أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - حين يصبح الممر أغلى من النفط














المزيد.....

حين يصبح الممر أغلى من النفط


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 21:27
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


أثر الاضطراب الإقليمي على الممرات والموارد

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
في اقتصاد الأمس، كان ارتفاع سعر النفط يُقرأ بوصفه مكسباً تلقائياً للدول المصدّرة وخسارة تلقائية للدول المستوردة. أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة. حين تتعثر الممرات البحرية، ويصعد التأمين، وتطول رحلة الحاوية، ويصبح وصول الوقود والمواد الخام غير يقيني، لا يعود السؤال: من يملك النفط؟ بل: من يملك طريقاً موثوقاً لنقله وتحويله إلى إنتاج وتصدير؟
الاضطراب الإقليمي الأخير كشف هذه الحقيقة بوضوح. ارتفاع أسعار الطاقة لا يعوض بالضرورة خسارة الكميات أو تأخير الشحنات، ولا يحمي اقتصاداً إذا انتقلت الكلفة إلى الوقود والنقل والغذاء والتأمين. ولهذا لم تعد الموانئ والحدود والسكك ومراكز التخزين بنية خدمية تقع على هامش الاقتصاد؛ بل أصبحت بنية سيادية تحدد قدرة الدولة على حماية مصانعها وأسواقها وموازنتها في وقت واحد.

من هنا يجب أن تُقرأ العقبة. ليست منفذاً بحرياً وحيداً للأردن فحسب، بل هي أصل اقتصادي استراتيجي يقرر كلفة الوصول إلى المصنع، وزمن خروج السلعة إلى السوق، وموثوقية الأردن بوصفه قاعدة إنتاج وتجارة إقليمية. وقد سجل ميناء حاويات العقبة في أيلول من العام الجاري رقماً قياسياً بمناولة 107,803 حاويات مكافئة، للثالث على التوالي، فيما شهد قطاع النقل في الربع الثاني نمواً في الشحن البري والبحري. هذه أرقام مهمة، لكنها لا تصبح ميزة اقتصادية كاملة إلا إذا تحولت من «حجم مناولة» إلى «زمن تسليم أقل وكلفة أقل ومعلومة أدق».

هذا هو الفارق بين الميناء الناجح والممر الاستراتيجي. الميناء يفرّغ الحاوية بكفاءة؛ أما الممر فيتابع الحاوية رقمياً من السفينة إلى المصنع أو السوق النهائي، ويعرف مسبقاً موقع الاختناق، ومدة التخليص، ومخاطر التأخير، والطاقة الاستيعابية للشاحنات والمستودعات، وكلفة التأمين المتغيرة. في اقتصاد الشحن المضطرب، البيانات ليست خدمة تقنية إضافية، بل أداة لإدارة رأس المال العامل. كل يوم انتظار في الميناء يعني سيولة مجمدة، ومخزوناً غير منتج، واحتمال فقدان عقد تصدير أو تعطل خط إنتاج.

