أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سناء عليبات - الفعل الجمعي وإعادة تشكيل الممكن السياسي: قوّة الشارع والدور التحرّري للفلسفة















المزيد.....

الفعل الجمعي وإعادة تشكيل الممكن السياسي: قوّة الشارع والدور التحرّري للفلسفة


سناء عليبات

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سناء عليبات وهيفاء كداس
ليس من قبيل المصادفة أن يعود الشارع إلى واجهة الحياة السياسية كلّما اتّسعت المسافة بين الوعود التي تنتجها الأنظمة الديمقراطية والشروط الفعلية التي تُنظَّم ضمنها حياة الأفراد. فحين تصبح كلفة المعيشة، والسكن، والتعليم، والعمل، مسائل تهدّد إمكان الاستقرار الاجتماعي، لا تعود المطالب مجرّد شكاوى متفرّقة، بل قد تتحوّل إلى مساءلة للشروط التي تحدّد مَن يتحمّل أعباء الأزمات، ومَن يمتلك سلطة القرار، ومَن يُترك خارج دائرة الاعتراف والحماية.

وقد أعادت موجة الاحتجاجات التي تشهدها مدن أوروبية في أكتوبر 2026 طرح هذه المسألة بإلحاح. ففي فرنسا، اتّسعت التحرّكات التي بدأت بمطالب تتعلّق بظروف التعليم العمومي ونقص المدرّسين لتشمل ارتفاع كلفة المعيشة، وتدهور الخدمات العامة، والاعتراض على المقاربة الأمنية للاحتجاج. وفي 24 أكتوبر، قدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين في التظاهرات بنحو 410 آلاف شخص في أنحاء البلاد، في حين رفعت النقابات تقديراتها إلى قرابة 800 ألف، وسط انتشار أمني واسع ووقوع مواجهات في بعض المدن. وتزامنت هذه التحرّكات مع احتجاجات في بلدان أوروبية أخرى، وإن اختلفت أسبابها ومطالبها.

غير أنّ أهمية هذه الوقائع لا تكمن في الأعداد وحدها، ولا في حدّة المواجهات بين المتظاهرين وأجهزة الأمن، بل في ما تكشفه من توتّر داخل العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين التمثيل السياسي والمشاركة الفعلية، وبين الاعتراف النظري بالحقوق وإمكان ممارستها. فالشارع لا يصبح مسألة فلسفية لمجرّد امتلائه بالحشود، وإنّما حين يكشف أنّ ما يُقدَّم بوصفه نظامًا مستقرًّا لا يستنفد إمكانات الحياة السياسية، وأنّ ما يبدو محسومًا داخل المؤسسات قد يعود إلى دائرة النزاع حين تستعيد الفئات المتضرّرة قدرتها على التعبير والتنظيم والاعتراض.

ومن هنا، لا يتعلّق السؤال بما إذا كانت الشعوب قد عادت إلى التمرّد فحسب، بل بما إذا كانت عودة الشارع تكشف عن أزمة في السياسات القائمة، أم عن شرخ أعمق بين الديمقراطية بوصفها وعدًا بالسيادة الشعبية، والأنظمة التي تتولّى تنظيم شروط ممارستها.

الشارع واستعادة الفعل السياسي

يقوم التصوّر المؤسّسي للسياسة على أنّ الإرادة الشعبية تجد تعبيرها من خلال الانتخابات، والتمثيل النيابي، والأحزاب، وآليات التفاوض وصنع القرار. غير أنّ هذه الوسائط، على أهميتها، لا تضمن بذاتها أن تظلّ جميع المطالب الاجتماعية ممثَّلة، أو أن تجد الفئات التي تتحمّل آثار القرارات الاقتصادية والسياسية سبيلًا فعليًا إلى التأثير فيها. وهنا يظهر التوتّر بين وجود المؤسسات الديمقراطية وقدرتها على إنتاج مشاركة لا تختزل المواطن في موقع الناخب، ولا تجعل دوره السياسي متقطّعًا ومحدودًا بلحظة الاختيار الانتخابي.

