أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانيا غازي أبو غوش - أزمة التعليم العالي في البلاد العربية















المزيد.....

أزمة التعليم العالي في البلاد العربية


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 09:36
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


عن أزمة التعليم العالي في البلاد العربية
اغتراب الجامعة عن مجتمعها وسوق عملها

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
لا تتعثر الجامعة في يوم واحد، ولا يبدأ ضعفها عند إعلان خسارة مالية أو تراجع مفاجئ في أعداد الطلبة. بل تظهر إشارات صغيرة قبل ذلك بوقت طويل: برنامج أكاديمي فقد صلته بالوظائف التي تتشكل خارج أسواره، بحث علمي لا يجد طريقه إلى مشكلة في المجتمع أو منشأة في السوق، عضو هيئة تدريس متميز يغادر، وطالب يتخرج وهو يحمل شهادة لا تمنحه انتقالاً حقيقياً إلى العمل أو الإنتاج أو المبادرة.
المشكلة في كثير من الجامعات العربية ليست نقصاً في المباني أو التخصصات أو أعداد الخريجين، بل اختلال الصلة بين ثلاثة مسارات يفترض أن تعمل معاً: ما تُدرّسه الجامعة، وما يحتاجه الاقتصاد، وما ينتظره المجتمع من معرفة وحلول وقيادات. حين تنفصل هذه المسارات، تتحول الجامعة تدريجياً إلى مؤسسة تمنح مؤهلات أكثر مما تبني كفاءات، وتقيس النجاح بأعداد المقبولين لا بقدرة خريجيها على خلق قيمة.
هذه ليست دعوة لاختزال الجامعة في وظيفة أو تحويلها إلى مركز تدريب للشركات. فالجامعة مسؤولة عن المعرفة والنقد والبحث والقيم المدنية بقدر مسؤوليتها عن الجاهزية المهنية. لكن استقلالها لا يعني عزلتها. الاستقلال الحقيقي هو أن تملك حرية إنتاج المعرفة التي تُنير قضايا مجتمعها، وأن تمتلك في الوقت نفسه شجاعة مراجعة برامجها حين تكشف البيانات أن مخرجاتها لم تعد مواكبة للتحولات الاقتصادية والتقنية.
هنا تبرز قيمة ما يطرحه روبرت أ. سكوت في كتابه How University Boards Work في طبعته الثانية المحدثة: مجلس الأمناء ليس إدارة تنفيذية أخرى، ولا منصة للعلاقات أو التدخل في التفاصيل اليومية؛ بل هو الجهة التي تحمي الرسالة والاتجاه والاستقلال والاستدامة. وفي الجامعة العربية، تعني هذه المهمة قبل أي شيء أن يسأل المجلس سؤالاً لا يكفي أن تطرحه الإدارة عند إعداد تقرير سنوي: هل ما زالت جامعتنا ذات صلة بمن نخدمهم؟
فمجلس الأمناء لا يدير الجداول الدراسية ولا يختار الموظفين ولا يحل محل الرئيس أو العمداء. لكنه مسؤول عن التأكد من أن الاستراتيجية لا تُبنى على افتراضات قديمة عن الطلبة، وسوق العمل، والتمويل، والتكنولوجيا، واحتياجات الأقاليم. وعندما ينشغل المجلس باعتماد التفاصيل والإجراءات، بينما تتغير المهن والمهارات وأنماط التعلم بسرعة، فإنه يفقد وظيفته الأهم: قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى أزمة.
ويبدأ الإصلاح من لوحة مؤشرات لا تكتفي بالإيرادات والإنفاق. الجامعة السليمة تحتاج إلى قياس نسب الاستبقاء والتخرج، والتوظيف بعد التخرج ونوعيته، ورضا أصحاب العمل، ومدى دمج التدريب العملي والمهارات الرقمية والإنسانية في البرامج، وحجم البحوث التي عالجت قضايا وطنية أو محلية، واستقرار الهيئة الأكاديمية، والسيولة، والسلامة السيبرانية، والثقة العامة. هذه ليست أرقاماً تجميلية؛ إنها نظام إنذار مبكر يكشف ما إذا كانت الجامعة تتقدم أم تستهلك رصيدها المؤسسي بهدوء.
ومن مظاهر الغربة أيضاً أن يُراجع البرنامج الأكاديمي بعد سنوات من تراجع الطلب عليه، لا قبل ذلك؛ وأن تُدار الشراكة مع القطاع الخاص كفعالية بروتوكولية، لا كمنصة دائمة لتحديد المهارات والمشكلات وفرص التدريب والبحث التطبيقي؛ وأن تبقى المجالس الاستشارية بلا أثر ظاهر في تصميم المناهج أو تقييمها. المطلوب ليس أن يملي السوق على الجامعة ما تُدرّس، بل أن تدخل الجامعة في حوار منظم مع الصناعة والقطاعات الخدمية والجهات العامة والمجتمع المدني، فتترجم إشارات الاقتصاد وحاجات المجتمع إلى قرارات أكاديمية قابلة للقياس.
وفي مجتمعاتنا، لا تقتصر الفجوة على التوظيف. جامعة لا ترتبط بمدينتها أو محافظتها أو قطاعاتها الإنتاجية تفقد جزءاً من شرعيتها الاجتماعية. فالمؤسسة القادرة على خدمة مجتمعها تجعل من مشكلات المياه والطاقة والصحة والتعليم والبلديات والبطالة وريادة الأعمال موضوعات للبحث والتدريب والحلول، لا عناوين موسمية للندوات. وعندما يرى المجتمع أثراً ملموساً للجامعة في حياته، تتعزز الثقة بها، وتتسع فرص تمويلها وشراكاتها، ويتحول خريجوها من باحثين عن فرصة إلى صانعين لها.
لكن هذه الصلة تحتاج إلى حوكمة واضحة، لا إلى شعارات. على المجلس أن يحدد مؤشرات أثر مجتمعي واقتصادي ضمن الخطة الاستراتيجية، وأن يراجعها دورياً مع الإدارة، وأن يطلب تفسيراً حين تتسع فجوة توظيف الخريجين أو تنخفض جاذبية البرامج أو يضعف البحث التطبيقي. كما يحتاج إلى سجل مخاطر مؤسسي يضم مخاطر الانكماش في التسجيل، واختلال التخصصات، وهجرة الكفاءات، والتقادم الرقمي، والسمعة، والاعتماد الأكاديمي، لا أن يحصر المخاطر في الموازنة وحدها.
ويكشف ملف الخلافة القيادية بدوره مقدار نضج الحوكمة. إن مغادرة رئيس الجامعة أو عميد مؤثر أو قائد أكاديمي في لحظة غير مهيأة قد تعطل الشراكات ومراجعات البرامج والتحول الرقمي. لذلك لا يجب أن يبدأ البحث عن البديل بعد الشغور، بل أن يكون جزءاً دائماً من إدارة رأس المال القيادي، مع معايير معلنة للكفاءة والنزاهة وفهم التعليم العالي والتحولات المجتمعية والاقتصادية.
كما أن عضوية مجلس الأمناء ليست صفة اجتماعية ولا امتداداً للعلاقات العامة. إنها أمانة معرفية ومؤسسية تحتاج إلى تنوع حقيقي في الخبرات: أكاديمية، وقانونية، ومالية، وتقنية، وقطاعية، ومجتمعية؛ وإلى تأهيل في حدود الصلاحيات وأخلاقيات القرار وإدارة المخاطر. المجلس القوي لا يحاصر الإدارة ولا يتركها بلا مساءلة؛ يمنحها وضوحاً في الصلاحيات، ويطالبها بوضوح مماثل في النتائج.
إن تعثر الجامعات لا يبدأ من القاعات الفارغة وحدها، بل من عجز المؤسسة عن الإصغاء لما يتغير خارجها. الجامعة التي تحمي رسالتها، وتقرأ هشاشتها مبكراً، وتترجم المعرفة إلى أثر في سوق العمل والمجتمع، لا تفقد استقلالها؛ بل تستعيد معناها. وهنا تبدأ الحوكمة الحقيقية: حين يصبح مجلس الأمناء بوصلةً للمستقبل، وتصبح الجامعة شريكاً في صناعة المستقبل لا متفرجاً عليه.

* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
المرجع:
Robert A. Scott, How University Boards Work: A Guide for Trustees, Officers, and Leaders in Higher Education, 2nd ed., Johns Hopkins University Press, 2026



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة الرقمية: الإصبع السادس في الاقتصاد
- التقادم المصمَّم: حين يصبح التجديد استنزافًا للقيمة
- رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة
- حين يصبح الممر أغلى من النفط
- تعثر الجامعات واختلال صلتها بالمجتمع وسوق العمل
- بشأن البروتوكول الوطني الأردني للتبرع بالأعضاء
- بعض أدوات الإدارة الفاعلة لقرارات سليمة
- أثر غياب مساهمة المرأة في الاقتصاد
- عن اقتصاديات المعرفة والابتكار والبحث العلمي
- القائد قبل رأس المال
- التعدين في الأردن: من الفوسفات إلى البطاريات
- ما وراء صفقة الغاز
- رأس المال البشري كرافعة للتصنيع المتقدم
- التكامل العربي من وفرة المزايا إلى سوق الإنتاج المشترك
- قدرة الجامعات على تحويل التعليم إلى معرفة منتجة
- الصحة النفسية للعاملين في القطاع الصحي
- كيف تتحول البدايات العظيمة إلى أثر مستمر؟
- حين يتحول “التطوير المؤسسي” إلى مجاملة
- كلفة عبور - هرمز- تصنع موجة التضخم الجديدة
- التلاعب بالعقول مشكلة الموظف أم الإدارة؟


المزيد.....




- تحليل: مؤشرات التجديد النصفي تبشّر الديمقراطيين.. لكن الحديث ...
- بعد ضربات في الجنوب.. سوريا تعلن إغلاق المعبر الحدودي مع الأ ...
- فيديو انتخابي لنتنياهو: -ترامب يريد فوزي.. وأعداء إسرائيل ير ...
- السبت الأسود: يوم وقفت البشرية على حافة الهاوية النووية
- الدفاع الروسية: توجيه ضربات ليلية للبنية التحتية في كييف وخا ...
- افتتاح مراكز الاقتراع في جميع أنحاء إسرائيل
- كيف يمكن أن تُهزم كييف ولا تنتصر روسيا؟
- خبير عسكري يتحدّث عن الأضرار التي لحقت بالجيش الأوكراني من ق ...
- ابن عم نتنياهو يتخلى عنه.. -لن أصوت لليكود-
- أربعة قتلى وعدد من المصابين إثر عاصفة قوية تضرب أنطاليا التر ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانيا غازي أبو غوش - أزمة التعليم العالي في البلاد العربية