أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانيا غازي أبو غوش - رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة














المزيد.....

رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 10:18
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الجامعة التي لا تنسى: رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة
ليست استدامة الجامعة عداداً للكهرباء، ولا حملةً لزراعة الأشجار، ولا تقريراً أنيقاً عن المسؤولية الاجتماعية. هذه ممارسات نافعة، لكنها لا تصنع وحدها جامعة قادرة على الاستمرار. فالاستدامة، في معناها المؤسسي الأعمق، هي قدرة الجامعة على الحفاظ على قيمة تعليمها، وأثر بحثها، وكفاءة مواردها، وثقة مجتمعها بها، من دون أن تستهلك في الطريق طلابها، وأعضاء هيئة التدريس فيها، ومالها العام، أو مستقبل خريجيها .ولهذا لا يكفي أن تتحدث الجامعة عن حرم أخضر أو مبادرة تطوعية أو شراكة مجتمعية، إذا كانت في المقابل تفقد خبراتها عند مغادرة أصحابها، أو تعيد اختراع قراراتها مع كل إدارة جديدة، أو تستمر في تشغيل تخصصات لا تقرأ تحولات السوق، أو تنفق على بنية أكاديمية لا تتحول إلى مخرجات قابلة للقياس. فالجامعة المستدامة ليست فقط التي تخفض فاتورة الطاقة، بل التي تحمي رأس مالها المعرفي من التآكل.هنا تظهر أهمية التمييز بين المسؤولية الاجتماعية والاستدامة المؤسسية والحوكمة. فالمسؤولية الاجتماعية تعني ما تقدمه الجامعة لمجتمعها من خدمات ومبادرات وفرص دعم، وهي جزء أصيل من رسالتها. أما الاستدامة المؤسسية فتسأل سؤالاً أعمق: هل تستطيع الجامعة، بعد خمس أو عشر سنوات، أن تستمر في تقديم تعليم ذي قيمة، وبحث ذي أثر، وخريجين قادرين على الانتقال إلى اقتصاد منتج؟ وتأتي الحوكمة بوصفها الأداة التي تمنع هذه الأسئلة من البقاء في تقارير منفصلة، وتحولها إلى قرار وميزانية ومساءلة وتصحيح للمسار.

في الأردن، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الواقع المالي وسوق العمل. فقد طُلب من الجامعات الرسمية إعداد خطط مالية للأعوام 2026–2029، مرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي ومؤشرات أداء قابلة للمتابعة، بالتوازي مع قرار الحكومة تحمّل 50% من مستحقات الضمان الاجتماعي المترتبة عليها خلال ثلاث سنوات. وهذه خطوة مهمة لتخفيف جزء من الضغط المالي، لكنها تضع الجامعات أمام مسؤولية موازية: أن تتحول خططها المالية إلى خطط للقدرة، لا إلى جداول إنفاق فقط.
فالاستدامة المالية لا تُبنى عبر ضبط المصروفات وحده، بل عبر حسن توجيه الموارد نحو تخصصات مطلوبة، وكفاءات قابلة للتطوير، وشراكات تمنح الطالب خبرة عملية، وبحث علمي قابل للتحول إلى قيمة اقتصادية. وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تبلغ البطالة بين الأردنيين من حملة البكالوريوس فأعلى 25.8%، وفق بيانات عام 2024. لا يعني ذلك أن الجامعة مسؤولة وحدها عن البطالة، لكنه يعني أن استمرار الفجوة بين المعرفة الأكاديمية والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد لم يعد كلفة تعليمية فقط؛ بل كلفة على الأسر والإنتاجية وفرص النمو.