الأردن يملك عناصر البداية: توسع في الأداء المينائي، ومشروع سكة حديد ميناء العقبة بشراكة أردنية–إماراتية تتجاوز استثماراته 2.3 مليار دولار، وميناء جاف في معان، وتوجه نحو رقمنة المنظومة اللوجستية. لكن القيمة الحقيقية لن تتحقق عبر تنفيذ مشاريع منفصلة. المطلوب هو ربط الميناء والسكك والميناء الجاف والمعابر والمناطق الصناعية ضمن شبكة واحدة، يكون لها «برج مراقبة لوجستي» يقرأ الحركة لحظة بلحظة ويشارك البيانات ذات الصلة مع الجمارك والمشغلين والمصنعين وشركات النقل.
هذه الشبكة لا تُبنى لتجميل صورة العقبة، بل لحل ثلاث كلف مزمنة. الأولى هي كلفة عدم اليقين: يحتاج المستورد والمصنع إلى موعد موثوق لا إلى تقدير فضفاض لوصول شحنته. والثانية كلفة التمويل: حين تصبح حركة البضاعة قابلة للتتبع، يمكن للمصارف وشركات التأمين تمويل المخزون والشحنات على أساس مخاطر أدق، فتتراجع كلفة رأس المال العامل. والثالثة كلفة الفرصة الضائعة: فالشركة العالمية لا تختار الموقع الأرخص فقط، بل الموقع الذي يستطيع أن يضمن استمرار التدفق حين تتعطل المسارات الأخرى.
هنا تتصل اللوجستيات بالصناعة. الاستراتيجيات الأردنية الجديدة للصناعات الهندسية والغذائية والكيماوية والتجميلية لا تنجح بالتدريب والحوافز وحدهما؛ تحتاج إلى ممر تصديري يضمن المواد الأولية، وسلاسل تبريد عند الحاجة، ومطابقة رقمية للمنشأ والمعايير البيئية، ووثائق تجارية تنتقل بلا ورق قدر الإمكان. الأسواق الأوروبية لا تشتري منتجاً جيداً فحسب، بل تشتري قدرة يمكن التحقق منها: بصمة كربونية، زمن تسليم، مصدر واضح، والتزام مستمر بالمواصفات.
والحل ليس إعلان العقبة مركزاً لوجستياً، بل قياس ذلك. نحتاج إلى عقد أداء وطني للممر العقبة–معان–عمّان–المعابر، بأربعة مؤشرات معلنة شهرياً: زمن بقاء الحاوية، زمن دوران الشاحنة، كلفة نقل الحاوية إلى المصنع، ونسبة الشحنات التي تتبع رقمياً من الميناء إلى وجهتها. ويجب أن يرتبط كل تحسن في هذه المؤشرات بحوافز للمشغلين، وبمسار سريع للمصدرين الملتزمين، وبمنصة موحدة تتيح للشركات حجز الخدمات وتتبع شحناتها ومعرفة الرسوم والمتطلبات قبل وصول البضاعة لا بعد تعطلها.
حين يصبح الممر أكثر موثوقية من البدائل، يتحول الموقع الجغرافي إلى قيمة مضافة، وتتحول العقبة من نقطة وصول إلى آلة تصدير. في عالم لا يضمن فيه النفط وحده الطاقة ولا السعر وحده التجارة، ستكون القوة للدولة التي تجعل حاويتها أسرع، ومعلومتها أوضح، وعقدها أكثر قابلية للتنفيذ.
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعثر الجامعات واختلال صلتها بالمجتمع وسوق العمل
- بشأن البروتوكول الوطني الأردني للتبرع بالأعضاء
- بعض أدوات الإدارة الفاعلة لقرارات سليمة
- أثر غياب مساهمة المرأة في الاقتصاد
- عن اقتصاديات المعرفة والابتكار والبحث العلمي
- القائد قبل رأس المال
- التعدين في الأردن: من الفوسفات إلى البطاريات
- ما وراء صفقة الغاز
- رأس المال البشري كرافعة للتصنيع المتقدم
- التكامل العربي من وفرة المزايا إلى سوق الإنتاج المشترك
- قدرة الجامعات على تحويل التعليم إلى معرفة منتجة
- الصحة النفسية للعاملين في القطاع الصحي
- كيف تتحول البدايات العظيمة إلى أثر مستمر؟
- حين يتحول “التطوير المؤسسي” إلى مجاملة
- كلفة عبور - هرمز- تصنع موجة التضخم الجديدة
- التلاعب بالعقول مشكلة الموظف أم الإدارة؟
- اقتصاد عالمي أعلى كلفة يرسم خريطة استثمار جديدة
- تحويل الأردن إلى مركز للابتكار والاستثمار
- نمط التعليم يحدّد مسار التنمية في الأردن وفلسطين
- كيف يحوّل الأردن الأمن الدوائي إلى قوة اقتصادية إقليمية؟


المزيد.....




- ماسك يخسر 30 مليار دولار فور هزيمة الجمهوريين بالانتخابات ال ...
- خسارة التجديد النصفي تحرم ترامب من إحكام قبضته على السياسة ا ...
- الاتحاد الأوروبي يستثمر 590 مليون دولار في شركات الرقائق لمن ...
- إفلاس 5300 شركة روسية في 9 أشهر
- فوز الديمقراطيين بالكونغرس يرفع أسهم أوروبا إلى أعلى مستوى ف ...
- بورصة تل أبيب تهبط لأدنى مستوى في 6 أشهر بعد فوز الديمقراطيي ...
- فاتورة واردات الطاقة تقفز 66% في 4 دول عربية بفعل حرب إيران ...
- شركة كاي القطرية تعتزم تطوير مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في ...
- العجز التجاري الأمريكي يتراجع إلى 105 مليارات دولار
- تراجع أسعار النفط عالمياً عقب فوز الديمقراطيين بانتخابات الك ...


المزيد.....

- مصر وفشل التنمية والحمائية الجديدة: المأزق المزدوج لنموذج ال ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - حين يصبح الممر أغلى من النفط