إنّ الشارع، في هذا السياق، يستعيد السياسة من حيث هي فعل مشترك، لا مجرّد إجراء مؤسّسي. فالاجتماع في الفضاء العام يسمح بتحويل التجارب المتفرّقة إلى قضايا مشتركة، ويمنح المظالم التي كانت تبدو فردية أو معزولة إمكان الظهور بوصفها مسائل تستوجب النقاش والمحاسبة. وما كان يُفهم باعتباره فشلًا شخصيًا في التكيّف مع شروط الحياة قد يظهر، من خلال الاحتجاج، بوصفه نتيجة لشروط اقتصادية واجتماعية وسياسية تتجاوز الأفراد، وإن كانت تتوزّع عليهم بطرائق متفاوتة.

لكنّ هذا التحوّل لا يعني أنّ كلّ تجمّع جماهيري يؤسّس تلقائيًا لفعل سياسي تحرّري. فالحشد قد يتوحّد حول رفض مشترك من دون أن يمتلك تصوّرًا متماسكًا لما ينبغي أن يحلّ محلّ الوضع القائم، كما قد تتعايش داخله مطالب متعارضة وتصورات مختلفة للعدالة والمساواة. لذلك، لا ينبغي قياس قوّة الشارع بعدد المشاركين فيه وحده، بل بقدرته على تحويل الرفض إلى مساءلة عامة، وعلى إنتاج أشكال من التنظيم والتضامن تتجاوز اللحظة الاحتجاجية.

إنّ المسألة، إذن، ليست في عودة السياسة إلى الشارع بعد غيابها عن المؤسسات، بل في الكشف عن أنّ السياسة لا تستنفد إمكاناتها داخل المؤسسات، وأنّ المجال العام يظلّ مفتوحًا على صراعات تتعلّق بمن يمتلك حقّ المشاركة في تحديد المشترك.

الفلسفة والشارع: من الظهور السياسي إلى إعادة تشكيل الممكن

إذا كان الشارع يكشف عن إمكانات الفعل الجماعي، فإنّ التفكير في قوّته يقتضي تجاوز التصوّر الذي يختزل السياسة في امتلاك السلطة أو السيطرة على مؤسساتها. فقد يكون الفعل السياسي، في لحظات معيّنة، هو القدرة على إعادة فتح ما أُغلق من إمكانات المشاركة، وعلى جعل المطالب التي لم تجد مكانًا داخل النظام القائم قادرةً على فرض حضورها في المجال العام.

يتّضح هذا البعد في فلسفة حنّة آرنت، ولا سيّما في كتابها الوضع البشري، حيث يرتبط الفعل السياسي بالتعدّد وبالظهور أمام الآخرين من خلال الكلام والعمل المشترك. فالفضاء العام لا يستمدّ دلالته السياسية من موقعه الجغرافي وحده، وإنّما من العلاقات التي تنشأ داخله بين أفراد يتصرّفون معًا بشأن قضايا مشتركة. ومن هذا المنظور، لا يكون الشارع مجرّد مكان تتحرّك فيه الحشود، بل يمكن أن يتحوّل إلى فضاء يظهر فيه المواطنون بوصفهم فاعلين سياسيين، لا مجرّد موضوعات لقرارات تُتّخذ بالنيابة عنهم.

غير أنّ قوّة الفعل الجماعي، في هذا التصوّر، لا تتحدّد بقدرته على إلحاق الضرر بالمؤسسات، ولا بمقدار ما يفرضه من اضطراب في النظام العام. إنّها تتعلّق بقدرته على إنشاء علاقات سياسية جديدة، وعلى تحويل الاجتماع المؤقّت إلى مشاركة في الشأن المشترك. فالسلطة ليست، بالضرورة، مرادفة للقوّة المادية التي تمتلكها الدولة؛ إذ يمكن أن تنشأ أيضًا من قدرة الأفراد على التنسيق والفعل المشترك. لكنّ هذا الإمكان يظلّ هشًّا، لأنّ المجال العام الذي ينشأ بالاجتماع قد يتبدّد حين تتفكّك الروابط التي جعلته ممكنًا.

