأسواق المركزية في الموصل ، صارحني مدير الفرع بانه يود مصارحتي بحادث يتعلق بالعمل على الرغم من أن الجهات الأمنية قد طلبت منه عدم البوح به. قال ، ان جهة أمنية قامت بإلقاء القبض على موظف من القومية الكوردية يعمل في الشركة وخلال أوقات الدوام الرسمي دون بيان اسباب إعتقاله أو تقديم وثائق رسمية تتضمن أي حكم على ذلك الموظف أو اسباب أعتقاله. بنفس الوقت تم ابلاغ مدير الأسواق بعدم التحدث في هذا الامر مع أية جهة أخرى . اعرب أيضاً عن قلقه على مصير الموظف الذي كان معروفاً بنزاهة أخلاقه وعدم تدخله بأمور لا علاقة لها بوظيفته. كما أن عائلة الموظف لم تكف عن السؤال عنه وعن مصيره خاصة وأن الإعتقال قد تم خلال ساعات الدوام الرسمي حيث تقع مسؤولية المحافظة عليه على عاتق الشركة. وأقترح مستغلاً وجودي في مدينة الموصل زيارة المسؤول الأمني في المحافظة للتعرف عليه ومن ثم الإستفسار منه عن مصير الموظف كوني من مسؤولي الشركة في المركز العام ولست من أهالي الموصل.
وافقت على المقترح ، رفع سماعة الهاتف وأتصل بذلك المسؤول ودار بينهما الحديث التالي بعد التحايا البروتوكولية:
المدير: في زيارتنا السيد مدير فروع الشركة قادماً من بغداد ويود أن يلتقي بكم للتعارف والإستفسار عن بعض الإمور الأخرى التي تعرفونها.
المسؤول الأمني: أهلاً وسهلاً بكم لكن كيف عرف المركز العام لشركتكم بهذا الأمر؟
المدير: لاحظوا في المركز العام أننا توقفنا عن صرف راتبه على الرغم من عدم وجود مايثبت تركه للعمل مثل الإستقالة أو الإقالة أو الفصل.
المسؤول الأمني: إذن دعنا نلتقي الليلة في نادي الموظفين للتعارف والحديث بالموضوع.
المدير: اتفقنا ، نراكم مساء اليوم.
في ذلك المساء أصطحبني مدير الفرع بسيارته إلى نادي الموظفين حيث التقيت بالمسؤول الأمني ، وبعد التعارف ، طرحت عليه الموضوع بالشكل التالي:
كما تعلمون أن شركة المخازن العراقية أو الأسواق المركزية هي شركة حكومية تخضع لقوانين الدولة العراقية. وحيث أننا نتبع تعليمات وأنظمة حكومية فليس من السهل علينا أن نتجاوز ماحدث لذلك الموظف. عليه فنحن بحاجة لمعرفة التفاصيل وبصورة رسمية وأصولية ، ماهي تهمته ، هل تم الحكم عليه ، ومتى يعود لوظيفته؟
كان الرجل يصغي بصمت. وحين انتهيت من حديثي، ارتسمت على وجهه قسوة باردة لا تخطئها العين. سحب نفساً عميقاً من سيجارته، ثم قال بلهجة من اعتاد إصدار الأوامر لا تقديم التفسيرات:
"الموضوع بسيط... انشروا إعلاناً في الصحف المحلية. قولوا إن الموظف قد انقطع عن العمل منذ التاريخ الفلاني، وإنه سيعتبر مفصولاً إذا لم يلتحق بوظيفته خلال واحد وعشرين يوماً."
بدا لي وكأنه يتحدث عن معاملة إدارية ناقصة، لا عن إنسان اختفى من بين أهله وزملائه في وضح النهار.
قلت له بهدوء:
"لكننا نعرف أن الحقيقة ليست كذلك، كما أن عائلته تنتظر جواباً مقنعاً عن سبب غيابه."
عندها نظر إلي مباشرة وقال بلهجة جافة لم تغادر ذاكرتي حتى اليوم:
"أخي... موظفكم راح من أول يوم استلمناه... تصرفوا على هذا الأساس."
ساد صمت ثقيل بعد تلك الكلمات. كان صمتاً أكبر من الغرفة، وأثقل من كل الكلمات التي قيلت فيها.
نعم، كان ذلك بعضاً مما سمي يوماً بـ "الزمن الجميل". زمن كان فيه الإنسان يختفي من مكان عمله في وضح النهار، فتنصح مؤسسته بنشر إعلان لفصله بسبب الانقطاع عن الدوام، وكأن شيئاً لم يحدث. زمن كانت فيه حياة البشر تمحى بكلمة، وتطوى ملفاتهم بلا محاكمة ولا قانون ولا أثر. ذلك هو "الزمن الجميل" كما رآه الجلادون الذين حكموا العراق أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.

