أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سناء عليبات - سيميولوجيا تيك توك واقتصاد السيولة: في صنمية -العلامة- وسلطة الاستلاب الرمزي














المزيد.....

سيميولوجيا تيك توك واقتصاد السيولة: في صنمية -العلامة- وسلطة الاستلاب الرمزي


سناء عليبات

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 04:50
المحور: قضايا ثقافية
    


يشهد الراهن الكوني انزياحاً جذرياً في بنية الفعل البشري، حيث أطاحت التقنية الرقمية بالركائز الصلبة للجهد والقيمة، وأحلت محلها سيولة شاملة. إن منصات البث اللحظي، وتيك توك على وجه الخصوص، ليست سوى المختبر السريري لمعاينة هذا المسخ الوجودي، حيث تستحيل الذات الفاعلة إلى موضوع معروض في سوق استهلاكية لا تكف عن الدوران. ويتجلى هذا المأزق في واقعنا في ذلك الشرخ العميق بين الصلابة الأكاديمية والسيولة الرقمية؛ فالشاب الذي أفنى عمره في تحصيل المعرفة ونيل الشهادات العليا يجد نفسه اليوم في مواجهة عدمية اقتصادية تجعل من جولة دعم لمد ساعة واحدة تحقق ريعاً يربو على راتب أستاذ جامعي. هذا اللا-تكافؤ ليس مجرد خلل في توزيع الثروة، بل هو إعلان رسمي عن موت المعرفة كقيمة بناءة وإحلال الفرجة كقيمة استهلاكية محلها.
​وتتبدى "سيميولوجيا" هذه المنصة في ابتكارها لنظام من العلامات التي تؤسس لصنمية رمزية قاهرة؛ فهذه "الأسود" و"الحيتان" ليست مجرد رسومات غرافيكية، بل هي أدوات لإنتاج سلطة استلاب قاهرة. إن "صنمية العلامة" هنا تكمن في تحويل الأيقونة الرقمية إلى "سيد" يُطاع ويُستجدى؛ حيث يشتري الداعم بهذا الرمز نشوة السيادة والقدرة الكلية على إخضاع الكائن. ظهور "الأسد" على الشاشة يستحيل لحظة مكثفة لإنتاج الهيمنة، حيث يتنازل صانع المحتوى عن كرامته الجسدية وحميميته مقابل بريق هذه الأيقونة المفترسة. إنها لغة رمزية تستبدل "الإنسان" بـ "الشيء"، وتمنح السلطة لمن يملك "السيولة" وتنزعها عمن يملك "الجهد"، مما يكرس حالة من الارتهان الوجودي لرموز لا تملك من الحقيقة سوى قدرتها على الإذلال.
​ولا تكتمل صورة السيولة إلا بالحفر في أصل هذه الأموال، فهذا المال الافتراضي ليس في جوهره إلا تجلياً لسيولة الجريمة المنظمة. إننا أمام فضاء معتم يفتقر إلى الشفافية، حيث يتحول تيك توك إلى رئة اصطناعية لتنفس أموال قذرة آتية من دهاليز تبييض الأموال وتجارة المخدرات وشبكات الجرائم الدولية. فالداعم الخفي لا يمارس الكرم، بل يمارس غسلاً تقنياً لأمواله عبر تحويلها من سيولة إجرامية مطاردة قانونياً إلى رموز رقمية شرعية تدخل الدورة الاقتصادية تحت ستار الترفيه، مما يجرّد الربح الرقمي من أي مشروعية أخلاقية ويحوله إلى قوت مسموم يتغذى على أنقاض القانون والقيم.
​وفي ظل انسداد الآفاق التنموية، برز هذا النمط كملاذ زائف يجسد اقتصاد الظل في نسخته الأكثر توحشاً، فالهروب من البطالة الصلبة نحو العمل السائل هو ارتماء في أحضان عبودية طوعية بلا ضمانات قانونية، حيث يعيش الكادح الرقمي تحت رحمة مزاجية المنصة ومطاردة الترند الزائل. وعندما تنهار البنى الإنتاجية، يرتد الإنسان إلى رأس ماله البدائي الوحيد وهو الجسد، فيُنزع عنه بعده الكرامي ليصبح أداة إنتاج محضة عبر الرقص أو القبول بالإهانة في تحديات مهينة. إننا أمام تشيِيء نهائي للكائن، حيث لم يعد الفكر هو ما يُباع، بل المشهد الجسدي في حالته الخام، وهو ما يمثل ذروة نقد الحداثة السائلة؛ إذ ينتهي المطاف بالإنسان بضاعة في سوق لا ترحم، تذوب فيها الصلابة الإنسانية لتتحول إلى حركات آلية تستجدي إبهار المتابع لثوانٍ معدودة. فأي شيء يتبقى من الإنساني في الإنسان عندما يبيع سره الجواني مقابل أيقونة رقمية آتية من عتمة الجريمة في فضاء ينسى كل شيء في أقل من دقيقة؟ إن الربح السريع في فضاء السيولة ليس تيسيراً للعيش، بل هو تذويب لجوهر الكيان.