من هنا تظهر حدود الاحتجاج حين يُختزل في لحظة الحشد. فقد يستطيع الشارع تعطيل حركة الحياة اليومية، وفرض قضية على النقاش العام، وإرباك حسابات السلطة، من دون أن ينجح في تحويل هذه القدرة إلى تنظيم مستدام أو مشروع سياسي مشترك. إنّ استعادة المجال العام ليست هي نفسها استعادة القدرة على تقرير مصيره؛ وبينهما مسافة لا يختصرها اندفاع الجماهير، بل يتوقّف عبورها على إمكانات التنظيم والتداول والتأسيس.

وتتخذ المسألة منحًى آخر في فلسفة جاك رانسيير، حيث لا تُفهم السياسة باعتبارها مجرّد إدارة للمجتمع أو توزيع للوظائف والمواقع، بل باعتبارها أيضًا نزاعًا حول من يُعترف له بالقدرة على الكلام والمشاركة. ففي كتاباته حول الخلاف السياسي، يبيّن رانسيير أنّ النظام الاجتماعي يحدّد ما يمكن رؤيته وسماعه، كما يوزّع المواقع التي يُسمح للأفراد بالتحرّك ضمنها. وتظهر السياسة حين يعترض من لا يُحسب صوتهم ضمن الأصوات المعترف بها على هذا التوزيع، ويجعلون مساواتهم موضع ممارسة واختبار.

وبهذا المعنى، لا تتمثّل دلالة الشارع في أنّه يعبّر عن رأي موجود سلفًا، وإنّما في أنّه قد يغيّر شروط ظهور الآراء والمطالب نفسها. فالاحتجاج لا يطالب دائمًا بإجابة عن سؤال سبق للنظام أن حدّده؛ بل قد ينازع النظام حقّه في تحديد الأسئلة المشروعة، والفئات التي يحقّ لها طرحها، والحدود التي ينبغي أن تتوقّف عندها المطالبة.

هنا تحديدًا تتجلّى إحدى الإمكانات التحرّرية للفعل الجماعي: ليس فقط في المطالبة بتغيير قرار، بل في مساءلة توزيع الحقّ في المشاركة في إنتاج القرارات. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ كلّ ما يصدر عن الشارع يحقّق المساواة التي يطالب بها؛ إذ يمكن للاحتجاج نفسه أن يعيد إنتاج الإقصاء، أو أن يخضع لمنطق الهيمنة الذي يعلن رفضه. ولذلك تظلّ المساواة أفقًا للنقد، لا صفةً مضمونة لكلّ فعل جماهيري.

المدينة بين منطق السوق وحقّ العيش

لا تنفصل قوّة الشارع عن الشروط المادية التي تجعل الحياة الاجتماعية ممكنة أو متعذّرة. فالاحتجاج على السكن، وكلفة المعيشة، وتراجع الخدمات العمومية، ليس مجرّد مطالبة بتحسين مستوى الاستهلاك؛ إذ يمكن أن يكشف عن تحوّل شروط الوجود نفسها إلى موارد تتفاوت إمكانات الوصول إليها تبعًا للموقع الاقتصادي والاجتماعي.

في هذا السياق، يتيح مفهوم الحقّ في المدينة، كما طوّره هنري لوفيفر، التفكير في الفضاء الحضري من خارج اختزاله إلى ملكية عقارية أو مجال للتبادل الاقتصادي. فالمدينة، وفق هذا المنظور، ليست سلعةً فحسب، بل فضاء للحياة والعلاقات الاجتماعية والمشاركة في تحديد الاستعمالات التي ينبغي أن يخضع لها. ويعني الحقّ فيها أن يكون للسكّان دور في تشكيل المجال الذي يعيشون فيه، بدل أن تُحدَّد إمكانات عيشهم بصورة متزايدة وفق مقتضيات السوق وحدها.

