سناء عليبات
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 00:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تؤكد القراءة المتأملة للمشهد الدولي الراهن أن الغطرسة الأمريكية بلغت مداها، حيث باتت واشنطن تمارس دوراً إمبراطورياً يتجاوز الأعراف الدبلوماسية، محولةً المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى مجرد أدوات هامشية، بل وساحة للعبث والتهكم السياسي. هذا الانفلات في القوة يوحي بأن "الحلم الإمبراطوري" لن ينحسر بالوسائل الناعمة، بل يحتاج إلى صدمة استراتيجية كبرى تعيد تذكير الإمبراطورية بحدود القوة وتجبرها على الاستفاقة من أوهام الهيمنة المطلقة. وفي ظل هذا المشهد، لم تعد الضربات التي تستهدف المنشآت العسكرية الأمريكية مجرد حوادث عابرة، بل هي إعلان ميداني عن نهاية عصر الاستثناء الأمني، ومرحلة من "التعرية الاستراتيجية" التي أثبتت أن القواعد التي كانت تُسوق كحصون لا تُخترق قد تحولت إلى أهداف هشة تُستنزف فيها هيبة القوة العظمى أمام العالم.
وتاريخياً، تخبرنا التجارب أن الجيوش النظامية قد تعجز عن إحداث التحول الجذري، بينما تظل "الإرادة الشعبية" هي القوة الوحيدة القادرة على كسر التفوق العسكري، كما حدث في فيتنام وجوارها الآسيوي. واليوم، يتجه الرهان نحو القدرة على توجيه ضربة مؤثرة للقطع البحرية الأمريكية، وهو الاحتمال الذي لو تحقق، سيمثل نقطة انعطاف تاريخية تحول المواجهة من مجرد مناوشات إقليمية إلى زلزال يعيد صياغة موازين القوى العالمية. هذا التآكل في استراتيجية الردع يضع واشنطن أمام مأزق بنيوي، حيث لم يعد التفوق التكنولوجي قادراً على حسم المعارك أمام إرادات محلية تمتلك الجرأة على كسر المحرمات السياسية، مما يضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في حرب إقليمية واسعة تكون مقبرة لنفوذها، أو القبول بتراجع تدريجي ينهي أحادية القطب.
وفي الوقت الذي تنكشف فيه القواعد الأمريكية، نجد أن القوى الصاعدة في الشرق تمارس سياسة "الانتظار الاستراتيجي"؛ فالصين تناور ضمن استراتيجية "تعدد العوالم" مراقبةً غرق الخصم في رمال المنطقة، بينما يلف الغموض الموقف الروسي الذي يكتفي بكلمات دبلوماسية حذرة، مما يثير الشكوك حول طبيعة التفاهمات الضمنية بين موسكو وواشنطن. ومع ذلك، يظل المخزون النضالي الكامن في الشعوب العربية هو "العاصفة القادمة" التي يغذيها التحلل المؤسساتي الدولي واستهتار القيادة الأمريكية بالمنظمات الأممية. إننا بصدد مخاض عالمي عسير، يشبه في ظروفه اللحظات التي سبقت ولادة الأنظمة الدولية الكبرى بعد الحروب العالمية، مما يعزز فرضية أن ولادة "عالم جديد" لا تتحقق إلا عبر مواجهات كبرى تنهي حقبة القطب الواحد للأبد، وتؤسس لواقع لا مكان فيه للقواعد الأجنبية، كمسار إجباري لتصحيح انحراف تاريخي استمر طويلاً.
#سناء_عليبات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