#سناء_عليبات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بارادوكس السلطة في دمشق: بين استعراض الهوية الدينية ورهانات ...
- عقدة الحجر والطين: كيف يُزيّف المجتمع الأبوي الوعي الإنساني؟
- هبرماس قناع فلسفي للإمبريالية
- زلزال الموازين: القواعد الأمريكية في فخ -الردع الإيراني-
- -أصدقاء الجبال- في مواجهة -صفقة القرن- السورية: هل باعت واشن ...
- خرائط النفوذ الجديدة: إعادة رسم الحدود الداخلية السورية
- بين منظومة تتقن النظام وثورة تجهل التنظيم تنتصر البيروقراطية ...
- -تبادل الأسرى... عدالة مقلوبة وكرامة معلَّقة-
- حماس وسلطة الدم: من المقاومة إلى العنف الداخلي
- -نهاية المرحلة الإخوانية: قبول حماس للعرض الأمريكي-
- الذاكرة الشعبية في مواجهة التطبيع
- «الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام ...
- -خطة ترامب للسلام: قناع زائف لإضعاف المقاومة الفلسطينية-
- الغضب المغربي بين وعود التنمية وخيبة الواقع :دروس الاحتجاجات ...
- من فضاء التعلّم إلى فضاء التدين: هل يعيدنا المعهد إلى أصل ال ...
- -بين الخوارزمية والفعل: الهيمنة الرأسمالية على الفكر الرقمي-
- أسطول الصمود بين الاستهداف الصهيوني والرهان على الموقف التون ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- حين يصبح الترند معيار البطولة: البلوغر VS الشهيد في عصر الحد ...


المزيد.....




- خبير يعلق على رسالة مجتبى خامنئي إلى -جيران إيران الجنوبيين- ...
- يتعين على ترامب أن يقول -لا- لنتنياهو - الإندبندنت
- إجراءات أمنية مشددة في باكستان قبيل انطلاق جولة مفصلية من ا ...
- ضغوط دولية لوقف غارات إسرائيل على بيروت.. وتحذيرات أممية من ...
- ستارمر يناقش مع ترامب -الخيارات العسكرية- بشأن مضيق هرمز
- مصر.. تفاعل مع فرحة مهندس باكتشاف حقل غاز جديد
- ما خفي أعظم يعرض مشاهد وتفاصيل حصرية توثق آثار أكبر هجوم جوي ...
- بعد 41 يوما من الحرب.. ما حصيلة الهجمات الإيرانية على 7 دول ...
- هل ينجح تحالف ديمقراطيي الساحل في مواجهة حكم العسكر؟
- تحقيق خاص للجزيرة: استهداف منشآت الغاز في قطر يهدد غذاء العا ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سناء عليبات - سيميولوجيا تيك توك واقتصاد السيولة: في صنمية -العلامة- وسلطة الاستلاب الرمزي