وتكتسب هذه المسألة راهنيتها من الاحتجاجات المرتبطة بأزمة السكن وارتفاع الأسعار في عدد من المدن الأوروبية. فقد أشار تقرير منشور في أكتوبر 2026 إلى تحرّكات في إسبانيا والبرتغال وبلدان أخرى، ارتبطت بارتفاع تكاليف السكن والطاقة والأعباء الاجتماعية.

لا يكفي، إذن، أن يُعترف للفرد بحقّ السكن من الناحية القانونية، إذا كانت الشروط الاقتصادية تجعل ممارسة هذا الحقّ متعذّرة على فئات متزايدة. كما لا يكفي أن تُعلن المساواة السياسية، إذا ظلّت القدرة على المشاركة في الحياة العامة مشروطة بامتلاك الوقت والموارد والأمان الاجتماعي. فالحرية التي لا تُبحث شروط إمكانها المادية قد تتحوّل إلى مبدأ مجرّد، يعترف بالجميع نظريًا، بينما يتركهم متفاوتين في قدرتهم الفعلية على ممارستها.

بهذا المعنى، يمكن للشارع أن يصبح مجالًا للصراع حول استعمال المدينة وتوزيع مواردها، لا مجرّد مكان للاعتراض على من يحكمها. غير أنّ استعادة الفضاء العام لا تكتمل باحتلاله مؤقتًا؛ إنّها تطرح أيضًا سؤالًا عن إمكان تغيير العلاقات الاجتماعية التي تحدّد مَن يستطيع العيش فيه، ومَن يمتلك القدرة على المشاركة في تشكيله.

حين تواجه السلطة الاحتجاج: الأمن وحدود الشرعية

تكشف لحظات الاحتجاج الحادّة عن توتّر لا يمكن تجاوزه بمجرد الاحتكام إلى ثنائية جاهزة تفصل بين الدولة والمجتمع. فمن جهة، تمتلك الدولة صلاحيات قانونية لحماية الأشخاص والممتلكات وضمان النظام العام؛ ومن جهة أخرى، لا تستمدّ هذه الصلاحيات مشروعيتها من قدرتها على فرض النظام فحسب، بل من خضوع ممارستها للقانون واحترام الحقوق الأساسية.

وقد أظهرت التحرّكات الفرنسية في أكتوبر 2026 هذا التوتر بوضوح: فإلى جانب التظاهرات الواسعة، شهدت بعض المدن مواجهات واستخدامًا للغاز المسيل للدموع، في حين انتقد محتجّون وحقوقيون القيود المفروضة على التظاهر وطريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين. وفي المقابل، أعلنت السلطات أنّها تسعى إلى منع تكرار أعمال العنف والتخريب التي رافقت تحرّكات سابقة.

لا يمكن استنتاج طبيعة النظام السياسي من وجود الشرطة في الشارع وحده، كما لا يمكن اعتبار كلّ فعل احتجاجي مشروعًا بصرف النظر عن ممارساته. لكنّ المسألة الفلسفية تبدأ حين يُطرح السؤال عن حدود القوة التي يجوز للدولة استعمالها، وعن الشروط التي تجعل حفظ النظام متوافقًا مع حماية الحرية، وعن إمكان تحوّل التدخّل الأمني من وسيلة لحماية الحقوق إلى ممارسة تُضيّق المجال الذي تُمارَس فيه.

فالشرعية لا تُختبر في قدرة السلطة على ضبط المجتمع فحسب، بل أيضًا في قدرتها على تحمّل الاعتراض من دون تحويله، في ذاته، إلى قرينة على انعدام الشرعية. وفي المقابل، لا تستمدّ المقاومة مشروعيتها من مجرّد كونها مقاومة؛ إذ ينبغي أن تخضع وسائلها وغاياتها بدورها للمساءلة، خصوصًا حين تتعرّض سلامة الأفراد أو حقوقهم للتهديد.

وهنا تتحدّد إحدى مهام الفلسفة النقدية: تفكيك المفاهيم التي قد تُستعمل لتبرير القوة، سواء تعلّق الأمر بالأمن أو بالنظام أو بالمقاومة أو بالتحرّر، والكشف عن التناقضات التي تظهر حين تتحوّل الوسائل المعلنة لحماية الحرية إلى شروط لتقييدها، أو حين يُستعمل التحرّر لتبرير ممارسات تعيد إنتاج الهيمنة.

الفلسفة بوصفها ممارسة للتحرّر

إذا كانت الفلسفة قادرة على التفكير في الشارع بوصفه مجالًا للفعل السياسي، فإنّ السؤال المتعلّق بدورها لا يقلّ أهمية: هل تكتفي بتفسير الاحتجاجات بعد وقوعها، أم أنّها تستطيع المشاركة في تحرير الوعي من التصوّرات التي تجعل الواقع القائم يبدو طبيعيًا ونهائيًا؟

لا يتحقّق الدور التحرّري للفلسفة عبر تقديم وصفات جاهزة للتمرّد، ولا عبر منح حركة بعينها شهادةً مسبقة في الشرعية. إنّه يبدأ من مساءلة ما يُقدَّم بوصفه ضرورةً لا بديل عنها، ومن التمييز بين الشروط التاريخية التي أنتجت واقعًا معيّنًا وبين الادّعاء بأنّ هذا الواقع هو الإمكان الوحيد المتاح.

فالسياسات الاقتصادية، وتوزيع الموارد، وتنظيم العمل، وتحديد شروط الوصول إلى السكن والتعليم، ليست معطيات منفصلة عن الاختيارات السياسية والاجتماعية. وحين تُعرض هذه الاختيارات باعتبارها استجابات تقنية محايدة لضرورات لا يمكن مناقشتها، تضيق إمكانات الاعتراض قبل أن تبدأ. عندئذٍ لا تكون الهيمنة مجرّد فرض مباشر للإرادة، بل قد تتجلّى أيضًا في تحديد حدود ما يمكن التفكير فيه، وما يمكن المطالبة به، وما يُسمح باعتباره ممكنًا.

من هنا، لا تكون مهمّة الفلسفة أن تستبدل حكمًا بحكم، أو أن تحلّ إرادة المفكّر محلّ إرادة الجماعات، بل أن تعيد فتح العلاقة بين الواقع وإمكان تغييره. إنّها تفكّك ما يبدو بديهيًا، وتكشف التناقضات التي تخفيها الخطابات السائدة، وتختبر المسافة بين المبادئ المعلنة وشروط تحقّقها.

غير أنّ الفلسفة التي تتحدّث عن التحرّر من دون أن تُخضع مفهوم التحرّر نفسه للنقد، قد تتحوّل إلى خطاب تبريري. فالتمرّد ليس تحرّرًا بالضرورة، والرفض ليس تأسيسًا، كما أنّ إسقاط سلطة لا يضمن زوال العلاقات التي جعلت الخضوع ممكنًا. وقد تستعيد حركة احتجاجية لغة المساواة، ثم تنتج داخلها أشكالًا من الإقصاء؛ وقد ترفض الهيمنة القائمة من دون أن تمتلك تصورًا عن المؤسسات والعلاقات التي يمكن أن تحلّ محلّها.

لذلك، يتمثّل البعد النقدي للفلسفة في إبقاء المسافة مفتوحة بين الرغبة في التحرّر والوسائل التي تُمارَس بها، وبين تفكيك النظام القائم وإمكان إنشاء علاقات اجتماعية وسياسية لا تعيد إنتاج تناقضاته. فالتحرّر ليس لحظةً تنتهي فيها السلطة، بل مسارًا تُراجع خلاله أشكال ممارستها وحدودها، وتُختبر فيه إمكانات المشاركة والمساواة والعدالة.

من قوّة الرفض إلى إمكان التأسيس

يبقى السؤال الأصعب: ماذا يحدث بعد أن يمتلئ الشارع؟ وما الذي يجعل الفعل الجماعي قادرًا على تجاوز لحظة الاعتراض إلى تغيير شروط الحياة المشتركة؟

لا يمكن اختزال الإجابة في انتصار الاحتجاج أو إخفاقه وفق معيار واحد. فقد ينجح تحرّك في انتزاع تنازلات جزئية، من دون أن يغيّر العلاقات التي أنتجت الأزمة؛ وقد يُهزم مطلب آنيّ، بينما يترك أثرًا في الوعي العام وفي حدود ما أصبح ممكنًا قوله والمطالبة به. كما قد تتبدّد حركة واسعة حين تعجز عن التوفيق بين اختلاف مطالب المشاركين فيها، أو حين لا تتمكّن من إنشاء أشكال تنظيم تسمح باستمرار الفعل بعد انحسار الحشود.

لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى الشارع بوصفه بديلًا مكتملًا عن المؤسسات، ولا إلى المؤسسات باعتبارها المجال الوحيد الممكن للسياسة. إنّ العلاقة بينهما تظلّ موضع نزاع: فالاحتجاج قد يدفع المؤسسات إلى الاستجابة، وقد يفرض إعادة النظر في قواعد المشاركة، لكنه قد يحتاج بدوره إلى أشكال من التنظيم والتفاوض والمحاسبة حتى لا تظلّ مطالبه معلّقة بلحظة التعبئة.

إنّ قوّة الشارع لا تكمن، إذن، في أنّه يملك الحقيقة السياسية بصورة مسبقة، بل في أنّه يستطيع أن يجعل ما استقرّ من علاقات ومبادئ موضع مساءلة. وهو لا يضمن التحرّر، لكنّه قد يفتح إمكانه؛ ولا يقدّم بديلًا جاهزًا عن النظام القائم، لكنه قد يكشف أنّ هذا النظام ليس مغلقًا على التغيير.
خاتمة: هل يستطيع الشارع أن يفتح أفقًا للتحرّر؟

تكشف عودة الاحتجاجات إلى شوارع المدن الأوروبية عن أنّ الاستقرار المؤسّسي لا يعني بالضرورة استقرار العلاقة بين المجتمع والسلطة. فحين تتراكم المطالب الاجتماعية، وتتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة، قد يصبح الشارع مجالًا لاستعادة الحضور السياسي، ولإعادة طرح مسائل العدالة والمشاركة والاعتراف التي لم تجد حلًّا داخل الأطر القائمة.

لكنّ الرهان الفلسفي لا يتمثّل في تمجيد التمرّد أو التعامل معه بوصفه غاية في ذاته، بل في مساءلة إمكاناته وحدوده. فالحشود تستطيع أن تعطل النظام، وأن تفرض مطالبها على النقاش العام، وأن تكشف تناقضات السلطة؛ غير أنّ هذه القدرة لا تتحوّل تلقائيًا إلى مشروع تحرّري. إذ يتطلّب الانتقال من الرفض إلى التأسيس قدرةً على تحويل المطالب المتفرّقة إلى أفق مشترك، وعلى بناء أشكال من المشاركة لا تعيد إنتاج الإقصاء الذي قامت الحركة للاعتراض عليه.

ومن هنا تتحدّد مسؤولية الفلسفة: ألّا تكتفي بوصف الشارع من الخارج، وألّا تستعير لغته لتمنحه شرعيةً غير مشروطة، بل أن تفكّك الشروط التي تجعل التمرّد ممكنًا، وتختبر المعاني التي يرفعها، وتكشف التناقضات التي قد تعترض مساره. فالفلسفة لا تحرّر بدلًا عن الناس، لكنّها تستطيع أن تسهم في تحرير التفكير من حتميّة الواقع القائم، وفي إبقاء إمكان تغييره مفتوحًا.

إنّ السؤال الذي يظلّ معلّقًا ليس ما إذا كان الشارع قادرًا على إسقاط نظام أو إرباك سلطة، بل ما إذا كان قادرًا على تحويل لحظة الرفض إلى قدرة جماعية على إعادة تشكيل شروط الحياة المشتركة. عند هذه النقطة تحديدًا، يتجاوز الشارع كونه موقعًا للمواجهة، ليصبح مسألةً فلسفية تتعلّق بإمكان السياسة نفسها: هل تظلّ إدارةً لما هو قائم، أم تستطيع أن تصبح ممارسةً جماعية لتغيير ما يمكن أن يكون؟



#سناء_عليبات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضحايا قرية النصر بالمكناسي.. عندما تقتلنا الوعود الوزارية ال ...
- سيميولوجيا تيك توك واقتصاد السيولة: في صنمية -العلامة- وسلطة ...
- بارادوكس السلطة في دمشق: بين استعراض الهوية الدينية ورهانات ...
- عقدة الحجر والطين: كيف يُزيّف المجتمع الأبوي الوعي الإنساني؟
- هبرماس قناع فلسفي للإمبريالية
- زلزال الموازين: القواعد الأمريكية في فخ -الردع الإيراني-
- -أصدقاء الجبال- في مواجهة -صفقة القرن- السورية: هل باعت واشن ...
- خرائط النفوذ الجديدة: إعادة رسم الحدود الداخلية السورية
- بين منظومة تتقن النظام وثورة تجهل التنظيم تنتصر البيروقراطية ...
- -تبادل الأسرى... عدالة مقلوبة وكرامة معلَّقة-
- حماس وسلطة الدم: من المقاومة إلى العنف الداخلي
- -نهاية المرحلة الإخوانية: قبول حماس للعرض الأمريكي-
- الذاكرة الشعبية في مواجهة التطبيع
- «الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام ...
- -خطة ترامب للسلام: قناع زائف لإضعاف المقاومة الفلسطينية-
- الغضب المغربي بين وعود التنمية وخيبة الواقع :دروس الاحتجاجات ...
- من فضاء التعلّم إلى فضاء التدين: هل يعيدنا المعهد إلى أصل ال ...
- -بين الخوارزمية والفعل: الهيمنة الرأسمالية على الفكر الرقمي-
- أسطول الصمود بين الاستهداف الصهيوني والرهان على الموقف التون ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...


المزيد.....




- أعضاء من إدارة ترامب يصعّدون الهجوم على عبدالرحمن السيد.. وا ...
- مايا دياب بالساري الهندي في دبي.. منسق أزيائها يكشف تفاصيل ا ...
- توقعات نتائج الانتخابات الإسرائيلية.. كيف ستتوزع مقاعد الكني ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديدتين شمال وشرق أوكرانيا ...
- طريقة بسيطة لإطالة العمر بمقدار الربع
- ميلوني تعلّق المساعدات العسكرية لأوكرانيا بانتظار نتائج انتخ ...
- عندما تعود الدبلوماسية إلى المشهد: هل ينتصر العقل على التصعي ...
- موسكو تعتزم افتتاح 23 محطة مترو جديدة خلال ثلاث سنوات
- مشاهد وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى موسكو لحضور ق ...
- السفارة الأمريكية في بيروت تؤكد استمرار عملها كالمعتاد


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سناء عليبات - الفعل الجمعي وإعادة تشكيل الممكن السياسي: قوّة الشارع والدور التحرّري للفلسفة