غادرت ذلك اللقاء وأنا أدرك أن بعض الأنظمة لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تحاول أيضاً أن تمحو أثره، وأن تحول غيابه إلى مجرد إجراء إداري يطوى في ملف قديم.
كان المطلوب من المؤسسة أن تنشر إعلان فصل، ومن العائلة أن تصمت، ومن الزملاء أن يتناسوا، وكأن الرجل لم يكن موجوداً يوماً.
تلك واحدة من الصور التي ما زالت عالقة في الذاكرة كلما سمعت أحدهم يتحدث بحنين عن "الزمن الجميل".
أما أنا، فكلما تذكرت ذلك الموظف الذي خرج من عمله ذات صباح ولم يعد، أتساءل: أي جمال يمكن أن ينسب إلى زمن كان الموت فيه يكتب أحياناً بصيغة قرار إداري، وتدفن الحقيقة بين سطرين في صحيفة محلية؟
-------------------------------------------
الأربعاء 28/10/2026




#علاء_مهدي (هاشتاغ)       Ala_Mahdi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجسس والخصوصية الثقافية: قراءة في أزمة أستراليا وإندونيسيا
- استراليا بين حقيقتين : بلد بني بالمهاجرين… وسياسات تريد تقلي ...
- انهم ملائكة على هيئة بشر
- بطاقة تهنئة مكللة بأمنيات النجاح الدائم والمستمر لمجلة الإنس ...
- وداعاً فيصل السعدي . . . ! ، رحل بصمت وبهدوء . . . مواقف بحا ...
- السياقات التاريخية لنشوء أنماط الفساد في العراق
- أهمية التخطيط المسبق لحاجات الدولة والقطاعات المهنية: العراق ...
- أمسية عربية على ضفاف نهر باراماتا: جوقة روح الشرق تشعل الطرب ...
- الدور الإيجابي للأرمن في العراق بعد هجرتهم عام 1915 - الأرمن ...
- أما آن لعجلة الموت أن تبطئ سيرها؟ أما آن لها أن تمنحنا فسحة ...
- عندما يتحول لاعبوا كرة القدم إلى دبلوماسيون !
- حين انطفأت الريح… وظلت الذاكرة واقفة (قصة حلبجة – مدينة الذب ...
- مؤسسة جاويد لخدمات المسنين ، سابقة نادرة لعصامي جاد ومثابر ف ...
- Conflict of interest تضارب المصالح
- - الصندوق الأسود - ، بداية موفقة لمسرح هادف
- ويبقى السؤال الأثير: لماذا؟
- بمناسبة الإعلان عن تأسيس الجمعية الطبية الآشورية في أستراليا ...
- رفقاً بالقوارير - خواطر على ضوء الحملة الاعلامية لمناهضة الع ...
- دكتور . . . لم أعد أستلم مقالاتك . . . ! - في رثاء الشخصية ا ...
- الى أين ؟ ديوان جديد للشاعر العراقي خالد الحلّي


المزيد.....




- لماذا تُعتبر -صدمة- ترامب لإسرائيل بشأن المساعدات -تحولاً تا ...
- محكمة أمريكية تجيز استبعاد بطاقات من يشتبه بعدم حيازتهم الجن ...
- خلافات واضطرابات استخباراتية أمريكية تعطل تقارير عن إيران
- ترامب: لا خطط فورية لضرب إيران ومستعدون للتحرك عسكريا إذا لز ...
- تهديد بوجود قنبلة يعطل مركز اقتراع في ميشيغان الأمريكية
- ترامب: روسيا وأوكرانيا تقتربان من التوصل إلى اتفاق
- موسكو: الوضع في مجال حرية الإعلام في الغرب يستمر في التدهور ...
- المعارضة الإسرائيلية تتفق على تشكيل حكومة لإطاحة نتانياهو وت ...
- من ترمب إلى العالم.. عدوى -سرقة الانتخابات- تهدد الديمقراطيا ...
- مفاجأة وارتباك وقلق.. كيف استقبلت إسرائيل إعلان ترمب وقف الم ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - علاء مهدي - بلاغ فصل لموظف ميت