أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سناء عليبات - «الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام المصالح»














المزيد.....

«الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام المصالح»


سناء عليبات

الحوار المتمدن-العدد: 8482 - 2025 / 10 / 1 - 00:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


انسحاب البحرية الإيطالية من مرافقة الأسطول لا يمكن اختزاله في معادلة تقنيّة محايدة — قرار ينتهي عند حدود البحر — بل هو فعل سياسيٍ آخذ في التشظّي، إعلان عن تحويل الحقّ في الحماية إلى لعبة دبلوماسية ذات قواعد مزدوجة. فقد أعلنت روما أنها ستوقف مرافقتها عندما يقترب الأسطول من عتبة مائية محدّدة (150 ميلاً بحريًّا)، وهو قرار أتى بعد تحذيرات متكررة وتهديدات صريحة من نبرةٍ سياسية لا تخطئها العين.
هذا الانسحاب، إن فُهم بوصفه خطوة تقنية، يفشل في شرح ما يحمله من امتداداتٍ رمزية: إنه يفتح مسافةً بين الزمانية الأخلاقيّة للالتزام الإنساني والزمن السياسي للمصالح، ويبني فراغًا يتربّص به العنف الرسمي — فراغٌ يصبح فيه المدنيّون والناشطون وسيلة اختبار لشرعية السرد الدولي. وفي اللحظة التي تُحوَّل فيها المرافقة إلى حدودٍ رقمية تُعلِن الانسحاب، تتبدّل الحماية إلى مرآة تقع فيها أوروبا أمام تاريخها: وعد بالقانون الدولي تقابله عمليّة تصفية للمسؤولية.
ثم يأتي التبرير المعلن: الخطر العسكري، احتمال وقوع أزمة دبلوماسية، و«الحفاظ على التوازن الهشّ» في المنطقة — كلها صيغٌ تُستعمل لشرعنة الانسحاب، لكنّها في جوهرها لغةٌ تترجم الخشية من المحاسبة إلى حيادٍ مسجّل. هنا تظهر حيلةٌ قديمة: تحويل فعلٍ دفاعي إلى سببٍ لعدم التدخّل، وتحويل الحقّ في الإغاثة إلى حجة لتفويض العنف لجهةٍ ثالثة. وفي هذا المسار تُغذّي التحذيرات الرسمية سرديةً مفادها أن الأسطول «قد يستُخدم» كذريعة من قِبَل «من يريدون تقويض مساعٍ سياسية»، فتتحوّل المبادرة الإنسانية إلى عبءٍ سياسيّ ينبغي الحذر منه.
لكنّ السرد المضادّ، الذي يؤكّده منظّمون على متن الأسطول، يضع الوقائع في منظورٍ آخر: طائرات مسيّرة هاجمت عناصر من القافلة في المياه الدولية، وحين جوبهت هذه المخاطر كانت ردّة الفعل الرسميّة الأوروبية على شاكلةٍ مزدوجةٍ — إرسال سفنٍ كرمز، والانكفاء عند أقربِ نقطةٍ يمكن فيها للتراجع أن يفسّر كـ«مسؤولية» وليس كـ«تواطؤ». هذا التفاوت بين الحماية الرمزية والانسحاب الفعلي يؤكد أن ثمة لعبة حساباتٍ أكبر من حماية عاجلة للمدنيين.
ومن هنا يصير موقف أوروبا مركزًا للنقض: لا حياد بمعناه الأخلاقي يمكن أن يقترن بهذه التباينات، بل هناك ترتيب أولويّات واضح — الأولوية للحفاظ على قنوات دبلوماسية مع جهة فاعلة مسلّحة، ثمّ التذرّع بالقانون الدولي وقت الحاجة، ثمّ ترك المبادرات التحرّريّة تفتقد إلى شبكة حماية فعلية. المسألة إذن ليست أن أوروبا لا تتدخل، بل أن تدخلها محكوم بقاعدة مصلحيّة تُقدّم الأمن السياسي على الأمن الإنساني.
وبينما تُفسّر الدول الأوروبيّة مواقفها بلغة «التوازن» و«الحدّ من التصعيد»، تُوظَّف الاتهامات التي تُروِّج لفكرة ربط الأسطول بحماس كأداةٍ شرعيّةٍ لتبرير أي عملٍ قسريّ لاحق؛ إنها آلية إيهام: ربط الفعل المدنيّ بقوى مسلّحة يتيح للمعتدي أن يصوغ لسياسته غطاءً قانونيًّا وأخلاقيًّا مزوَّرًا. وهكذا يصبح البيان الرسمي، بدل أن يحمي، سجّانًا للتبرير (justification) السياسي، وتحولٌ في المقولات: من «حمايةٍ» إلى «استهدافٍ مشروع».
في النهاية، ما نراه ليس تردّدًا محايدًا بل انكشاف استراتيجية؛ استراتيجية تبيِّن أن أوروبا ما زالت تُدار بآليات تاريخية من الامتياز والتفرّد: حين يقتضي الأمر حماية المصالح أو تحاشي أزمة كبرى، تتراجع الصياغات الحقوقية إلى مجرد خطابٍ جماليّ يُخفي عمليًا شبكةً من التواطؤات. وبعنف سياسيٍ هادئٍ، تُترجم هذه الاستدارة إلى خيانةٍ للمبادرات التي تقف في وجه الحصار والاحتلال، فتتحوّل مبادرة الإغاثة من فعلٍ تحرّريٍّ إلى مسرحٍ تُجرّب فيه القوى الكبرى وحلفاؤها إمكانيات التحكم بالمصير الفلسطينيّ.
وفي هذا السياق، يتضح أن جوهر القضية لا يكمن في عدّ الانسحابات أو احتساب المبررات الأمنية، بل في كشف الطبيعة الحقيقية للسياسات الأوروبية: حمايةٌ مشروطة بالمصالح، وأخلاقياتٌ تتقلب وفق الاعتبارات الجيوسياسية. إن المبادرات التحررية، التي تهدف إلى كسر الحصار وتقديم الإغاثة، تصبح في هذا الإطار أدواتٍ للاختبار السياسي، تُسقط فيها القيم الإنسانية تحت وطأة الحسابات الاستراتيجية. وما لم يُستعاد فعل الحماية كممارسة مبدئية مستقلة عن أي مصلحة أو توازن سياسي، ستظل المبادرات عاجزة أمام آليات الانكفاء والتواطؤ، عاجزة عن تحويل الحقّ الإنساني إلى فعل فعلي يوقف العنف ويؤكد السيادة الأخلاقية على المصالح.