المشكلة في عدد من الجامعات العربية ليست ندرة التقارير أو ضعف المبادرات، بل انفصالها عن بعضها. وحدة للجودة تكتب تقريراً، ومركز للتوظيف يجمع استبيانات، وإدارة للمخاطر تعد سجلاً، ومكتب للاستدامة ينفذ نشاطاً، ثم لا يترجم مجموع ذلك إلى قرار يعيد هيكلة تخصص راكد، أو يعالج ضعف الإرشاد المهني، أو يوقف هدراً مبكراً، أو يطور قدرات أعضاء هيئة التدريس. الجامعة هنا لا تعاني شح المعلومات، بل شح القرار الذي يستخدم المعلومات.ومن هنا تلتقي القيادة التحويلية بالاستدامة والحوكمة. ففي بحثي للماجستير عام 2014 حول القيادة التحويلية في الجامعات الأردنية الرسمية، برزت الرؤية المشتركة والثقة والتمكين والمشاركة في القرار بوصفها مرتكزات للتطوير. واليوم تتسع دلالتها: الرؤية المشتركة تصبح هوية مؤسسية لا تتبدل بتبدل رئيس الجامعة أو العميد؛ والثقة تصبح بيئة تسمح بتبادل الخبرة من دون خوف أو احتكار؛ والتمكين يصبح قدرة موزعة، فلا يتوقف العمل على شخص واحد؛ والمشاركة في القرار تتحول إلى ذاكرة مؤسسية تحفظ ما نجح وما أخفق.إن أخطر رصيد قد تفقده الجامعة لا يظهر في ميزانيتها: معرفة ضمنية تتكون عبر سنوات من إدارة الاعتماد، وبناء الشراكات، وفهم احتياجات الطلبة، ومعالجة التعثر، وتطوير المناهج، وقراءة الإشارات المبكرة في سوق العمل. وعندما يغادر صاحب هذه المعرفة بلا نقل منظم للخبرة، لا يغادر الأستاذ أو المدير وحده؛ بل تغادر معه قدرة مؤسسية يصعب تقدير قيمتها إلا عندما تحتاجها الجامعة فلا تجدها.
لذلك، تحتاج الجامعة إلى خريطة استدامة وقدرة لمدة ثلاث سنوات، يمتلكها مجلس الأمناء والإدارة الأكاديمية معاً. تبدأ برصد الخبرات الحرجة، وخطط التعاقب القيادي، ومصير الخريجين، وكلفة الطالب الفعلية، والتخصصات ضعيفة الطلب، ومخاطر السمعة والاعتماد والاستقرار المالي. ثم تُربط هذه البيانات بقرارات واضحة: تطوير تخصص أو دمجه، بناء شراكة تدريبية، نقل معرفة خبير، إعداد صف ثانٍ من القيادات، أو إعادة توجيه مورد مالي.
الجامعة التي لا تنسى ليست جامعة أسيرة للماضي، بل جامعة تعرف كيف تحوّل خبرتها إلى قرار، وقرارها إلى قدرة، وقدرتها إلى قيمة تعليمية واقتصادية مستدامة. فالمباني تمنح الجامعة شكلاً، والبرامج تمنحها اسماً، أما الحوكمة التي تحمي المعرفة والموارد والأثر، فهي وحدها التي تمنحها مستقبلاً.
*مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الممر أغلى من النفط
- تعثر الجامعات واختلال صلتها بالمجتمع وسوق العمل
- بشأن البروتوكول الوطني الأردني للتبرع بالأعضاء
- بعض أدوات الإدارة الفاعلة لقرارات سليمة
- أثر غياب مساهمة المرأة في الاقتصاد
- عن اقتصاديات المعرفة والابتكار والبحث العلمي
- القائد قبل رأس المال
- التعدين في الأردن: من الفوسفات إلى البطاريات
- ما وراء صفقة الغاز
- رأس المال البشري كرافعة للتصنيع المتقدم
- التكامل العربي من وفرة المزايا إلى سوق الإنتاج المشترك
- قدرة الجامعات على تحويل التعليم إلى معرفة منتجة
- الصحة النفسية للعاملين في القطاع الصحي
- كيف تتحول البدايات العظيمة إلى أثر مستمر؟
- حين يتحول “التطوير المؤسسي” إلى مجاملة
- كلفة عبور - هرمز- تصنع موجة التضخم الجديدة
- التلاعب بالعقول مشكلة الموظف أم الإدارة؟
- اقتصاد عالمي أعلى كلفة يرسم خريطة استثمار جديدة
- تحويل الأردن إلى مركز للابتكار والاستثمار
- نمط التعليم يحدّد مسار التنمية في الأردن وفلسطين


المزيد.....




- انتخابات إسرائيل.. تحالفات معقدة تحدد مصير نتنياهو
- انهيار منجم للذهب شرق السودان وسباق مع الوقت لإنقاذ العالقين ...
- فرنسا.. 1314 معتقلا و53 شرطيا مصابا في احتجاجات غلاء المعيشة ...
- سانشيز: الحرب على إيران كبدت أوروبا 100 مليار يورو
- وثيقة نادرة تكشف تبرير إسرائيل للحرب على مصر وقطاع غزة قبل 7 ...
- أوشاكوف: حضور بوتين قمة العشرين في الولايات المتحدة سيعتمد ع ...
- مجلس الأمة الجزائري يوافق بالإجماع على إرسال وحدة عسكرية إلى ...
- 7 قتلى حصيلة العدوان الإسرائيلي على غزة منذ فجر اليوم (صور) ...
- انتخابات برلمانية مبكرة في صربيا: خيار الصناديق بين فوتشيتش ...
- بسبب تغير المناخ.. هل تصبح البطاطا في ألمانيا أغلى من الكافي ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رانيا غازي أبو غوش - رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة