أياد الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 16:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
(أثر النفوذ في صناعة الحروب)
مفهوم النفوذ له من الأهمية والمكانة في مجالات متعددة وخاصة في المجال السياسي والعسكري والأجتماعي الشيء الكبير ، ونظراً لأهمية هذا المفهوم ،نحاول أولاً أن نعرفه لغوياً : حيث جاء في المعاجم العربية ، مثل معجم المعاني الجامع ويقصد به : السلطان والسطوة والقدرة على نفاذ الأمر.
عندما نسمع بكلمة نفوذ يتبادر لنا معنى السلطة، أتاوة، خدمة،مال ،عبيد ، تسهيل مصالح… .يعني الموضوع ،أن هناك آمر ومأمور ، أمر ،وتنفيذ.
أما أصطلاحاً ، حسب تعريف عالم الأجتماع ماكس فيبر : هو قوة أجتماعية تمكن الأفراد أو الجماعات أو الدول من تنفيذ رغباتهم وتحقيق أهدافهم ، حتى في وجود مقاومة من الآخرين. أذن النفوذ بالمعنى العام يعني كما يقول عالم السياسة الأمريكي (روبرت داهل) هو (ألف لديه سلطة على باء إلى حد أن بمقدور ألف إجبار باء على فعل شيء لن يُقدِم عليه بخلاف ذلك). هذا النفوذ يمكن ممارسته في كثير من المجالات ؛ في العائلة والمجتمع ، والقبيلة، والتجارة ،والسياسة ، والأخير هو ما يعنينا في هذا المقال ، وما يلعبه النفوذ من دور في السياسة الدولية ،وما ينتج عنه من أحداث على الساحة الأقليمية والدولية ،وأثره في تشكيل الأحداث ،وتأثير في صناعة التاريخ . لقد تطرقنا في مقال سابق عن مفهوم المجال الحيوي ، وهو موضوع له علاقة مباشرة بموضوع النفوذ ،بل يمكن القول ،هو أمتداد له ،ويصب في أتجاهه .
لاشك إن للأفراد والجماعات والدول رغبات وتطلعات ، لا تتحقق إلا بما تمتلكه من نفوذ ،يسهل عليهم تحقيقها ، وإن هذا النفوذ يتمظهر بمظهرين يتسمان بالقوة ، وهما المظهر الناعم ،والمظهر الخشن، فالأول معنوي ، مثل الهيبة الشخصية (الكاريزما) ،والجاه ، والعلمية ، والآخر مادي ،كالمال والقوة العسكرية .
الإنسان عندما بدأ ينتقل من حالة الأكتفاء والإشباع الذاتي (الفردي) إلى دائرة أوسع ، وهو محاولة الأكتفاء القبائلي ،أنتقالاً لتطلع أوسع وأشمل ،ألا وهو الأكتفاء على مستوى الدولة ،وهذا الأكتفاء لا يتحقق إلا بما ندعيه بالنفوذ ، وهذا النفوذ أصبح غاية ،لا يتحقق إلا بواسطة أداة ،متمثلة بالقوة ،بكل أشكالها ،ومستوياتها ، وهي تُستعمل بمستويات تحددها قوة الممانعة من الآخر لتحقيق الرغبات والطموحات لدى الراغبين بتحقيق النفوذ .
الطموح بالنفوذ قاد بالضرورة الى وجود أفراد ،أو جماعات يشتركون بهدف واحد لتحقيق هدف النفوذ ، ومن صفات هؤلاء الأفراد ،أنهم نرجسيون ،وطموحون ، ويميلون للشهرة ، والمجد ، والجاه والسلطان ،وبعضهم يعتبرون أنفسهم هبة السماء إلى الأرض، وهم قدر الأمة التي يحكموها ، ومن هذا المنطلق زعم جنكيزخان أن لديه تفويضاً من إله السماء لتشمل أمبراطورية من المكان الذي تشرق منه الشمس إلى المكان الذي تغيب فيه الشمس، حتى ورد في مرسوم له ، أنه على الأرض ثمة سيد واحد ، هو جنكيزخان ، أما الأسكندر المقدوني فقد وصف بأنه أبن ملك الآلهة زيوس ، وأما نابليون يصف به نفسه عند أعتلاء العرش (العرش الذي وضعتني العناية الإلهية عليه)، حتى هتلر نما لديه شعوراً بأنه هو وحده المختار ربما من قِبل الرب لكي ينقذ ألمانيا على يديه ، وفي عصرنا الحاضر نتذكر ماقال احد الشعراء البعثيون في الدكتاتور صدام حسين ، حيث قال: لولاك مانزل المطر .. لولاك ما أخضر الشجر
أما الشاعر عبد الوهاب البياتي فقال فيه : هو الذي رأى كل شيء، وهناك من لقبه بفارس الامة، وقد وصفه مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق بهبة السماء إلى حزب البعث، مثلما رحب بعض اللاهوتيين بهتلر على أنه حضور المقدس .
الشخصيات الآنفة الذكر ، بما تحمله من سمات نفسية غير سوية ، هي من تأهبت لأشعال الحروب ، وخلقت حالة عدم الأمان بين البلدان ،بسبب ماتتملكهم من غيرة لبعضهم البعض مما ولّد حالة من عدم الأمان ، الذي جعلهم كما يقول توماس هوبز يتأهبون للحرب . إن الغيرة بين الحكام تتمظهر عملياً بتوسعة نفوذ بعضهم على بعض ، مصحوبة هذه الغيرة بسادية لدى هذا النوع من الحكام ، وهذا ما جعل نابليون ،لم يشعر بالرضا بدون حرب ، وصدام حسين تمتلكه نفس الرغبة ،مما جعل الحروب طيلة زمن حكمه ، وكذلك الأسكندر وهتلر، وهذا ديدن كل الطغاة عبر التأريخ ، واليوم ترامب يسير في ركبهم ،حيث طموحاته لم يحدها حد، ومن المضحك وانا أكتب هذا المقال ،قرأت على الشريط الأخباري بتصريح لترامب ،يدعو فيه إلى تغير أسم المحيط الأطلسي إلى المحيط الأمريكي ، وفي تصريح سابق له ،دعا إلى تغير مضيق هرمز إلى مضيق ترامب، وهكذا تكون الرغبة بالنفوذ لدى الحكام المحرك الأول للحروب ، وجعل العالم يعيش حالة من عدم الأمان ، مما يجعلك متأهباً دوماً للحرب .
المشكلة التي عانا ويعاني منها العالم اليوم ، هو إن هذا النوع من الحكام يعتبر الحرب من طبيعة البشر التي لا يمكن التخلي عنها ، كما يدعي سيجموند فرويد وأسمها (بدافع الموت) ، وإنه كما يقول احد هؤلاء الحكام (هتلر) في كلام له (من يريد أن يعيش ،عليه أن يقاتل أيضاً ، ومن لا يرغب بالصراع في عالم الصراعات الدائم ، هذا لا يستحق أن يعيش) .
وهذا الرئيس الأمريكي ترامب ،دخل في تنافس مع من سبقه من رؤساء أمريكا في بسط نفوذ أمريكا بالعالم ، وهو نفس الدافع الذي دفع هتلر بأجتياح الاتحاد السوفيتي لتحقيق ما عجز منه نابليون ، وهي بالحقيقة رغبة بنيل المجد الشخصي ،ولكن على حساب أمن وأستقرار الشعوب . النفوذ لا يتحقق إلا بالهيمنة، والهيمنة لا تتحقق إلا بأدوات الحرب ، والحرب تنتهي بمنتصر ومنهزم ، وبغنائم وخسائر ،بسرور المنتصر، ومعاناة المنهزم ، وهذه نتائج تخشاها الشعوب وتحاول ان تتجنبها ،وذلك عبر الأستمرار بالتسليح ،وأخذ حالة التأهب والأستعداد للحرب ،بسبب الشك وعدم الأمان من الآخر ، لذلك على منظمات السلام أن تهتم بنشر مشاعر الأمان ،قبل منع أنتشار أسلحة الدمار الشامل ، لأن مشاعر عدم الأمان الناتج من رغبة الآخر بتوسع النفوذ، هو من يشعل الحروب .
من المهم الأشارة إلى موضوع في غاية الأهمية ،مادمنا نخوض في موضوع النفوذ ، ألا وهو ما يدعوه عالم السياسة الأمريكي غراهام أليسون ب (فخ ثوسيديدس) ، لوصف نزعة دافعة نحو الحرب ، عندما تهدد قوة صاعدة نفوذ قوى عظمى إقليمياً ودولياً ، وقد افترض ثوسيديدس الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وأسبارطة بأنها حتمية بسبب مخاوف إسبارطة من نمو القوة الأثينية ، وبالحقيقة يمكن سحب هذا الأفتراض على نزعة الحرب التي يمكن أشتعالها بين أمريكا كقوة عظمى ،مقابل الصين كقوة منافسة صاعدة ، واليوم فخ ثوسيديدس نشاهد تطبيقاته فيما يحدث بين أمريكا كقوة مهيمنة تسعى لمد نفوذها على العالم ، وبين قوة صاعدة هي إيران من حرب مازالت قائمة ليوم كتابة هذا المقال . اليوم أمريكا تحاول منع أي قوة صاعدة لأي دولة بالعالم بأي طريقة ،سواء بالعمل الحربي، أو بالحصار الأقتصادي أو السياسي والغزو الثقافي . إن أمريكا ولأجل الحفاظ على نفوذها الكبير على مناطق شاسعة من العالم ،وخاصة بعد تفكك الأتحاد السوفيتي وانهياره بفعل الحرب الباردة بينه وبين أمريكا ، بل ومن أجل توسيع هذا النفوذ في اوربا الشرقية والشرق الأوسط ، ورغبةً بمد هذا النفوذ إلى الشرق الأدنى، فهي حريصة كل الحرص على عدم أنتقال القوة لصالح طرف يكون ند لها، وهذا ما يُدعى بعلم السياسة ب( بنظرية أنتقال القوة) ، وهي نظرية تفترض أن قوة مهيمنة تتحداها قوة صاعدة ، وعندما تصل القوة الصاعدة إلى درجة يعتبرها الطرف الآخر منافسة ، تلجأ أحداهما إلى الحرب من أجل الحد من نفوذ الأخرى ، وهنا فخ ثوسيديدس يمكن أسقاطه على كثير من الأعمال الحربية التي وقعت في عالمنا ،على سبيل المثال التنافس الفرنسي البريطاني سابقاً ، كذلك الأمريكي الإيراني الحالي ، وكذلك يمكن ظهور هذا المبدأ بالتنافس الأقتصادي والسياسي كما في التنافس الأمريكي الصيني ،والسعودي - الأماراتي وهكذا .
أفرز لنا التاريخ ،والتاريخ هو درس للأجيال ،وعبرة لمن يفهمه جيداً ، بأن حروب النفوذ تنتهي عاجلاً أم آجلاً بالفشل ،وتدمير البلدان الراعية لها، وهلاك المحرضين عليها، أنظر ماذا حل بالأسكندر ، وكيف تقسمت أمبراطوريته ،والتي كان عمرها تسع سنين ،واصبحت أثر بعد عين ، أما أمبراطورية نابليون التي شغل العالم وأقام الدنيا بحروبه، فلم تستمر أكثر من عشر سنين ، أما هتلر فكانت تقريباً خمس سنين وأنهار مشروعة الأمبراطوري ، وهناك الكثير من الأمثلة التي لا يسع المجال إلى ذكرها.
نستخلص من كل ذلك بأن الحروب التي تشتعل بفعل دوافع النفوذ ، هي حروب لم تجلب للعالم إلا الموت والدمار لهذا الكوكب ، ولكن للأسف فشلت عصبة الأمم ،ومنظمة الأمم المتحدة من منع وقوع حروب النفوذ ، بل هناك تصاعد لها ، بسبب ظهور أفكار ونظريات تغذي طموحات شخصيات متغطرسة ونرجسية ،لا تقبل إلا بالهيمنة على الغير ، ومثال ذلك أمريكا ،التي تمتلك العناصر الثلاثة المغذية لحروب النفوذ، وهو الفكر والنظريات السياسية المحفزة لكسب النفوذ ، كالذي قدمهما المفكران السياسيان الأمريكيان صموئيل فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، وهنتجتون في كتابه صراع الحضارات ،التي يبشران فيهما بهيمنة أمريكا على العالم ،تحت سطوة حكومة عالمية بقيادة الأمبريالية الأمريكية ، اما العنصر الثاني، فهو وجود شخصيات حاكمة متغطرسة متمثلاً في ترامب ، أما العنصر الثالث ،وهو الأداة التنفيذية لأحلام ترامب الأسطورية ، وهي التكنلوجيا العسكرية المتقدمة والمرعبة ،المتمثلة بالقنبلة الهايدروجينية والذرية والأساطيل الحربية العملاقة ،وسلاح الجو الفتاك الذي يمتلك أحدث الطائرات بالعالم . اليوم العالم مدعوا أكثر من أي وقت مضى بالحد من هذه الحروب التي أهلكت الحرث والنسل ،والتي تعبر عن الواقع البائس لهذه الحضارة ، وعن الواقع المريض للطبقة التي تحكم هذه البلدان التي تتخذ من الحرب كأداة في أستمرار سياسة التوسع وفرض النفوذ بالعالم ، وهي السبب الحقيقي لما يحدث من خراب لكوكبنا وتدمير للحياة فيه .
#أياد_الزهيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