#سناء_عليبات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -خطة ترامب للسلام: قناع زائف لإضعاف المقاومة الفلسطينية-
- الغضب المغربي بين وعود التنمية وخيبة الواقع :دروس الاحتجاجات ...
- من فضاء التعلّم إلى فضاء التدين: هل يعيدنا المعهد إلى أصل ال ...
- -بين الخوارزمية والفعل: الهيمنة الرأسمالية على الفكر الرقمي-
- أسطول الصمود بين الاستهداف الصهيوني والرهان على الموقف التون ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- في الحديد إذ ينقلب على حتفه: من أبراخيليا إلى استطيقا المقاو ...
- حين يصبح الترند معيار البطولة: البلوغر VS الشهيد في عصر الحد ...


المزيد.....




- تدشين محطة ركاب قطار الاتحاد في أبوظبي.. أولى الرحلات تنطلق ...
- جفاف بحر قزوين يقترب من سيناريو بحر آرال.. والعلماء يدقون نا ...
- زاخاروفا: -بوليتيكو- رفضت نشر مقال لافروف لأنه يكشف حقيقة أك ...
- فرنسا توسع رقعة الإنذار الأحمر بسبب موجة الحر وانقطاع الكهرب ...
- بعد دعم الشرق.. هل تكسر المبادرة الأمريكية صمت حكومة الدبيبة ...
- وول ستريت جورنال تكشف كواليس مواجهة كادت تنهي مفاوضات سويسرا ...
- ترامب يتهم مجلس الشيوخ بإضعاف موقفه أمام إيران
- كوريا الجنوبية تحتجز جنديا كوريا شماليا بعد عبوره الحدود
- بعد توقف الحرب على إيران.. ماذا يعني قرار -الشيوخ- الأميركي؟ ...
- السودان على حافة انفجار اجتماعي يعمق تداعيات الحرب المتصاعدة ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سناء عليبات - «الانسحاب الإيطالي والوجه المزدوج لأوروبا: حماية تتراجع أمام المصالح»